مقامات فاس (6)”:مَقامَةُ “سُلطانِ الطَّلَبَةِ” في ذِكرِ الطُّقوسِ والعادَاتِ وما انطَوَت عليهِ مِن رُموزِ السِّياسَةِ والإشارات


حُكِيَ – يا سادةُ –/ مقيدا في الدفاتر ومرويا عن اللسان، أن في سالفِ الأزمان، وماضِي الحِقَبِ والأوطان، أنَّ للمغربِ الأقصى شأنًا في صِلَةِ العِلمِ بالسُّلطان، ورِباطِ الطلبةِ بأربابِ التيجان، حتى غدت تلك العلاقةُ عَلَمًا في تاريخِه، وسِمَةً من سِماته، تُروى في المجالسِ وتُتلى في الدواوين. فمنذُ عهدِالدولة الموحدية ظهرت سننٌ وأعراف، تُقيمُ للطلبةِ رئيسًا يُنتخبُ كلَّ عام، كأنهم قومٌ لهم شورى، وأهلُ عقدٍ وحلٍّ في دنيا الأقلام. ثم جاء عهدُالدولة المرينية فزاد الأمرُ بهاءً، وأُقيمت للمتفوقين أفراحٌ واحتفاء، كأنَّ العلمَ عُرسٌ، وأهلهُ فيهِ أنجُمٌ وأضواء، غير أنَّ ذلك النهج ما استقامَ نظامُه، ولا اعتدلَ قِوامُه، حتى أطلَّ زمنُ السلطانِ المولى الرشيد، فشدَّ من أزرِ الطلبة، وربطَ أمرَهم بأمرِ الدولة، في واقعةٍ طار صيتُها، وسار ذكرُها في البوادي والحُضَر. وذلك أنَّ رجلًا تاجرا يهودي الشريعة يُدعى هارون بنَ مشعلٍ، قد طغى وتجبر، واستطالَ واستكبر، وعظم شأنه اقتصاديا في تازة، وأرهقَ أهلَ المنطقة ظلمًا، وأذاقهم من عسفِه ألمًا، حتى فرضَ عليهم خراجًا عاليا، وهديَّةً لا يطيقها فقيرا ولا غنيا، إذ كانوا يبعثون إليه كلَّ عامٍ بأجملِ فتاة، يضمُّها إلى حريمه، ويُدخلها في سِربِ إمائه. فهاجت لذلك نفوسُ الأحرار، وضاقت به صدورُ الأخيار.

وكان في طلبةِ جامعة القرويين فتىً يُسمى أبو الحسن بنَ حرزهم، فيه من العزمِ ما يفلُّ الحدَّ، ومن الحزمِ ما يَحُلُّ العقد. فلمَّا رأى تلك الفِعلةَ الشنعاء، وتلك السُّنَّةَ النكراء، قال: “لا بُدَّ للباطلِ من صرعة، وللظلمِ من وقعة”. فتنكَّر في زيِّ النساء، وتلثَّم بلباسِ الحياء، وسار في موكبِ الفتاةِ المزعومة، ومعه أربعون من رفاقِه في طيفوراتٍ مكنونة، كأنهم أسودٌ في أقفاص، أو سيوفٌ في أغماد. فلما بلغوا دارَ الطاغية، واستقروا في حِماهُ وساحته، رحَّب بهم ترحيبَ المغرور، وأدخلهم دارَه إدخالَ المسرور. فلما أُغلِقَ الباب، وسُدَّت الأسباب، كشف عليٌّ عن وجهِه القناع، وأبرز من بأسِه ما يُذهلُ الأسماع، فانقضَّ عليه انقضاضَ الصاعقة، وأعانه رفاقُه إعانةَ الصادقة، حتى أردوه قتيلًا، وجعلوا من طغيانهِ عبرةً ودليلًا.ثم قصدوا السلطانَالمولى الرشيد، فأخبروه الخبرَ اليقين، فاستبشرَ بهم، وأعلى شأنهم، وقرَّبهم، وجعل لهم من فضلِه نصيبًا، ومن عطفِه قِسطًا وافرًا. وأمر أن تُقامَ للطلبةِ حفلةٌ سنوية، يُنصَّب فيها سلطانٌ منهم، في صورةٍ رمزية، كأنَّ الملكَ يقتسمُ مجدَه، ويُشركُهم في عهدِه.

وحُكِيَ – يا أهلَ البيان – أنَّ السلطانَ المولى الرشيد لمّا وقف على صنيعِ أب الحسن بنِ حرزهم، وما أبداه من جسارةٍ تُذيبُ الصخر، وحيلةٍ تُحيي الذكر، أعجبته نجدةُ الفتى، واستحسنَ فِعلتَه التي جمعت بين الرأيِ والعزم، وبين الكيدِ والحزم، حتى رأى فيه مثالَ الشجاعةِ المُخلِصة، والصنيعةِ المُخلَّدة. فغدا يُثني عليه في المجالس، ويذكره في المحافل، حتى استقرَّ في خلده أن يُجاوره في الممات كما جاوره في المعنى والصفات، فطلب – اعتزازًا بفعله، وتيمُّنًا بعقله – أن يُدفن إلى جانبه، ليكون القربُ في الثرى امتدادًا للقربِ في الأثر، وكأنَّ الأجسادَ إذا تآلفت في الحياة، تآخت في الممات. ولهذا الفارسِ الفقيه – عليِّ بنِ حرزهم – قُبَّةٌ مشهورة، تُزارُ وتُقصَد، قائمةٌ خارجَ باب الفتوح، عن يمينِ السالكِ إلى ملعب كرة القدم، تشهدُ على ماضٍ عزيز، وتُحدِّثُ عن رجلٍ جليل، بقي ذكرُه في الأفواه، كما بقي قبرُه علمًا على الدروبِ والفِجاج.

وفي روايةٍ أخرى، أنَّ السلطانَ مولاي الرشيد كان في ضيقٍ من أمره، بين خصمٍ باغٍ، وأخٍ منازعٍ طاغٍ، فلجأ إلى زاويةِ الشيخِ اللواتي، واستنجدَ بالطلبةِ ذوي النجدةِ والنجاة، فكان لهم في نصرِه يدٌ، وفي تمكينِه مدد، حتى دخلفاس، وبُويع فيها سلطانًا عام ستةٍ وستين وستمائةٍ وألف.ومن يومئذٍ، سُنَّت سنةُ “سلطان الطلبة”، فصار أحدُ النجباءِ يتولى التاجَ في مزاد، ويجلسُ على عرشٍ مُشاد، ويُحيطُ به زملاؤه حاشيةً ووزراء، في مشهدٍ يجمعُ الجدَّ والهزل، والرمزَ والعمل، وله أن يرفعَ للسلطانِ الحقيقيِّ مطالبَ قومِه، ويُفصحَ عن حاجاتِ وطنِه.وقد رفع المولى الرشيدمن شأنِ الطلبةِ رفعًا، وجعل لهم في كلِّ ربيعٍ شرفًا وعرفًا، كأنه أراد أن يقول: إنَّ العلمَ أساسُ المُلك، وإنَّ الطلبةَ عِمادُ السُّلطانِ إذا اضطربَ الفُلك. فكان ذلك ضربًا من تقاسمِ الرمز، ومشاركةٍ في العز، ودليلًا على أنَّ أهلَ العلمِ هم خزانُ الدولة، ومادةُ القوة. وقد ذكر ابن زيدان في “الدرر الفاخرة” خبرَ هذه النزهة، ونقل عن “فتح المنان” وصفَ تلك البهجة، وأنها كانت للطلبةِ عيدًا، وللأُنسِ موعدًا جديدًا، منذُ يومِ الفتحِ على ابنِ مشعل، إلى ما تلا من الأعوامِ والأجيال.

ثم جاء عهدُ المولى الحسن الأول، فبلغت النزهةُ أوجَها، وارتفعت في المجدِ درجَها، إذ كان السلطانُ يخرجُ بنفسِه في موكبٍ مهيب، ويُشارك الطلبةَ لعبهم وتقريبهم، ويأمر لهم بالخيلِ والعدة، ويُفيض عليهم من الجودِ والمِدَّة.فإذا أقبلَ الربيعُ، ولبسَ الكونُ حُلَّةَ البهاء، واهتزَّت الأرضُ بالنماءِ، خرجَ أهلُ فاس إلى الفضاء، يعانقون النسيمَ والضياء، ويقضون أوقاتًا بين فائدةٍ ومزاح، وعلمٍ وانشراح، في نزهةٍ تُنعش الأرواح، وتجمعُ بين الجدِّ والارتياح. فسبحان من جعل للعلمِ دولة، وللطلبةِ جولة، وربطَ بين القلمِ والسيف، وبين العقلِ والحيف، حتى إذا اعتدلَ الميزان، قام الملكُ على أساسِ الإحسان.

ولما حلَّ زمنُ الحمايةِ الفرنـسية، ودُبِّر أمرُ السلطانِ في المغربِ تدبيرًا لم تعرفه البلادُ من قبل، عُمد إلى نزعِ اسمِ العاصمةِ من فاس سنةَ اثنتي عشرة وتسعمائةٍ وألف، تلك الحاضرةِ التي كانت موطنَ العلمِ والفقه، ومهوى الأفئدةِ والنسك، فحُوِّل اللقبُ إلى الرباط، ليُجعل لها من السيادةِ اسمٌ ومن القرارِ رسم. ولمّا وقع هذا التحويلُ في الميزان، واضطربت به الموازينُ والأزمان، دُبِّرت حيلةٌ في الخفاء، ومكيدةٌ تُروى ولا تُخفى، قوامُها نقلُ احتفالِ “سلطانِ الطلبة” من فاس إلىتازة، لا حبًّا في تازة، ولا إكرامًا لأهلها، ولكن نكايةً بأهلِ فاس، وتنقيصًا من قدرِها في العيونِ والأنفاس، وإضعافًا لرمزِها العلميِّ والسياسي، كأنما أرادوا أن يُطفئوا شعلةً لا تنطفئ، أو يُبدِّلوا مجدًا لا يُمحى ولا يُستتبع. وقد استُؤنف الاحتفال – على ما تناقلته الألسنُ، وحفظته الصدورُ دون الأسطر – في سنةِ خمسٍ وعشرين وتسعمائةٍ وألف، واستمرَّ سريانُها إلى أربعٍ وأربعين وتسعمائةٍ وألف، في عهدِ السلطانِمولاي يوسف، رحمه الله، يوم كان للعلماءِ قدرٌ محفوظ، وللأولياءِ شأنٌ معروف، وللزوايا في القلوبِ مهابةٌ، وفي النفوسِ جلالةٌ وهيبة.وكانت أقطابُ المدينةِ وأعلامُها(تازة)، وأربابُ السلوكِ وأهلُها، يجتمعون في زواياها ومساييدها، سبعًا معدودات، كأنهنَّ الكواكبُ في السماوات، لإحياءِ موسمٍ يُسمَّى “نُزهةَ الطلبة”، يجتمعُ فيه المراد والمُريد، والطالبُ والشيخُ الرشيد، فتلتقي الأرواحُ قبل الأجساد، وتأتلفُ القلوبُ في ودٍّ واتحاد.ويمتدُّ هذا الموسمُ – بحسبِ الحالِ والمقال – أسبوعًا أو شهرًا، لا يُقاسُ بطولِ الزمنِ وإنما بما يفيضُ فيه من كرمٍ وكرامة، إذ يتسابقُ الناسُ في إطعامِ الحاضرين، ويتنافسون في إكرامِ الوافدين، حتى كأنَّ المدينةَ مائدةٌ مبسوطة، أو روضةٌ معطاءةٌ غيرُ محصورة. فإذا انقضى الموسمُ، وقُضِيَت أيامُه، قُسِّم ما بقي من خيراته على الضعفاء والمساكين، كأنما يُختَمُ الفرحُ بالإحسان، ويُتوَّجُ السرورُ ببركةِ العطاء.ومن أعجبِ ما في هذا الموسمِ – يا سادة – أنه يُوحِّدُ بين الناسِ على اختلافِ ألوانهم وأنسابهم، فلا يُعرفُ غنيٌّ من فقير، ولا شريفٌ من وضيع، إلا بما يحملُ من خُلُقٍ كريم، أو علمٍ قويم. وفي ذلك بيانٌ لمقامِ الشيخِ والوليِّ في حياتهم، إذ كانتتازةمدينةَ أولياءَ بامتياز، يأخذون بأيدي الناسِ إلى المحبة، ويهذِّبون نفوسهم بالمودَّة، حتى غدت القلوبُ بذكرهم عامرة، والنفوسُ بفضلهم زاهرة.

وهذه النزهةُ – في رمزِها ومعناها – صورةٌ من صورِ التكافلِ الاجتماعي، ولوحةٌ من لوحاتِ التعاونِ الإنساني، إذ يجتمعُ الناسُ تحت لواءِ العارفين، ويُجلُّون أهلَ القرآنِ والحافظين، فكأنهم يُرسلون إلى من يأتي بعدهم رسالةً مفادُها، أنَّ محبةَ أهلِ العلمِ أساسُ العمران، وأنَّ الوفاءَ لهم طريقُ الأمنِ والأمان.وسواءٌ سُمِّيَت “سلطانَ الطلبة” أو “نزهةَ الطلبة”، فالمعنى واحد، والمقصدُ قاصد، وهو إبرازُ تلك المكانةِ التي نالها الطلبةُ في المجتمع، بما أوتوا من علمٍ وأدب، وبما حازوه من قلوبِ الناسِ من محبةٍ وقرب. وهي – وإن بدت لعبًا ولهوًا – تحملُ في طيَّاتها معاني الحضارة، وتُجسِّدُ تاريخًا من التلاقي والتجاور.

أما بمراكش فكان الطلبةَ – بعد جِدٍّ واجتهاد، وسهرٍ على الأوراقِ والمداد – يلجؤون إلى هذه النزهةِ استراحةً من عناء، واستجمامًا من إعياء، غيرَ أنَّ لها طقوسًا لا تُنالُ إلا بالترتيب، ولا تُدركُ إلا بالتدبير. فيجتمعُ الطلبةُ أولًا اجتماعاتٍ تمهيدية، يُدبِّرون فيها أمرَهم، ويُعلنون “سمسرةَ السلطنة” بينهم، ولا سيما الذين اغتربوا عن الأوطان، وصبروا على فراقِ الأهلِ والإخوان، في سبيلِ العلمِ والبيان. ثم يعقدون مجلسًا رسميًّا في مدرسة سيدي يوسف، فتُعلَنُ السمسرةُ، وتُفتَحُ أبوابُ المزايدة، ويتنافسُ الطلابُ على نيلِ هذا الشرفِ الفريد، حتى ترسو الصفقةُ على واحدٍ منهم، كأنما اختيرَ للملكِ اختيارًا.فإذا استقرَّ الأمرُ، وأُعلِنَ الاسمُ، صار الطالبُ سلطانًا، واختار لنفسه وزراء، واتخذ حاجبًا وقُوَّادًا، وعيَّن أمينًا لنفقاتِ النزهة، التي تُجمَعُ من ثمنِ السلطنة، ومن هباتِ الأعيان، وعطايا التجارِ والإخوان. ثم يخرجُ سلطانُ الطلبة في موكبٍ مهيب، على فرسٍ أديب، تحفُّ به الحاشيةُ من كلِّ جانب، قاصدًا جنانَ الحارثي، حيث تُقامُ الأفراحُ وتُرفَعُ الرايات. ويُعيِّنُ محتسبًا ظريفًا، له في المزاحِ نصيب، يجولُ في الأسواق، ويراقبُ الأسعار، ويُضحكُ الناسَ بتعليقاتهِ والأخبار، ويجمعُ الضرائبَ الهزليةَ من التجار، فيدفعونها عن طيبِ خاطر، مشاركةً منهم في الفرحِ الساطر. وتتوالى الهدايا من أربابِ الحِرَف، كلٌّ يُهدي ما يُناسبُه من الطُّرَف، وفي ذروةِ الاحتفالِ يقومُ خطيبٌ هزليّ، فيُلقي خطبتين، يُثني فيهما على “الزرود” وما فيها من لذَّات، فيضحكُ الجمعُ، ويطربُ السمعُ، وتعمُّ البهجةُ الأرجاء.ثم يرفعُ السلطانُ مرغوبه، فيطلبُ حاجةً تُقضى، كإطلاقِ سجينٍ، أو نيلِ وظيفةٍ، فيُكتبُ ذلك في ظهيرٍ رمزي، يُمضيه بيده، كأنما يمارسُ سلطانًا مؤقتًا، أو يحاكي حكمًا مستعارًا.فإذا كانت الليلةُ الأخيرة، انسلَّ السلطانُ خفيةً، وعاد إلى مدرستهِ سرًّا، خشيةَ أن يثورَ عليه الطلبةُ هزلًا، ويُسقِطوا عنه تاجَه لعبًا، إذ يعودُ – بعد زوالِ الاحتفال – فردًا كأقرانه، لا يعلو عليهم إلا بما عنده من علمٍ وإحسان.

وكان من تمامِ هذه الرسوم بفاس، أن يتلقى سلطانُ الطلبة، في أولَ جمعةٍ من شهر مارس تعقبُ أمرَ المزاد، وتستقرُّ فيها أقدامُ “سلطانِ الطلبة”، يبعثُ السلطانُ الحقيقيُّ إليه بكسوةٍ فاخرةٍ تُضاهي لباسَ الملوك، وتُشاكلُ حللَ ذوي التيجان، ومظلةً ومنشَّة، وفرسًا وحرسًا، فيخرجُ في موكبٍ تعلوه الموسيقى، وتحيطُ به الجموعُ في فوضى، متوجهًا إلى جامعِ الأندلسِ فيفاس، ثم يخرجُ من بابِ الفتوح، ويصعدُ ربوةً مشهورة، حيث ضريحُ سيدي ابن حرزهم، مولى الطلبة، وبجوارِه قبرُالمولى الرشيد.وهناك يؤدي طقسًا عجيبًا، فيغتسلُ أمام الضريح، اغتسالَ من ينتقلُ من حالٍ إلى حال، ومن مقامٍ إلى مقام، كأنما يتطهَّرُ من بشريتهِ، ويلبسُ رمزَ السلطنةِ المعنوية. فهو انتقالٌ من الجسدِ العادي، إلى الجسدِ الرمزي، ومن الإنسانِ الفرد، إلى صورةِ السلطانِ المؤقت، وفي ذلك اليومِ المهيب، ينتقي السلطانُ الجديدُ حاشيتَه من بين زملائه في الدرس، فيختارُ وزراءَ على سبيلِ المزاح، وأعيانًا على جهةِ التمثيل، حتى كأنَّ المدرسةَ قد تحوّلت دولةً مصغّرة، والمجلسَ صار عرشًا مؤقتًا. وأما صاحبُ الصندوق، فكان يُختارُ من بين التجارِ المعروفين أو أربابِ الوظائف، وأما المحتسبُ فلا يُولَّى إلا رجلٌ خفيفُ الروح، ظريفُ الطبع، حاضرُ النكتة، كأنَّ الجدَّ لا يليقُ بمقامه، الهزلُ هو وزارته، ثم يُهيَّأ الموكبُ – يا سامعَ الحكاية – من قِبلِ دارِ المخزن، على هيئةِ موكبٍ صغيرٍ يُحاكي الموكبَ السلطانيَّ الكبير، في الساعةِ الحادية عشرة صباح ينطلقُ الركبُ من مدرسةِ “سلطانِ الطلبة”، وهو ممتطٍ جوادًا مُطهّمًا، تعلو فوقه المظلّةُ المخزنية، وتحيطُ به الحرابُ كأنها نجومُ حراسة، ومن خلفه حاشيةٌ من الطلبةِ مشاة، وجمهورٌ كثيفٌ يملأُ الساحاتِ والأزقة.ويأتي بعدهم أصحابُ الطبولِ والمزامير، يُحدثون من الصخبِ ما يوقظُ الحجر، ثم العسسُ والشرطةُ، ومقدمو الأحياء، يحيطون بالموكبِ إحاطةَ السوارِ بالمعصم، حتى يبلغوا جامعَ الأندلس، فيؤدي فيه “السلطانُ” صلاةَ الجمعة، ثم يعرجُ على ضريحِ مولاي رشيد، القائمِ بداخل قبةِ سيدي احرازم، خارجَباب الفتوح، شكرًا للسلطانِ الراحل، وتذكيرًا بعهده الذي مضى وبقي أثره.ويظلُّ الموكبُ إلى ما بعد صلاةِ العصر، ثم يعودُ أدراجه في جلبةٍ عظيمة، تختلطُ فيها أصواتُ الزغاريدِ من السطوح بأصداءِ الطبول، كأن المدينةَ كلَّها قد صارت مسرحًا مفتوحًا للفرحِ والاحتفال.

وفي عشيةِ اليومِ التالي، يخرجُ سلطانُ الطلبةِ بعد صلاةِ الظهر منجامعة القرويين، في الموكبِ نفسه، غير أنَّ المسارَ يتبدّلُ، فيمرّ من العطارين، ثم الطالعة، فباب المحروق، ثم ينحدرُ إلى سهلِ وادي فاس عبر باب الساكمة، حيث تُنصبُ خيامُ “دولة الطلبة”، ويتوسطُها سرادقٌ عظيمٌ لسلطانهم وحاشيته، وحولها خيامٌ صغرى للطلبة، بل وحتى لأهلِفاسممن آثروا المقامَ في جوِّ النزهة، لقاءَ هدايا رمزيةٍ تُقدَّم.وفي هذا الأسبوعِ السلطاني، ينصرفُ الطلبةُ إلى اللهوِ والمسامرة، وقد خلعوا عنهم رداءَ الدرس، واستبدلوا به لباسَ المرح، حتى إذا انقضت ستةُ أيام، وأطلَّ يومُ الأربعاء، تهيأ المعسكرُ لاستقبالِ جلالةِ السلطانِ أو خليفتِه، في مشهدٍ مهيبٍ يحضره جمهورُ المدينةِ بأسرها، كأنها لحظةٌ جامعةٌ بين الجِدِّ واللعب، وبين الدولةِ والرمز، وبين الحقيقةِ وظلالِها.

حُكِيَ – يا مَن يُصغي إلى سابق الأخبار، ويُجيلُ الفكرَ في طرائفِ الآثار – أنَّ لسلطانِ الطلبةِ شأنًا إذا دنا أفولُه، وعجبًا إذا لاحَ زوالُه، إذ لا يكادُ يتمُّ أسبوعُ مُلكه، حتى تتبدَّلُ الحالُ، ويُطوى البساطُ، ويصيرُ العزُّ سرابًا بعد أن كان له صولجانٌ وصوت، فإذا كان يومُ الجمعة الثاني، وأدَّى سلطانُ الطلبةِ الصلاةَ في جموعِ حاشيته، عاد إلى مقرِّ دولته، وقد دنا منها الانقضاء، ولم يبقَ على انهدامِ أركانها إلا يومٌ واحد، كأنها خيمةٌ ضربتْها الرياحُ، أو دولةٌ كتب عليها الامّحاء. فإذا أصبحَ يومُ السبت، نهض الطلبةُ من مراقدهم، وأخذوا في التماسِ سلطانهم، فلا يجدون له أثرًا، ولا يسمعون له خبرًا، كأنما ابتلعتهُ الأرضُ أو احتجبتهُ السماء.وما ذاك – يا رعاك الله – إلا لأنه يفرُّ ليلتئذٍ فرارَ الخائفِ من السيف، ويستترُ بأجنحةِ الظلام، حذرًا من ثورةٍ اعتادتها الرعية، وسُنَّةٍ جرت بها العادة، إذ ينتفضُ الطلبةُ على سلطانهم عند انقضاءِ سلطانه، فيقذفون به إلى واديفاس، بثيابِه الفاخرة، وزينتِه الزاهرة، حتى لا يخالَ له أنه صار سلطانًا حقًّا، ولا يُخيَّل إليه أنَّ القومَ له خاضعون، أو بأمره راضخون.

وفي ذلك سرٌّ من أسرارِ السياسة، ودفعٌ لبوادرِ الرياسة، إذ إنَّ السلطانَ الحقيقيَّ إنما يخلعُ على الطلبةِ سلطانًا موهومًا، ليصرفَ عنهم طموحًا مكتومًا، ويطفئَ نارًا قد تستعرُ لو تُركت بغيرِ قيد، فتؤولُ إلى تمرُّدٍ شديد، يُفضي إلى العنفِ والاصطدام، ويهدِّدُ أمنَ الجماعةِ والنظام.فإذا انقضت مدةُ السلطان، سُلبت منه مقاليدُ الحكمِ سلبًا، ونُزعت عنه مظاهرُ السلطان نزعًا، حتى كأنَّ الذي كان بالأمسِ أميرًا، قد أصبح اليومَ أسيرًا، ويخيِّل للناظرِ أنه يلقى حتفَه إن لم يُسرع بالفرار، ولكن الأمرَ – في حقيقته – لا يعدو أن يكون لعبًا في صورةِ الجد، أو عنفًا في ثوبِ الجمال، لا دمَ فيه يُراق، ولا نفسَ تُزهق، وإنما هو رمزٌ يُقصد به التهذيبُ والتأديب.ومن عجيبِ ما في هذا النظام، أنَّ “شراءَ” السلطنةِ هو وقفٌ على أولئك الذين تركوا الأوطان، وصبروا على الغربةِ والحرمان، يطلبون العلمَ فيجامعة القرويينبفاس، أو فيمدرسة ابن يوسف بمراكش، فكان هذا الامتيازُ تعزيةً لهم، وتشجيعًا لغيرهم على اللحاقِ بركبهم، حتى تعمرَ دورُ العلمِ بأهلها، وتزدهرَ حلقاتُ الدرسِ بروادها.

على أنَّ أهلَ الحاضرتين– فاس ومراكش– لم يكونوا يدعونَ الطلبة الأغراب وشأنهم، وإنما كانوا يسخرون منهم أحيانًا، ويجعلونهم موضعَ النكتةِ والملحة، إذا ما خرجوا عن مألوفِ أماكنهم، أو ابتعدوا عن أحياءِ مدارسهم. ومع ذلك، فقد كان في هؤلاء الغرباءِ من يعلو كعبُه، ويبلغُ في العلمِ مبلغًا، حتى يُضاهي أبناءَ الحواضر، بل يتفوَّقُ عليهم في كثيرٍ من المقامات.ولم يُعرف عن الطلبةِ – على كثرتهم وشدتهم – أنهم أثاروا فتنًا، أو أحدثوا قلاقلَ تُذكر، كان أقصى ما يقعُ منهم، أن يغضبوا لرداءةِ الخبز، أو لسوءِ قسمته، فيثورون ثورةً محدودة، لا تتجاوزُ أسوارَ المدارس. على حين كانت المدنُ المغربيةُ تعرفُ تمرداتٍ أشدَّ وأخطر، تقومُ بها فئاتُ الحرفيين، كما وقع فيفاسبين الدباغين، أو فيمراكشبين الإسكافيين، في أواخرِ القرنِ التاسعَ عشر وبداياتِ العشرين. فكأنَّ الطلبةَ – على ما فيهم من شبابٍ ونزق – قد وُجِّهت طاقتهم، وصُرفت حدَّتهم، من خلالِ هذه النزهةِ المنظمة، التي تفتحُ لهم بابَ التنفيس، وتُتيحُ لهم مجالَ السخرية، فيُفرغون ما في صدورهم من كدر، بملحٍ تُضحك، ودعاباتٍ تُفرح، وحديثٍ عن البراغيثِ والبقِّ والفئران، في جوٍّ من البهجةِ الرزينة، لا يُخلُّ بالنظام، ولا يُفضي إلى الخصام.ولم يكن في المغربِ مناسبةٌ تُضاهي هذه المناسبة، في الإذنِ بالسخريةِ من “النظام الصارم” داخل القصر، والتهكُّمِ على رموزِ السلطة، حتى ليُخيلُ للناظرِ أنَّ النظامَ قد أُبيح، وأنَّ الهيبةَ قد زالت، غيرَ أنَّ ذلك كلَّه مؤقتٌ محدود، سرعان ما يعودُ بعده النظامُ إلى نصابه، والهيبةُ إلى مقامها.

وكان التنافسَ في ابتياعِ عرشِ “سلطانِ الطلبة” يشتدُّ حتى يبلغ حدَّ التنازع، إذ كان من يظفرُ به ينالُ شرفَ المثولِ بين يدي السلطانِ الحقيقي، ويُتاحُ له أن يرفعَ إليه حاجاتِه، ويستدرَّ منه المنى والمطالب. فازدحم على هذا المقامِ ذوو الحاجاتِ والمآرب، وتسابق إليه أربابُ المقاصدِ والمطالب، غير أنَّ أهلَ اليسارِ والثراءِ كانوا أسبقَ إليه يدًا، وأقربَ إليه مددًا، إذ كان المالُ يومئذٍ زمامَ المزاد، ومفتاحَ المراد، به تُنالُ الرتبُ وتُدركُ الأوطار. وقد ذكر بعضُ أهلِ العلمِ – ومنهم محمد العلمي – أنَّ ثمنَ عرشِ سلطانِ الطلبة عام 1868م بلغ ثلاثةَ عشرَ ألفَ درهم، في سوقٍ علنيٍّ يتولى أمرَه دلالُ سوقِ الكتب، تحفُّ به جموعُ الطلبةِ المتزاحمين، وتعلو أصواتُ المناداةِ في أرجاء المكان. وكان للأطفالِ في ذلك المشهدِ حضورٌ لافت، إذ يُستعانُ بهم في ترديدِ الأسعارِ ورفعِ النداء، فكانوا رسلَ الصوتِ وسفراءَ الخبر، وفي مشاركتهم تسليةٌ للنفس، وترويحٌ عن الخاطر، مع سرعةِ انتشارِ النبأ بين الناس. فيا للعجب، كيف صارت سوقُ العلمِ تُدارُ بأدواتِ المزاد، ويُسندُ أمرُها إلى دلالٍ يجمع بين الجدِّ والهزل، كأنما اختلطت في ذلك المقامِ رموزُ الدولةِ بأصواتِ السوق.

وإذا كان السلطانُ في العادةِ يحتجبُ عن الرعية، ولا يظهرُ إلا في مواطنَ معدودة، فإنَّ هذا الاحتفالَ يجعله يخرجُ إليهم، ويخالطهم، فيزورُ معسكرَ الطلبة، ويُقدِّمُ هديته، في مشهدٍ يحضره الخاصُّ والعام.وتبلغُ النزهةُ ذروتها، حين يتقدَّمُ سلطانُ الطلبةِ بلائحةِ المطالب، فيقف أمام السلطانِ الحقيقي، ويعرضُ عليه حاجاتِ قومه، فيتعهدُ هذا الأخيرُ بقضائها، في صورةٍ تُجسِّدُ أقصى ما بلغته الحريةُ الرمزية، في إطارِ النظامِ المخزني.غير أنَّ هذا الطقسَ لم يَسْلَم من المنع، إذ رأت فيه بعضُ السلطاتِ خطرًا، فمنعت تقديمَ هذه المطالب، خشيةَ أن تتحولَ المناسبةُ إلى منبرٍ تُرفعُ فيه شكاوى الناس، وتُطلبُ فيه حقوقُهم علنًا.

وهكذا – يا أهلَ البيان – يظهرُ أنَّ “سلطان الطلبة” نظامٌ محكم، يجمعُ بين التربيةِ والسياسة، وبين الرمزِ والواقع، يُعلِّمُ الطلبةَ معنى السلطةِ وحدودَها، ويُذكِّرهم بأنَّ المُلكَ يومٌ لك ويومٌ عليك، وأنَّ من صعدَ إلى القمةِ، فلا بدَّ له أن ينزل، ليبقى العدلُ ميزانًا، والاعتدالُ عنوانًا.وحُكِيَ – يا سامعي البيان، ويا طالبي دقائقِ المعاني والأوزان – أنَّ خطبةَ الجمعةِ كانت في عُرفِ الناس تاجَ الشعائر، وواسطةَ العقدِ في نظامِ الممالكِ والأمصار، تُحاطُ بهيبةٍ لا تُدانى، وتُكسى جلالًا لا يُجارى، فهي لسانُ السلطانِ إلى رعيته، ومِرقاةُ سلطانه إلى قلوبِ خاصته وعامته، بها يُعلنُ الطاعة، ويُثبِّتُ الدعامة، ويستولي – لا على الأجسادِ فحسب – بل على الأرواحِ والأفكار، استيلاءَ المُحكمِ لما في يده من أقدار.غير أنَّ الأعاجيبَ – يا أولي الأبصار – تتجلّى حين يُقامُ موسمُ “سلطان الطلبة”، إذ تُنزعُ خطبةُ الجمعة من وقارِها نزعًا، وتُلبسُ ثوبَ السخريةِ لبسًا، فتتحولُ من منبرِ التبجيلِ إلى ميدانِ التهكُّم، ومن أداةِ التثبيتِ إلى وسيلةِ التقويض، في مشهدٍ عجيب، تُمارسُ فيه الجرأةُ على مرأى السلطانِ وحاشيته، دون وجلٍ ولا رهبة، كأنَّ الهيبةَ قد استحالت طرافة، والسلطةَ قد غدت طرفة.وقد نقل بعضُ من خبرَ تلك الأحوال – كالإثنوغرافيإدموند دوتي– نماذجَ من تلك الخطبِ الهزلية، التي تُلقى على مسامعِ الحضور، فتُضحكُ الكبيرَ قبل الصغير، وتُثيرُ العجبَ قبل التفكير. ومن طريفِ ما جاء فيها قولُ خطيبهم: “الحمدُ لله الذي خلق الأسنان، وجعلها مفاتيحَ الألوان، وهيَّأ الفمَ للأكلِ والشرب، وزيَّنه بطيبِ المطعمِ والمشرب، نحمدُه على الكسكسِ واللحم، ونشكره على السمنِ والدسم… عبادَ الله، أوصيكم بالحريرةِ قبل الفجر، وبالثريدِ بعد الزجر، فإنَّ من أكل ولم يتفكَّه، كمن قرأ ولم يتفقَّه، إذا مات أحدُكم فكفِّنوه بالثريد، واغسلوه بالمرقِ المفيد، وحنِّطوه بالبصلِ المقلي، وأعدّوا له رأسًا من اللحمِ الجلي”، فيضحكُ الجمعُ حتى يكادُ ينقلبُ على وجهه، ويعلمُ أنَّ هذا القولَ – وإن بدا هزلًا – إنما يُخفي في طيَّاته نقدًا، ويُبطنُ في ثناياه قصدًا. …”فإذا سمعتَ هذا – يا رعاك الله – علمتَ أنَّ القومَ قد قلبوا المعاني، وأداروا الموازين، فجعلوا من الطعامِ فقهًا، ومن الشرابِ علمًا، ومن المائدةِ محرابًا، في محاكاةٍ ساخرةٍ لخطابٍ جادٍّ، كأنهم يُشيرون ولا يُصرِّحون، ويُلمِّحون ولا يُفصحون.
ولم يقفِ الأمرُ عند حدودِ الخطب، بل تعدّاه إلى تقليدِ أساليبِ المخزنِ في رسائلِه ومراسيمه، فكان الطلبةُ يكتبون كتبًا على نسقِ الرسائلِ السلطانية، يُحاكون فيها ألفاظَها، ويُجارون أساليبَها، فيخرجُ الكلامُ كأنه من ديوانِ الحكم، وهو في حقيقته من مجالسِ اللعبِ والفكاهة.فمن ذلك أنَّهم كتبوا إلى أحدِ القوادِ:
“خادمُنا الأرضى… أعزك الله… أما بعد، فإنَّ سيدنا سلطانَ الطلبة قد أنعم علينا بالنزاهةِ في وادي الجواهر، ورتَّب عليك مائةَ ألفِ قنطار، إذ أراد تجهيزَ جيشِه، فلم يجد ما يُجهِّز به، وهو رجلٌ مُعدم…”. فانظر – يا متأمل – كيف جمعوا بين جلالةِ العبارةِ وسخافةِ المضمون، وكيف جعلوا من الفقرِ عذرًا، ومن السلطنةِ مسرحًا للبيان. وفي رسالةٍ أخرى قالوا: “خديمُنا القائد… أدِّ ما عليك من زكاة، وإلا بعثنا إليك جيوشًا من فأرٍ وبقٍّ وبرغوث، تُقلقُ منامك، وتُفسدُ مقامك…”فكأنهم يُصوِّرون بأسَ الدولةِ في صورةِ الحشرات، ويجعلون من أدواتِ القهرِ مواضعَ للضحك، في قلبٍ بديعٍ للمعاني، وتحويلٍ لطيفٍ للمباني.وهكذا بلغت السخريةُ في تلك الأيامِ غايتَها، ولامست حدودَ الجرأةِ منتهاها، إذ استطاعت أن تمسَّ المخزنَ وطقوسَه، دون أن تُثيرَ غضبًا أو تُحدثَ نقمة، أكان السلطانُ نفسُه – أو من ينوبُ عنه – يحضرُ هذه الفرجة، ويستمتعُ بما فيها من هزلٍ ولعب، كأنما أدركَ أنَّ في الضحكِ تنفيسًا، وفي السخريةِ ترويضًا للنفوس.
فلم يُسجَّل – في تلك المواطن – أنَّ السلطةَ زجرت أو منعت، ولا أنها أنكرت أو قطعت، بل شاركت في المشهدِ مشاركةَ الراضي، وشهدت الحدثَ شهادةَ القاضي، وكأنها تُقرُّ ضمنًا بأنَّ هذا اللعبَ – وإن جاوزَ الحدَّ في الظاهر – إنما يخدمُ النظامَ في الباطن، ويُخفِّفُ من وطأةِ السلطانِ على الخواطرِ والبواطن.وقد دام هذا التقليدُ دهورًا، وتوارثته الأجيالُ عصورًا، حتى صار جزءًا من ذاكرةِفاس، ومن تراثِمراكش، يُنتظرُ كما تُنتظرُ الأعياد، ويُحتفى به كما يُحتفى بالأمجاد. وكان للطلبةِ فيه متنفسٌ بعد الامتحان، ومجالٌ للفرحِ بعد طولِ الامتهان.غير أنَّ الدهرَ لا يثبتُ على حال، ولا يُبقي لشيءٍ من وصال، فتوقَّف هذا الاحتفالُ في أوائلِ الستينات، وانقطعَ بعد أن كان في القلوبِ والعيونِ منارات، وقيل إنَّ آخرَ عهده كان في سنتي سبعٍ وستين وثمانٍ وستين وتسعمائةٍ وألف، بمدينةِ فاس، حيث طُويت صفحتُه، وبقيت حكايتُه.
حُكِيَ – يا من يَستلذُّ أخبارَ الزمان، ويستبينُ من طيّاتها وجوهَ الامتحان – أنَّ سنةَ تسعٍ وخمسين وتسعمائةٍ وألف، كانت عامَ بلاءٍ عظيم، ونذيرَ داءٍ جسيم، عمَّ البلادَ وأوجعَ العباد، حتى غدت ألسنةُ الناسِ لا تلهجُ إلا بذكرِ “الزيوتِ المسمومة”، وما جرَّته من آلامٍ وغموم.وفي صدرِ تلك الحكاية، برز اسمُ مسعود أكوزال، فصار على ألسنةِ العامةِ والخاصة، وتداولته المجالسُ تداولَ الريحِ للورق، بعد أن أُشيعَ أنه كان في طليعةِ من خاضوا غمارَ الغشِّ، ومزجوا زيتَ الطعام بزيتِ الطائرات، مما خلّفته قواعدُ الأمريكان، فبيعَ ذلك للناسِ طعامًا، وكان في الحقيقةِ سُمًّا زُعافًا، أودى بأجسادٍ، وأقعدَ أزيدَ من عشرةِ آلافِ إنسان، وكانت تلك السنةُ – في حياةِ الرجل – أشدَّ من سابقتها وأقسى، إذ لم تُنله أيامُ الحمايةِ ولا مضايقاتُ المقاومين ما ناله من صيتٍ ذائعٍ في تلك الفتنة، حتى صار اسمه في قلبِ العاصفة، ومثله في مهبِّ الرياح.وبدأ الأمرُ – يا سامعَ الخبر – حين فزعَ أهلُمكناس، إذ انتشر بينهم داءٌ غريب، يشلُّ الأطرافَ ويقعدُ الأجساد، حتى استيقظَ الآلافُ على وقعِ ذعرٍ لا يُحتمل، خصوصًا وأنَّ أجهزةَ الصحةِ كانت يومئذٍ حديثةَ النشأة، قليلةَ التجربة. فسعى الأعوانُ في الأرضِ سعيَ الحائر، وبحثت الدولةُ بحثَ القاصر، فلم تهتدِ إلى سببٍ بيّن، ولا عثرت على علّةٍ تُعيَّن، وأطلق الناسُ على ذلك الداء اسمَ “بوركاب”، كنايةً عن عجزٍ أصابَ الأجسادَ وأربك الألباب.وكان السلطانُمحمد الخامسفي زيارةٍ للمدينة، فلما رأى ما نزل بها من الكرب، غادرها مسرعًا، وأمرَ بالتحقيقِ والتدقيق، ظنًّا أنَّ الماءَ قد فسد، وأنَّ البلاءَ منه قد ورد، غير أنَّ التحاليلَ كذّبت الظنون، وأبطلت تلك الفروض.ثم جاء أطباءٌ منألمانياوسويسرا، ففحصوا ودرسوا، حتى كشفوا الغطاء، وبيّنوا الداء، فإذا السببُ تسمُّمٌ غذائيٌّ من زيتِ الطبخ، فطار الخبرُ في الصحفِ طيرانَ الشرر، وكتبت عنه مجلةُ “الزمن” وأضرابها، حتى أُشيرَ بالبنانِ إلى أكوزال، فكان أولَ المطلوبين في وجدانِ الناس، قبل محاكمِ الدولةِ والسلطان، وأُصدرت الأوامرُ بمصادرةِ الزيوت، في محاولةٍ لوقفِ النزيف، واحتواءِ الحريق.ثم أسفرت التحقيقاتُ – بمساعدةِ أطباءِالصليب الأحمر الدولي– عن حقيقةٍ مُرَّة، إذ تبيّن أنَّ الزيتَ المسمومَ لم يكن إلا خليطًا بين زيتِ الطعام وزيتِ تنظيفِ محركاتِ الطائرات، مما تُرك في قواعدِ الأجانبِ بعد رحيلهم، وأنَّ الأمرَ لم يكن خللَ تخزين، وإنما غشًّا صريحًا، وسعيًا خبيثًا، اقتيدَ فيه المتورطون إلى ساحاتِ القضاء.وانتهت محنةُ أكوزال بعد شهورٍ من الشدّة، غير أنَّ آثارها لم تزل عنه بسهولة، فقد ثقل عليه الرجوعُ إلى سابقِ عهده، وبقيت الشبهاتُ تلاحقه، حتى إذا صدرت أحكامُ الإعدامِ في حقِّ المتورطين، خفَّ عنه بعضُ ما كان يجد.
وحُكِيَ – يا من يفقهون سننَ الدول، ويستقرئون تقلُّبَ المُلكِ والأمل – أنَّ الحسن الثاني لما تقلَّد عرشَ البلاد سنةَ إحدى وستين وتسعمائةٍ وألف، انصرف إلى تثبيتِ الأركان، وترتيبِ البنيان، يُقيمُ صرحَ الدولة على قانونٍ متين، ويُهذِّبُ دستورها تهذيبَ الحاذقِ الأمين، فلم تكد تمضي عليه برهة، حتى هبَّت رياحُ الفتن، وقامت نارُحرب الرمال، فاشتغل بدفعِ الخطر، وجمعِ الشمل، وحراسةِ الثغر، ثم أعقبتها أيامٌ عُرفَت بحالةِ الاستثناء، حيث اضطربت الأحوال، وتقلّبت الآمال، فشدَّ الملكُ زمامَ الأمور، وأحكم القبضَ على مقاليدِ التدبير، حتى تهدأ العواصف، وتستقرَّ المواقف، فلما سكنت الفتن، وانجلت المحن، وعادت البلادُ إلى سكينةٍ ووئام، التفت إلى ما اندثر من سننِ الأقدمين، وما غاب من طرائفِ الاحتفالِ والتمكين، فعندئذٍ أمرَ باستئنافِ “سلطانِ الطلبة”، لما فيه من حكمةٍ تُجلى، ودلالةٍ تُتلى، إذ يُعيدُ للناسِ ذكرى ما كان من تآلفٍ بين العلمِ والسلطان، ويُقيمُ من رموزِ التراث ما يُحيي في النفوسِ معانيَ الانتماء والامتنان، فكأنما أراد أن يجمع بين بناءِ الدولةِ وصونِ الذاكرة، وبين إصلاحِ الحاضر واستحضارِ عبقِ الماضي،ولمّا تبيَّن له سرُّ هذا الاحتفال، وما ينطوي عليه من دلالاتٍ ولطائف، بعث فيه روحًا بعد خمود، وأعاد له نبضًا بعد جمود، فأحياه بمدينةفاسسنةَ سبع وستين وتسعمائةٍ وألف، ولمّا انعقد موسمُ “سلطانِ الطلبة” في أبهى حلله، وتزيَّن بمواكبه وأهله، وحضرَ الحسن الثاني بنفسه، قبل انقضاءِ الحفلِ بقليل، فلما بلغ بابَ المحلة، اعترضه الحاجبُ بالسؤالِ الموروث: من أنت؟ وما اسمُك واسمُ أبيك؟ فأجابه الملكُ في بساطةِ الواثق، وطرافةِ العارف: “أنا الحسنُ الثاني”، فكان ذلك موقفًا جمع بين الهيبةِ والدعابة، وأبان عن روحِ الاحتفالِ وما فيه من مزجٍ بين الجدِّ والهزل.وفي هذا المشهدِ تتجلّى حكمةُ السخرية، إذ لا تمسُّ شخصَ السلطان، ولكن تصيبُ حاشيتَه وأعوانَه، كأنها رسالةٌ مُضمَرة، أنَّ من ضُحِكَ عليه اليوم، قد يُخشى غدًا بأسُه، وأنَّ السلطانَ الحقَّ لا يزولُ مقامُه، بل يزولُ من لا يستحقُّه.وفي طيِّ هذه الطقوسِ أيضًا إشعارٌ بأنَّ السلطانَ يُعِدُّ الخلف، ويُدرِّبُ السلف، إذ يرى في الطلبةِ بذورَ الدولة، ونواةَ القيادة، فيُطلعهم على رسومِ الحكم، ويُشرِكهم في رموزه، ليكونوا – إذا دارت الأيام – أهلاً لحملِ الأمانة، وصونِ المكانة، غير أن سلطانُ الطلبة – وبإيعازٍ من أسرٍ أثقلها الأسى، وأرهقها البلاء، من ذوي المعتقلين في قضيةِ “الزيوتِ المسمومة” – تقدم بطلبِ العفوِ إلىالحسن الثاني، يرجو به رفعَ الضرّ، وكشفَ الكرب، وإطفاءَ نارٍ لم تخمد، إلا أنَّ الملكَ – وكان بصيرًا بموازينِ الحكم، حارسًا لحدودِ العدل – لم يَرَ في ذلك الطلبِ إلا تعدّيًا على مسارِ القضاء، ومساسًا بهيبةِ الجزاء، إذ اعتبرَ الجرمَ عظيمًا، والخطبَ جسيمًا، لا يُداوى بعفوٍ مُستعجل، ولا يُمحى بنداءِ مُرتجل. فأعرض عن الطلب، وأبان أنَّ للعدلِ طريقًا لا يُزاح، وللقضاءِ ميزانًا لا يُباح.ثم أمر – صونًا للنظام، وحسمًا لمادةِ الالتباس – بإيقافِ الاحتفالِ بسلطانِ الطلبة، كأنما طُويت بذلك صفحةٌ من صفحاتِ التراث، وأُسدِل الستارُ على مشهدٍ طال فيه المزجُ بين الرمزِ والواقع، وبين الهزلِ والجد، ليبقى الدرسُ قائمًا، أنَّ للسلطةِ حدودًا، وللعدالةِ سيادةً لا تُنازع،وفي عام ثمان وستين وتسعمائةٍ وألف، كلف الراحل الحسن الثاني الفنان والمخرج المسرحي المرحومالطيب الصديقيأن يُخرِج مسرحية “سلطان الطلبة”، من تأليفِ عبد الصمد الكنفاوي، ليكسو التراثَ حُلّةً جديدة، ويُلبسه من البيانِ ثوبًا فريدًا، لكن هذه المرة على خشبة المسرح وليس في المحلة.
ثم كان من أمر مسعود أكوزال – كأنه أراد أن يغسل ما علق باسمه – أن وضع نفسَه وأملاكه رهنَ إشارةِ الدولة، حين أُعِدَّتالمسيرة الخضراءعام خمسٍ وسبعين وتسعمائةٍ وألف، ففتح مخازنه، وسخّر شاحناته، وتحت إشرافِزير الداخليةإدريس بنهيمة، رجاءَ أن يُمحى ما سلف، وأن يُكتب له في صحائفِ البرِّ ما يُرجى أن يُغتفر به ما كان.
وهكذا – يا صاحبَ الفطنة – تدورُ الأيامُ بأهلها، فترفعُ أقوامًا وتضعُ آخرين، وتُظهرُ من خفايا النفوسِ ما كان مستورًا، ليبقى التاريخُ شاهدًا، والعبرةُ قائمةً لمن اعتبر، فسبحان من يُداولُ الأيام، ويُقلِّبُ الأحوالَ بين الأنام، يُذهبُ ما شاء، ويُبقي ما شاء، لتظلَّ الذكرياتُ شاهدة، والآثارُ خالدة، تُحدِّثُ من يأتي بعدنا، أنَّ في اللعبِ حكمة، وفي السخريةِ نعمة، وأنَّ الضحكَ – إذا وُضع في موضعه – كان أبلغَ من الخُطبِ في إفهامِ المعاني، وأشدَّ أثرًا في إصلاحِ الأزمان، وهذا سعيدُ العفاسي – حاطبُ ليلِ المعارف، وراصدُ نجومِ الوقائع، الكاتبُ الصحافيُّ والبحّاثةُ الألمعيّ – قد جدَّ واجتهد، وجمع من أطرافِ الأخبارِ ما تناثر، ومن شذراتِ الحكاياتِ ما تفرّق وتكاثر، فضمَّ الشتيتَ إلى الشتيت، وصاغه في سلكٍ بديعٍ من البيانِ المتين، فنخل الرواياتِ نخلَ اللبيب، وميّز صحيحَها من الغريب، وكشف ما استترَ من خباياها، وأبان ما التبس من ثناياها، حتى غدت المعاني بعد إبهامٍ جليّة، والمسالك بعد التواءٍ سويّة، فهو يُقَرِّب البعيد، ويُوضِّح المكنون، ويهدي إلى سواءِ الفهمِ والإفهام، بلسانٍ عربيٍّ مبين، ونَفَسٍ أدبيٍّ رصين.فإن رأيتَ البيانَ قد استقام، والمعنى قد انتظم، فاعلم أن وراءه عقلًا دقيقًا، وقلمًا رشيقًا، رام إحياءَ الخبر، وإيضاحَ الأثر، ليكون للسامعِ عبرة، وللقارئِ فكرة، ولم يكن هذا الجهدُ فردًا في ساحته، بل عضدتهُ سواعدُ من أهلِ المعرفة، ونفحتهُ أنفاسُ ذوي البصيرة؛ في طليعتهم البحّاثةُ المتفقّه في تاريخِفاس،حميد تشيش، ومن لفَّ لفَّه من الأوفياءِ لمعاجمِ التاريخ، الحافظين لسِيَرِ الأخبار، من سياسيٍّ مُجرَّب، وخبيرٍ جسور، المهدي زين العابدين، فقد مدّاني بمددٍ من المصادر، وأتحفاني بدررٍ من المراجع، وساقا إليَّ من الأخبار ما أروى الغليل، وأقام الحُجّة والدليل، فكانا – بحقٍّ – عُدّةَ الباحث، وزادَ السائر، ونورَ الدرب في متاهاتِ الحكايات، واللهُ وليُّ التوفيق.
—————————
– التازي عبد الهادي، جامع القرويين: المسجد والجامعة بمدينة فاس موسوعة لتاريخها المعماري والفكري، ج 3، دار نشر المعرفة، الرباط، ط2، 2000، ص 718.
-روجي لوطورنو، فاس قبل الحماية، ج 2، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، منشورات دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1996، ص 674.
-سعيد الناجي، صناعة الفرجة في احتفال سلطان الطلبة، مجلة فكر ونقد، السنة الثانية، ع 15، يناير 1999، ص 84.
– محمد شقير، السخرية والسلطة في المغرب: من المأسسة إلى التجريم، أفريقيا الشرق، البيضاء، 2009، ص 67.
– ديل ايكلمان، المعرفة والسلطة في المغرب: صورة من حياة مثقف من البادية في القرن 20، مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، 1999، ص 130
– خمليش عزيز، الانتفاضات الحضرية بالمغرب: دراسة ميدانية لحركتي مارس 1965 ويونيو 1981، أفريقيا الشرق، البيضاء، 2005، ص 47.

