“المرزح” في الحضارات السامية القديمة: نحو فهم جذور الفضاء الأدائي ونشأة مفهوم المسرح في الشرق القديم

يثير البحث في أصول الفنون الأدائية في الشرق القديم إشكالية معرفية معقدة، تتعلق بمدى وجود تقاليد فرجوية أو احتفالية يمكن عدّها نواةً أولى لما أصبح لاحقًا فن المسرح. وإذا كان تاريخ المسرح الكلاسيكي غالبًا ما يُربط باليونان القديمة، فإن الدراسات الحديثة في الأنثروبولوجيا الثقافية والآثار السامية تشير إلى أن المجتمعات الشرقية القديمة عرفت أشكالًا متنوعة من الطقوس الاحتفالية الجماعية التي تضمنت عناصر أدائية واضحة مثل الموسيقى والرقص والغناء والإنشاد الجماعي وسرد القصص.ومن بين المفاهيم التي أثارت اهتمام الباحثين في هذا السياق مصطلح المرزح(Marzēaḥ)، وهو مصطلح ورد في نصوص سامية قديمة تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، ويشير إلى مؤسسة اجتماعية أو طقس احتفالي جماعي يرتبط بالولائم والشراب والموسيقى، وقد عُرف في عدة مناطق من الشرق الأدنى القديم، خصوصًا في بلاد الشام وأوغاريت وفينيقيا وتدمر. وتكمن أهمية دراسة المرزح في أنه يمثل نموذجًا مبكرًا لفضاء اجتماعي يجمع بين الطقس والفرجة الجماعية، وهو ما يفتح المجال أمام فرضية وجود تقاليد أدائية في الشرق القديم قد تكون مهدت الطريق لظهور أشكال فرجوية لاحقة. كما يثير هذا المفهوم سؤالًا لغويًا وثقافيًا يتعلق بإمكانية وجود علاقة تاريخية أو دلالية بين مصطلح المرزح وبعض المصطلحات العربية اللاحقة مثلالمسرح.تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مفهوم المرزح في الحضارات السامية القديمة من خلال النصوص الأثرية واللغوية، ومحاولة فهم طبيعته الاجتماعية والطقسية، ثم بحث علاقته المحتملة بتطور الفضاء الأدائي في الشرق القديم، وصولًا إلى مناقشة المسار اللغوي الذي أدى إلى ظهور مصطلحالمسرحفي العربية الحديثة.

يرد مصطلح Marzēaḥ في عدد من النصوص السامية الشمالية الغربية، ومنها النصوص الأوغاريتية والفينيقية والعبرية والآرامية. ويُعتقد أن هذا المصطلح كان يشير إلى نوع من الجمعيات الاحتفالية أو الولائم الطقسيةالتي يجتمع فيها أعضاء جماعة معينة لتناول الطعام والشراب وإقامة طقوس جماعية.وقد عُثر على أقدم الإشارات إلى هذا المفهوم في نصوص مدينةأوغاريت التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، حيث يظهر المرزح بوصفه مجلسًا احتفاليًا يرتبط بالولائم والموسيقى والشراب، وغالبًا ما يكون تحت رعاية شخصية بارزة أو زعيم ديني أو اجتماعي¹.وتكشف هذه النصوص أن المرزح لم يكن مجرد اجتماع عابر، بل كان مؤسسة اجتماعية منظمة تضم أعضاء محددين، وربما كان لها نظام داخلي يحدد شروط الانضمام وطقوس الاجتماع. وتشير بعض الدراسات إلى أن هذه المؤسسة قد تكون أدت دورًا مشابهًا لدور الجمعيات الدينية أو الأخويات الاجتماعية في المجتمعات القديمة². يظهر مصطلح المرزح أيضًا في نصوص منالعهد القديم، الأمر الذي يدل على انتشار هذا التقليد في البيئة الثقافية للشرق الأدنى القديم.ففيسفر إرميا(16:5–8) يرد ذكر بيت المرزح بوصفه مكانًا يقيم فيه الناس طقوس العزاء بعد وفاة أحد أفراد الجماعة، حيث يجتمع المعزون لتناول الطعام وتقاسم الخبز وشرب كأس التعزية³.كما يظهر المصطلح في سفر عاموس(6:7) في سياق نقد اجتماعي لطبقة مترفة اعتادت إقامة الولائم الصاخبة وشرب الخمر والاستمتاع بالموسيقى، حيث يصف النص تجمعات فاخرة يشرب فيها المشاركون الخمر في أوعية كبيرة ويستمعون إلى العزف والغناء⁴.وتكشف هذه النصوص عن جانبين رئيسيين للمرزح:

  1. وظيفة جنائزية مرتبطة بطقوس العزاء وتكريم الموتى.
  2. وظيفة احتفالية مرتبطة بالولائم والموسيقى والشراب.

ويبدو أن هذا التداخل بين الفرح والحزن يعكس رؤية ثقافية قديمة ترى أن الاحتفال بالحياة والموت جزء من دورة اجتماعية واحدة. توفر النقوش المكتشفة في مدينة تدمر السورية أدلة مهمة على استمرار تقليد المرزح في الفترات اللاحقة، خصوصًا خلال القرنين الأول والثالث الميلاديين. فقد عُثر على نقوش تشير إلى جماعات تسمى”بني المرزح”، وهو تعبير يدل على وجود رابطة اجتماعية أو جمعية احتفالية لها أعضاء محددون وطقوس خاصة⁵. كما تشير بعض النقوش إلى وجود منصب يسمى رئيس المرزح، وهو الشخص المسؤول عن تنظيم الولائم والاحتفالات. ويبدو أن هذه الجماعات كانت تؤدي وظائف اجتماعية وثقافية مهمة، إذ كانت تجمع بين الطابع الاحتفالي والطابع التضامني داخل المجتمع. من السمات الأساسية التي ارتبطت بالمرزح وجود الموسيقى والرقص الجماعي، وهي عناصر تشكل جزءًا أساسيًا من الطقوس الاحتفالية في معظم الثقافات القديمة. وتُظهر بعض النقوش الفينيقية والرسوم الأثرية مشاهد لرجال ونساء يرقصون في حلقات دائرية حول عازف موسيقي يقف في الوسط، وهو نمط من الرقص الجماعي لا يزال معروفًا في كثير من الثقافات الشعبية في بلاد الشام.ويرى بعض الباحثين أن هذا الشكل من الرقص الدائري يحمل دلالة رمزية، إذ يعبر عن وحدة الجماعة وتضامنها، كما يخلق فضاءً أدائيًا يتوسطه العازف أو المنشد، وهو ما يشبه من الناحية البنيوية فضاء العرض الأدائي⁶.

يشير مفهوم بيت المرزح إلى المكان الذي كانت تقام فيه هذه الاجتماعات الاحتفالية. وتشير النصوص القديمة إلى أن هذا المكان كان عبارة عن قاعة أو مبنى مخصص للولائم والاحتفالات الجماعية.ومع مرور الزمن يبدو أن هذه الفضاءات الاحتفالية تحولت إلى أماكن يجتمع فيها الناس للاستماع إلى الغناء والموسيقى وسرد القصص، وربما تمثيل بعض الحكايات المرتبطة بالأساطير أو الأحداث التاريخية.ومن هنا يرى بعض الباحثين أن هذه الفضاءات قد تمثلمرحلة مبكرة من تطور الفضاء الأدائي الجماعيالذي أصبح لاحقًا أساسًا للفنون المسرحية.تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية أن كثيرًا من الفنون الأدائية نشأت في الأصل داخل الطقوس الدينية أو الاجتماعية. فالاحتفالات الموسمية وطقوس الخصوبة ومراسم العزاء كانت غالبًا تتضمن عناصر أدائية مثل الرقص والغناء والتمثيل الرمزي.وقد شهدت الحضارات القديمة، مثل مصر وبلاد الرافدين واليونان، تطورًا تدريجيًا لهذه الطقوس نحو أشكال أكثر تنظيماً من الأداء الجماعي.وفي هذا السياق يمكن النظر إلى المرزح بوصفه نموذجًا منالطقوس الاحتفالية التي تجمع بين الأداء الجماعي والفضاء الاجتماعي، وهو ما يجعله قريبًا من البنية الأولية للفنون الأدائية.

يثير مصطلح المسرحفي العربية الحديثة سؤالًا حول أصوله اللغوية. فكلمة مسرح مشتقة من الجذر العربي “سرح” الذي يدل على الانطلاق أو الامتداد في الفضاء. وقد استُخدم هذا المصطلح في العصر الحديث لترجمة كلمةTheatre الأوروبية، خصوصًا في القرن التاسع عشر مع حركة الترجمة والتحديث الثقافي في المشرق العربي. غير أن بعض الباحثين يرون أن وجود كلمات قريبة مثل مرسح أو مرزح في اللهجات القديمة في بلاد الشام قد يعكس استمرارية دلالية لفكرة الفضاء الاحتفالي الذي يجتمع فيه الناس للرقص والغناء. ورغم أن العلاقة اللغوية المباشرة بين المرزح والمسرح لا تزال موضع نقاش بين اللغويين، فإن التشابه الدلالي بين المفهومين يشير إلى وجود تقليد ثقافي قديم مرتبط بالفضاءات الاحتفالية الجماعية. يمكن القول إن دراسة المرزح تكشف عن وجود تقاليد احتفالية في الشرق الأدنى القديم تضمنت عناصر أساسية للفنون الأدائية، مثل:

  • الموسيقى والغناء
  • الرقص الجماعي
  • التجمع في فضاء محدد
  • وجود قائد أو منشد
  • مشاركة الجمهور في الطقس

وهذه العناصر نفسها تشكل الأساس البنيوي للعرض المسرحي.لذلك يرى بعض الباحثين أن الشرق القديم عرف أشكالًا أولية من الفرجة الطقسيةالتي كانت تمثل مرحلة سابقة لظهور المسرح بمعناه الفني المنظم. تكشف دراسة مفهوم المرزح عن جانب مهم من تاريخ الممارسات الاجتماعية والاحتفالية في الحضارات السامية القديمة. فقد كان هذا الطقس يمثل مؤسسة اجتماعية تجمع بين الوليمة والاحتفال والموسيقى والرقص، كما كان يؤدي دورًا مهمًا في تعزيز الروابط الاجتماعية داخل المجتمع. ورغم أن المسرح بمعناه الفني لم يظهر في الشرق القديم بالشكل الذي عرفته الحضارة اليونانية، فإن وجود مؤسسات احتفالية مثل المرزح يدل على أن المجتمعات السامية عرفت تقاليد أدائية جماعية يمكن عدّها جزءًا من الجذور الثقافية للفنون الأدائية.ومن ثم فإن دراسة هذه الظاهرة تفتح آفاقًا جديدة لفهم تاريخ المسرح خارج الإطار الكلاسيكي اليوناني، وتكشف عن عمق التقاليد الاحتفالية في حضارات الشرق القديم.

المراجع:

  1. McLaughlin, John L. The Marzeah in the Ugaritic Texts. Ugarit-Forschungen.
  2. King, Philip J. “The Marzeah: Textual and Archaeological Evidence.” Biblical Archaeologist, 1988.
  3. The Holy Bible, Jeremiah 16:5–8.
  4. The Holy Bible, Amos 6:3–7.
  5. Healey, John. Aramaic Inscriptions from Palmyra. Oxford University Press.
  6. Burkert, Walter. Ancient Mystery Cults. Harvard University Press.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى