زينب العدوي: عَلَمُ النَّزاهةِ وسَيِّدَةُ المَهام الجِسام في مِحرابِ الحِسابات


تُعَدّ زينب العدوي عَلَماً من أعلام الكفاءة الإدارية والقضائية في المغرب، ونموذجاً نادراً لامرأةٍ شقّت طريقها في مدارج الدولة بثباتٍ وعزم، حتى غدت مضرب المثل في اقتحام الملمّات العِظام والنهوض بأعباء المهام الجِسام. وُلدت بمدينة الجديدة عام 1960، ونشأت في كَنَفِ أسرةٍ ذات أصول سوسية عريقة، تستمد من عمقها الأمازيغي صلابة العود واعتداد الهوية، وهي شقيقة الإعلامي المعروف عبد الرحمان العدوي. وإذا كان لكل امرئٍ من اسمه نصيب، فإنّ العدوي قد حازت من معاني العَدْل أوفرها، إذ انخرطت منذ بواكير عهدها المهني في سلكٍ دقيق المسالك، عزيز المرتقى، وهو . غير أنّ بلوغها هذا المقام كان ثمرة تحصيلٍ علميّ رصين، فقد نالت دكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية، وخصّت بالبحث موضوعاً دقيقاً قلّ من ولجه، وهو “فعالية مراقبة مجلس الحسابات”، فجمعت بين دقّة النظر النظري وبصيرة التطبيق العملي. وفي عام 1984، وُسِمَت باسمٍ يَصْعُب تجاوزه في سجلّ الريادة النسائية بالمغرب، إذ كانت أوّل امرأة تلج سلك قضاة الحسابات، ففتحت بذلك باباً ظلّ موصداً دهراً أمام النساء. ولم تقف عند هذا الحد، بل تدرّجت في مناصب المسؤولية، حتى أُسنِد إليها تدبير المجلس الجهوي للحسابات بالرباط، فلبثت على رأسه زهاء عقدٍ من الزمان، تُحكِم التدبير، وتُرسّخ قواعد النزاهة والافتحاص الرشيد.

ثم إنّ الأقدار ساقتها إلى ميادين أخرى، لا تقلّ وعورةً ولا خطراً، فاستحقت عن جدارة لقب “سيّدة المهام الصعبة”. ففي عام 2014، دخلت التاريخ من بابه الواسع، حين عُيّنت أوّل امرأة تتقلّد منصب والي جهة الغرب–القنيطرة، وهو منصبٌ طالما اقترن بالرجال دون النساء. فأبانت في هذا المقام عن حنكةٍ في تدبير الشأن الترابي، وبصيرةٍ في معالجة القضايا التنموية، حتى غدت مثالاً يُحتذى في الجمع بين صرامة القرار ورحابة الأفق. ولم تلبث أن عادت إلى أرض الجذور عام 2015، حين أُسنِد إليها منصب والي جهة سوس ماسة، وعامل على أكادير، فكأنها بذلك تُتمّ دورة الوفاء للأصل والمنشأ. وهناك، واصلت عملها الدؤوب في ترسيخ دعائم التنمية المحلية، والسهر على تنزيل السياسات العمومية بما يوافق حاجات الناس وتطلعاتهم. ثم تولّت منصب الوالي المفتش العام للإدارة الترابية بوزارة الداخلية، وهو مقامٌ دقيقٌ يقتضي يقظةً لا تفتر، وبصراً نافذاً في تقويم الاختلالات وتقوية مواطن الصواب.

وقد تُوِّج هذا المسار الحافل بالعطاء في مارس عام 2021، حين حظيت بثقة سامية، فعيّنها جلالة الملك محمد السادس نصره الله رئيساً أول للمجلس الأعلى للحسابات، وهو من أرفع المناصب الرقابية في الدولة، وأشدّها اتصالاً بحماية المال العام وصون الحكامة الجيدة. فكان ذلك التتويج بمثابة خاتمةٍ مشرّفة لمسيرةٍ حافلة، لا تزال فصولها مفتوحة على مزيدٍ من البذل والإنجاز. إنّ القاضي زينب العدوي رمزٌ حيّ لالتقاء الصرامة القضائية بالدهاء الإداري، ولتآزر العلم والعمل في خدمة الصالح العام. وقد جمعت في شخصها خصالاً قلّ أن تجتمع: عزمٌ لا يلين، ورأيٌ سديد، ونزاهةٌ لا تشوبها شائبة. فهي بحقّ مثالٌ للمرأة المغربية التي أثبتت أنّ الريادة ليست وقفاً على جنسٍ دون جنس، بل هي ثمرة الاجتهاد والمثابرة، وسداد المقصد وحسن التدبير.

