تقرير البنك الدولي عن المغرب: ارتفاع عدد العاطلين بنسبة 19.7%، و عجز بلغ 370 ألف فرصة عمل

أبرز تقرير حديث صادر عن البنك الدولي أن الاقتصاد المغربي يعاني خللاً بنيوياً عميقاً يتجلى أساساً في محدودية قدرته على توليد فرص الشغل بوتيرة تنسجم مع الوتيرة المتسارعة للنمو الديمغرافي. وحذّر التقرير من أن استمرار هذا الاختلال من شأنه توسيع فجوة التشغيل، ما لم تُباشر إصلاحات هيكلية قوية ومندمجة. وفي المقابل، قدّر التقرير أن المغرب يمتلك، من الناحية النظرية، إمكانية إحداث ما يقارب 1.7 مليون فرصة عمل إضافية في أفق سنة 2035، شريطة تبنّي حزمة إصلاحات متكاملة ومتناغمة. وفي سياق دعمه لتوجهات النموذج التنموي الجديد، قدّم التقرير قراءة دقيقة لمسار تحولات سوق الشغل خلال الخمسة والعشرين عاماً الماضية، حيث كشف عن ارتفاع عدد السكان في سن العمل بنسبة 47% بين سنتي 2000 و2024، مقابل زيادة محدودة في عدد المشتغلين لم تتجاوز 20.7%، في حين ارتفع عدد العاطلين بنسبة 19.7%. وقد انعكس هذا التباين بوضوح في تراجع معدل النشاط من 53.1% إلى 43.5%، وهو ما يعكس ضعف قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب العرض المتنامي من اليد العاملة.
وفي تحليل أكثر عمقاً للعلاقة المختلة بين النمو الاقتصادي والتشغيل، أشار التقرير إلى أن المغرب سجّل عجزاً سنوياً متوسطه 215 ألف فرصة عمل خلال الفترة الممتدة من 2000 إلى 2024، وهو عجز تفاقم تدريجياً؛ إذ ارتفع من 138 ألف وظيفة سنوياً خلال العقد الأول من الألفية، إلى 208 آلاف خلال العقد الثاني، قبل أن يبلغ 370 ألف وظيفة سنوياً خلال الفترة ما بين 2020 و2024، وذلك رغم تحقيق نسب نمو أعلى، ما يدل على هشاشة النمو من حيث قدرته التشغيلية. وعزا التقرير هذه الوضعية إلى طبيعة نموذج النمو المعتمد، حيث ظل معدل الاستثمار مرتفعاً في حدود 30% من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو مستوى معتبر وفق المعايير الدولية، غير أن هذا الزخم الاستثماري لم يواكبه تحسن ملموس في الإنتاجية. فقد ظلت مساهمة الإنتاجية الإجمالية لعوامل الإنتاج محدودة، في حدود 0.8 نقطة نمو سنوياً خلال العقد الأول من الألفية و0.7 خلال العقد الثاني، قبل أن تتراجع أكثر في أعقاب جائحة كوفيد-19، وهو أداء يظل دون مستوى الاقتصادات الصاعدة سريعة النمو.
كما أبرز التقرير أن طبيعة توزيع الاستثمار تمثل عاملاً مفسراً لهذا القصور، إذ يهيمن القطاع العام على ما بين نصف وثلثي إجمالي الاستثمارات، وهو ما قد يحد من نجاعتها، سواء بسبب اختلالات في انتقاء وتتبع المشاريع العمومية، أو نتيجة تأثير “الإزاحة” الذي يقلّص فرص تمويل القطاع الخاص، لا سيما المقاولات الصغيرة والمبتكرة، فضلاً عن الحضور القوي للدولة في عدد من القطاعات، بما قد يعيق بروز فاعلين خواص أكثر كفاءة وإنتاجية. وعلى مستوى النسيج الاقتصادي، كشف التقرير مفارقة لافتة، تتمثل في توفر المغرب على قاعدة واسعة من المقاولات، إذ بلغ عدد الشركات المصرّح بها ضريبياً نحو 363 ألف شركة سنة 2022، غير أن هذا الحجم العددي لم يتحول إلى دينامية حقيقية في خلق فرص الشغل المهيكلة، نظراً لكون 94% من هذه المقاولات تنتمي إلى فئة المقاولات الصغيرة جداً، وتتركز في أنشطة محدودة القيمة المضافة وضعيفة القابلية للتصدير، مثل التجارة والبناء. وتزداد هذه الإشكالات حدة مع استمرار انتشار العمل غير المهيكل، حيث يشتغل أكثر من ثلثي اليد العاملة خارج الأطر التعاقدية الرسمية، بل إن جزءاً مهماً من المقاولات المهيكلة نفسها يوظف نحو نصف مستخدميه بشكل غير رسمي، وهو ما يؤثر سلباً على جودة الشغل، ويقوض منظومة الحماية الاجتماعية، ويحد من إنتاجية الاقتصاد ككل.
وفي ما يتعلق بدينامية المقاولات، سجّل التقرير ضعف قدرة الشركات الناشئة على التحول إلى مقاولات كبرى قادرة على إحداث فرص شغل واسعة، كما أشار إلى محدودية عدد الشركات ذات النمو المرتفع مقارنة بدول مماثلة. بل إن التقرير أبرز مفارقة أعمق، تتمثل في أن الشركات الكبرى في المغرب أقل إنتاجية في المتوسط من نظيراتها الصغيرة، وهو وضع معاكس لما هو سائد في الاقتصادات المتقدمة، ما يدل على أن النفوذ السوقي قد يلعب دوراً أكبر من الكفاءة الإنتاجية في تحديد نمو الشركات، وهو ما يضعف حوافز الابتكار واعتماد التكنولوجيا. ووضع التقرير مسألة ضعف المنافسة في صلب هذه الاختلالات، مشيراً إلى أن تقييم بيئة تنظيم الأسواق، وفق منهجية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يبيّن أن الإطار التنظيمي في المغرب أقل ملاءمة لتعزيز المنافسة مقارنة بعدد من الدول المرجعية، حيث تنشط حوالي 40% من الصناعات في بيئات ضعيفة التنافسية، نتيجة قيود تعرقل دخول الفاعلين الجدد إلى السوق، وتحد من توسع المقاولات، وتضعف دينامية التنافس. كما سلط التقرير الضوء على مجموعة من القيود الأفقية، من بينها نظام ضريبي اتسم تاريخياً بتصاعدية في الضريبة على الشركات، وعبء ضريبي مرتفع على الأجور الدنيا، إلى جانب صعوبات الولوج إلى التمويل بالنسبة للمقاولات الصغيرة، وإشكالية تأخر الأداءات، وهي عوامل مجتمعة تكبح نمو المقاولات المنتجة وتحد من قدرتها على التوسع.
ومن زاوية العرض في سوق الشغل، رصد التقرير مفارقة أخرى، تتمثل في تحسن مستويات التعليم مقابل تراجع المشاركة في سوق العمل، حيث تتسع الفجوة بين تطلعات الساكنة، خصوصاً الفئات المتعلمة، وبين الفرص المتاحة، في ظل ركود نسبي للأجور نتيجة ضعف الإنتاجية، وارتفاع ما يُعرف بالأجر التحفظي، المدفوع بعوامل من بينها ارتفاع مستويات التعليم، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج التي تمثل نحو 8% من الناتج الداخلي الإجمالي. ويتجلى هذا الاختلال أيضاً في ظاهرة فرط التأهيل، إذ يشغل حوالي 43% من خريجي التعليم العالي وظائف أدنى من مؤهلاتهم، ما يعكس سوء تخصيص الموارد البشرية والاستثمارات في مجال التعليم. أما بخصوص مشاركة النساء، فقد اعتبرها التقرير أحد أبرز مواطن الضعف في الاقتصاد المغربي، حيث تراجع معدل نشاط النساء من 28% سنة 2000 إلى 19% سنة 2024، مع فجوة تناهز 50 نقطة مقارنة بالرجال، وهي من بين أعلى الفوارق على الصعيد العالمي، وذلك رغم التحسن الملحوظ في مستويات تعليم النساء. كما لا تتجاوز نسبة النساء المقاولات 14%، رغم أن هذه المقاولات تُظهر قدرة أكبر على تشغيل النساء.
وفي مواجهة هذه التحديات المركبة، اقترح التقرير أربعة محاور إصلاحية مترابطة: أولها تعزيز كفاءة الأسواق من خلال تقوية المنافسة وتحسين حكامة المؤسسات العمومية؛ وثانيها دعم دينامية المقاولات عبر إصلاح النظام الضريبي، وتيسير الولوج إلى التمويل، وتبسيط قواعد التشغيل؛ وثالثها تحسين جودة الاستثمار العمومي من خلال تطوير آليات تقييم المشاريع وإدماج استثمارات المؤسسات العمومية ضمن الإطار الميزانياتي؛ ورابعها توسيع مشاركة النساء والشباب عبر سياسات داعمة تشمل مكافحة التمييز، وتحسين خدمات رعاية الأطفال والنقل، وتعزيز التكوين الملائم لحاجيات السوق.وأكد التقرير أن هذه الإصلاحات ينبغي أن تُنفذ ضمن رؤية شمولية منسقة، إذ يسهم تعزيز المنافسة في تحفيز المقاولات، وتولد المقاولات الدينامية طلباً متزايداً على الشغل، فيما تعمل الاستثمارات العمومية الفعالة على استقطاب القطاع الخاص، ويؤدي إدماج النساء والشباب إلى تعبئة طاقات بشرية غير مستغلة.

