“شغف المسرح وأسئلة الاحتراق الوجودي”: توقيع كتاب”لهيب الركح المسرحي”للناقد المسرحي نجيب طلال بمكناس


في سياقٍ يفيضُ بهاءً ويستدعي ألقَ الخشبة، تعتزم جمعية التواصل المعرفي والتنمية المستدامة أن تُقيمَ احتفالاً تكريمياً يليقُ بمقام الكاتب والناقد المسرحي نجيب طلال، مع حفل توقيع كتابه”لهيب الركح المسرحي”، احتفاءً بمسيرته التي امتدّت جذورها في تربة المسرح المغربي، وازدهرت أغصانها في سماء النقد والإبداع. وسيُقام هذا الحفل في رحاب المركب الثقافي محمد المنوني بمدينة مكناس، يوم السبت السادس عشر من شهر ماي 2026، حيث يُنتظر أن تتحول القاعة إلى ركحٍ نابضٍ بالاعتراف، تُضاء فيه كواليس الذاكرة، وتُرفع الستارة عن سيرةٍ حافلةٍ بالعطاء. ويعتبر هذا الاحتفاء رفعٌ للستار عن تجربةٍ مسرحيةٍ متكاملة، واستدعاءٌ لذاكرة الركح بكل ما فيها من ألقٍ وألم، في مشهدٍ يليق بمبدعٍ جعل من المسرح وطناً، ومن الكلمة فعلاً، ومن النقد مرآةً تعكس شغف الحياة وحرارة الوجود.

ولئن كان المسرحُ في جوهره فعلَ حياةٍ يُقاوم العدم، فإن مدخل الكتاب “لهيب الركح المسرحيالمزمع توقيعه الذي بين أيدينا يُلقي على المتلقي خطاباً حادّاً، كأنه مونولوغ داخلي يخرج من أعماق كاتبٍ خبرَ دهاليز الركح، وتمرّس بلعبة الضوء والظل. خطابٌ يُعلن فيه صاحبه، بلسانٍ لا يعرف المواربة، أنه ليس من زمرة المتاجرين بأشلاء التجارب أو الراكبين على جثث الرموز، بل هو من أهل المبدأ الذين يتخذون من النزاهة درعاً، ومن الصدق سيفاً. إنه يعلن، في ما يشبه بياناً مسرحياً، أنه ليس سمسار ثقافة، ولا ممثلاً في مسرح الانتهازية، بل صاحب رؤيةٍ تتوقد فيها نار الشغف، وتضطرم فيها جذوة التمرد الخلاق. ومن هنا يتشكل متن الكتاب، شكلاً ومضموناً، بوصفه دراما فكرية تستقصي احتراق جسد الفنان المسرحي أحمد جواد؛ أو بالأحرى، محاولة لإحياء ذكرى ذلك الاحتراق الذي لم يكن جسدياً فحسب، بل كان احتراقاً للركح ذاته، لأن الفنان لم يكن سوى امتدادٍ له، قطعةً من خشبه، ونبضاً من أضوائه. لقد كان الركح عالمه الطوباوي، ومجاله الحيوي الذي يتنفس فيه، حتى غدا الاحتراق خارج الخشبة بمثابة كسرٍ مأساويٍ للوهم المسرحي، وانفجارٍ تراجيديٍ لا يُحتمل.

إننا بإزاء تراجيديا معاصرة، تتقاطع فيها حدود الواقع والتمثيل، حيث يُقدم الفنان على إحراق ذاته، في مشهدٍ يتجاوز كل قواعد الإخراج التقليدي، ويكسر الجدار الرابع بين الحياة والمسرح. حدثٌ هزّ الوجدان الجمعي، وأثار ردود فعلٍ متباينة، فاهتزّت له الصحف، وضجّت به منصات التواصل، لا بوصفه لحظة عزاءٍ فحسب، بل باعتباره موضوعاً للصراع التأويلي، واختلاف الرؤى بين من رآه احتجاجاً وجودياً، ومن اعتبره انهياراً ذاتياً، ومن قرأه بوصفه صرخةً أخيرة في وجه صمتٍ قاتل. غير أن الناقد نجيب طلال، في هذا العمل، يسعى إلى توجيه بؤرة الضوء نحو مسار الفنان الراحل، كاشفاً عن نضاله وكفاحه، ومبرزاً ملامح التضحية ونكران الذات التي وسمت تجربته. ويُحيلنا، في سياق هذا التوثيق، إلى أصواتٍ صحفية وأدبية رافقته في حياته، وتعاطفت مع محنه، وواكبته حتى لحظة أفوله، في مشهدٍ أقرب إلى الكورَس التراجيدي الذي يعلّق على أفعال البطل، ويمنحها بعدها الإنساني. وبناءً على ذلك، فإن بنية الكتاب تقوم على تبييباتٍ تُحاصر مفهوم النار، وتستجليه من زوايا متعددة، كرمزٍ كونيٍ متشعب الدلالات. فاللهيب، بما هو نتاج النار، يتحول إلى استعارةٍ حيةٍ للقوة الكامنة في الكائنات، تلك التي تتجلى في السخونة، والانتفاض، والنشوة، والاحتراق، والصعود، والتسامي. وهنا يستدعي الكاتب تصورات غاستون باشلار، الذي رأى في النار طاقةً روحيةً تتصاعد نحو العلو، وتسكن في عمق الموجودات.

ومن هذا المنظور، يغدو الكتاب أشبه بمحاولةٍ دراماتورجية لوضع الإصبع على جرح السؤال: ما الذي دفع الفنان إلى اختيار نهايةٍ مأساويةٍ بهذا القدر من العنف الرمزي والمادي؟ إن عنوان الكتاب “«”لهيب الركح المسرحي”»” يحمل في ذاته شحنةً شعريةً كثيفة، تُحيل إلى التوتر الخلاق الذي يعيشه الفنان فوق الخشبة، حيث يتحول الجسد إلى أداة تعبير، والروح إلى شعلةٍ لا تنطفئ. غير أن هذه الشعلة، التي كانت رمزاً للعشق المسرحي، انقلبت إلى نارٍ حقيقيةٍ التهمت الجسد، فحوّلت الفعل المسرحي إلى قدرٍ تراجيدي. ولا يكتفي المؤلف بطرح المعطيات التاريخية، ولكنه ينفتح على أسئلةٍ عميقةٍ تمسّ بنية الذات الإنسانية، من قبيل مفهوم “القرين”، الذي يندر تناوله في السياق السوسيو-ثقافي، رغم تقاطعه مع البعد الديني. وهو بذلك يغامر في مناطق معتمة من النفس، محاولاً تفكيك العوامل التي قد تفضي إلى الانتحار، دون أن يسقط في التبسيط أو الاختزال. فاحتراق أحمد جواد، بعد احتراقه الرمزي في عشق المسرح، يفتح الباب أمام قراءات متعددة، تتراوح بين النفسي، والاجتماعي، والميتافيزيقي. إن فعل الانتحار حرقاً، بما يحمله من قسوةٍ مفرطة، يُعدّ، في ميزان القيم، فعلاً مرفوضاً دينياً وأخلاقياً، غير أن مقاربته فنياً وفكرياً تظل ضرورةً لفهم تعقيداته. وهنا تتجلى أهمية هذا الكتاب، الذي لا يقدّم أجوبةً جاهزة، بل يحرّض على التفكير، ويدعو إلى إعادة النظر في علاقة الفنان بعالمه، وبالركح الذي يحتضنه ويستهلكه في آنٍ معاً.

ويعد المحتفى به المسرحي والكاتب نجيب طلال من أعلام الرعيل الثاني في تاريخ المسرح المغربي، إذ انخرط في معمعانه منذ ستينيات القرن الماضي، بدءاً من الأنشطة المدرسية، مروراً بمسرح الهواة الذي شكّل مختبراً أولياً لصقل موهبته. وقد كانت بداياته مع جمعية “نجوم المسرح”، قبل أن ينتقل إلى جمعية “الفتح المسرحي” بمدينة فاس، حيث تفتّحت قريحته على الكتابة، رغم ممارسته للتشخيص، ليغدو لاحقاً كاتباً متمكناً وناقداً مرموقاً. وقد نشر العديد من المقالات والدراسات في الصحف والمجلات المغربية والعربية، كما ساهم في إثراء الفضاء الرقمي بنصوصٍ ذات قيمة معرفية. وتخصص في تناول راهن المسرح وآفاقه، مستحضراً إشكالاته الجمالية والفكرية. وهو خريج جامعة سيدي محمد بن عبد الله، حيث نال الإجازة سنة 1986، إلى جانب دبلوم في علوم التربية. وإلى جانب عمله في التدريس، ظل فاعلاً جمعوياً، أسهم في تأسيس وإدارة العديد من الجمعيات الثقافية، كما كان عضواً في رابطة المسرح الجزائري سنة 1991، ومؤسساً للشبكة الوطنية للمسرح التجريبي سنة 2002، في مسعى لتجديد الخطاب المسرحي، وفتح آفاق جديدة أمام التجريب.

أصدر نجيب طلال أعمالاً متعددة، منها “حدثني ابن الأثير” (1990)، و”ثريا جبران مسار إبداع” (2001)، و”با إدريس المبدع المشاكس” (2002)، و”من ثنايا ذاكرة الذاكرة” (2007)، إضافة إلى نصوص مسرحية عديدة مثل “الوباء”، و”هاي شوب”، و”دلال”، و”الحصار”، و”الشاهد”، وغيرها. ويأتي كتابه الأخير “لهيب الركح المسرحي” (2025) في نحو مئتي صفحة، ليُتوّج هذا المسار، جامعاً بين الحس النقدي والبعد التراجيدي.
