أمل برادة في قلب الاحتفاء بفاس: الأدب جسراً بين الذاكرة والهوية وأسئلة الإنسان

في سياق الاحتفاء بـاليوم العالمي للمرأة، نظّم معهد صروح للثقافة والإبداع ندورة أدبية (الجمعة 17 أبريل 2026 بمركز إكليل فاس)، خصّصت للاحتفاء بتجربة الكاتبة والأديبة المغربية أمل برادة، تقديراً لمسيرتها الإبداعية المتفردة وإسهاماتها النوعية في مجالي السرد والشعر، من خلال أعمالها الثلاثة: Au gré du vécu، وHistoires secrètes de Fès، وÉclats de rêves. وقد شهد هذا اللقاء حضوراً وازناً لنخبة من المثقفين والأدباء والأكاديميين ومحبي الثقافة والإبداع، في أجواء اتسمت بالحوار العميق والتفاعل الخصب، حيث تداخلت الرؤى حول علاقة الأدب بالذاكرة والهوية وأسئلة المجتمع. وأدار الجلسة بكفاءة واقتدار الأستاذ عبد السلام الزروالي الحايكي، الذي نجح في توجيه النقاش نحو آفاق فكرية رحبة، مستثمراً تنوع المداخلات وغنى التجارب.

في مداخلته النقدية، أبرز الأستاذ والشاعر شكيب تازي مصانو أن أمل برادة تنتمي إلى فئة نادرة من الكتّاب الذين يجمعون بين الصدق الإنساني الصافي والمتانة الأسلوبية المحكمة، مشيراً إلى أن أعمالها، على اختلاف أجناسها وتعدد أشكالها التعبيرية، تنبثق من أفق فكري وإنساني موحد، تتقاطع فيه قضايا الذاكرة والعدالة والبحث المستمر عن المعنى. واعتبر أن هذا التعدد لا يمثل تشتتاً، بل يعكس وحدة داخلية عميقة في مشروعها الأدبي. واستحضر الناقد في قراءته مفهوم ثنائية التحرير والتقييد لدى الفيلسوف الفرنسي موريس بلانشو، بوصفه مدخلاً نظرياً لفهم الدينامية الداخلية لكتابة أمل برادة، التي تتحرك في تلك المسافة الدقيقة بين ما يُفصح عنه النص وما يظل كامناً في طبقاته العميقة. وأوضح أن هذا التوتر الخلاق بين القول والإضمار يمنح نصوصها بعداً تأويلياً مفتوحاً، ويجعل القارئ شريكاً في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي.

وتوقف المتدخل عند الحضور اللافت لمدينة فاس في المتن الإبداعي للكاتبة، معتبراً أنها تتجسد ككائن حي نابض، وروح سارية في ثنايا النصوص، ومصدر خصب للإلهام والذاكرة الجماعية. ففاس، في كتابات أمل برادة، تتحول إلى رمز مركزي تتقاطع فيه الأزمنة وتتشابك فيه الحكايات، بما يمنح السرد عمقاً تاريخياً وثقافياً متجذراً. كما أفرد شكيب تازي حيزاً مهماً للحديث عن صورة الأم في عمل Au gré du vécu، حيث اعتبرها محوراً إنسانياً وأخلاقياً بالغ الدلالة، تتجسد من خلاله قوة الذاكرة العائلية وصلابتها في مواجهة تحولات الزمن. فالأم، في هذا العمل، ليست مجرد شخصية، بل هي مرآة للذات ومصدر لإعادة تشكيلها، بما يتيح للكاتبة مساءلة علاقتها بالماضي واستعادة توازنها الوجودي. وختم الناقد مداخلته بشهادة إنسانية صادقة، مؤكداً أنه عرف أمل برادة إنسانة قبل أن يتعرف إليها كاتبة، وأن ما تكتبه ليس إلا امتداداً طبيعياً لما تحمله من صدق ومحبة عميقة للإنسان، وإيمان راسخ بقدرة الكلمة على إحداث التغيير. وخلص إلى أن الاحتفاء بهذه التجربة هو في جوهره احتفاء بالأدب بوصفه حارساً للذاكرة، ووسيطاً يمنح التجربة الإنسانية معناها وعمقها.

من جانبه، قدّم الناقد محمد السعيدي مداخلة وسمها بالتحليل المنهجي الرصين، تناول فيها المنجز الإبداعي لأمل برادة من خلال محورين رئيسيين. خصّص المحور الأول لتحليل “المكونات الفكرية والأدبية المبلورة لشخصيتها العلمية”، حيث وقف عند تعدد الأجناس التي أبدعت فيها، مبرزاً طابعها الموسوعي واتساع آفاقها التعبيرية. وأوضح أن الكاتبة استطاعت أن تبحر في عوالم السرد بكفاءة عالية، لغوياً وفنياً وأسلوبياً، مقدمة نموذجاً للسرد متعدد الأجناس، الذي يجمع بين العمق الفكري والثراء الجمالي. وفي هذا السياق، أشار إلى أن السرد الفكري يحتل مكانة بارزة في أعمالها، إذ تعبر من خلاله عن رؤيتها الفلسفية للحياة، مستلهمة بيئتها وتجاربها، وهو ما يتجلى بوضوح في نصوصها التي تتناول قضايا مثل الحرية المسلوبة. أما السرد الروائي، فيتمثل في سيرتها الذاتية Au gré du vécu، التي تقدم فيها تجربة ذاتية مشبعة بالتأمل والتحليل، حيث يتداخل الشخصي بالإنساني في صياغة سردية متماسكة. وفيما يخص السرد الحكائي، فقد أبدعت فيه باللغتين العربية والفرنسية، كما في Histoires secrètes de Fès، حيث يتجلى تزاوج لغوي وثقافي يعكس ثراء تجربتها وتعدد مرجعياتها.

أما المحور الثاني من مداخلته، فقد خُصص لتحليل الرؤية الإبداعية في شعر أمل برادة، من خلال ديوانها Éclats de rêves. وقد صنّف الناقد هذا العمل ضمن أجناس شعرية متعددة، منها الإخوانيات والأغراض الأسرية والرثاء ووصف الطبيعة والتأملات الفلسفية، مشيراً إلى ما يزخر به الديوان من صور بديعية آسرة وبناء فني متقن، يجمع بين البعد البلاغي والإيقاعي، ضمن حساسية شعرية ذات امتداد فرنكفوني واضح. وتوقف السعيدي عند نماذج شعرية دالة، أبرز من خلالها قدرة الشاعرة على التعبير عن قضايا إنسانية كبرى، من قبيل الدفاع عن المستضعفين، وإثبات حقوق المرأة، وصون الطفولة، وهي قيم شكلت جوهر مشروعها الإبداعي. وخلص إلى أن أمل برادة ليست مجرد كاتبة أو شاعرة، بل هي مفكرة ذات إشعاع إنساني كوني، يتجلى في حضور أعمالها على الساحة العالمية، من خلال ترجمات نوعية إلى لغات متعددة.

وفي قراءة مغايرة، قدمت حكيمة الحضري مداخلة ركزت فيها على البعد الرمزي والجمالي في نص “الحرية المسلوبة”، معتبرة أن قضية الحرية تظل من أبرز القضايا التي شغلت الفكر الإنساني، لما لها من ارتباط وثيق بكرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم. وفي هذا الإطار، رأت أن اختيار الكاتبة لرمز الحمامة لتجسيد بطلة النص لم يكن اعتباطياً، بل ينطوي على دلالات عميقة، حيث ترمز الحمامة إلى البراءة والسلام والتطلع إلى الانطلاق. غير أن هذه الحمامة، كما أوضحت الحضري، تعيش مساراً مثقلاً بالتجارب القاسية، إذ تواجه الخذلان والغدر، ما يحول رحلتها إلى صراع داخلي محتدم بين الألم والرغبة في التعافي واستعادة التوازن. وبدلاً من التحليق في فضاء الحرية، تجد نفسها أسيرة قيود نفسية ومعنوية، فرضها واقع مليء بالانكسارات. وأشارت المتدخلة إلى أن الكاتبة اعتمدت لغة انفعالية قوية، مكثفة الدلالة، وعمدت إلى إدماج “أنشودة الحمامة” داخل النسيج السردي، في محاولة لكسر رتابة الحكي وإضفاء بعد سمعي يجعل القارئ يكاد يسمع الألم ويتفاعل معه وجدانياً. واعتبرت أن هذا التداخل بين السرد والشعر يعكس حساسية فنية عالية، ويمنح النص بعداً جمالياً مركباً.

ورأت الحضري أن البطلة، رغم عمق جراحها، لم تستسلم للانكسار، وإنما واجهت ألمها عبر الفن والكلمة، لتتحول من حمامة جريحة إلى كائن رحّال يجوب فضاءات الوطن. وقد أضفى هذا التحول على النص أبعاداً جغرافية وروحية، حيث يصبح الوطن فضاءً بديلاً للحرية، وملاذاً يعوض فقدان الأمان العاطفي. وتابعت أن البطلة تنتقل من عالم تسوده الأقنعة والمشاعر الزائفة إلى عالم الطبيعة الصادقة، حيث تجد في صفاء الكون عزاءً روحياً، وتعيد تعريف الحرية بوصفها قدرة على الاستغناء والتحرر الداخلي. وهكذا يتحول صراخ الألم إلى تغريد يصدح في مدن الوطن، لتغدو التجربة الفردية ملحمة إنسانية تتجاوز حدود الذات. وفي خلاصة قراءتها، أكدت الحضري أن النص يرصد مساراً تحوّلياً عميقاً، تنتقل فيه البطلة من الانكسار إلى الانبعاث، ومن ضيق التجربة الفردية إلى رحابة الانتماء الكوني. فالوطن، الممتد من طنجة إلى الكويرة، يصبح جناحيها اللذين تحلّق بهما، والأفق الذي لا يخون. وبهذا المعنى، يتحقق الانتصار لا عبر الانتقام، بل من خلال الانتماء والإرادة، ومن خلال إعادة بناء الذات في أفق أكثر صفاءً واتساعاً.

هكذا، شكّل اللقاء مناسبة ثقافية رفيعة للاحتفاء بتجربة إبداعية ثرية، ولإعادة طرح أسئلة جوهرية حول دور الأدب في حفظ الذاكرة وصياغة الوعي، مؤكداً أن الكتابة، حين تتأسس على الصدق والرؤية، قادرة على أن تكون فعلاً إنسانياً عميق الأثر، يتجاوز حدود اللغة والجغرافيا. فقد أبرزت المداخلات والنقاشات أن الكتابة هي ممارسة فكرية وأخلاقية تسهم في إعادة بناء المعنى ومقاومة النسيان. كما أكد الحضور أن الأدب، حين يستند إلى صدق التجربة ووضوح الرؤية، يمتلك قدرة استثنائية على التأثير العميق في الوجدان الفردي والجماعي، متجاوزاً الحواجز اللغوية والحدود الجغرافية. وبهذا المعنى، يغدو الإبداع الأدبي فضاءً للحوار والتلاقي، وجسراً يربط بين الإنسان وذاته، وبين الماضي والحاضر، في سعي دائم نحو فهم أعمق للعالم وإغناء التجربة الإنسانية.

تميز ت الندوة بقراءات شعرية للشاعر الكبير عبد الكريم الوزاني، ورئيسة معهد صروح للثقافة والإبداع نبيلة حماني

تُعدّ أمل برادة واحدةً من الأسماء الثقافية التي نسجت مسارها بتؤدةٍ واقتدار، حيث وُلدت بمدينةفاس، فشبّت في رحابها، وارتوت من معينها الحضاري العريق، ما جعل حضور المكان في تجربتها الفكرية والإبداعية حضوراً مؤثثاً بالدلالة والعمق. وقد جمعت في تكوينها بين الصرامة العلمية والتفتح الإنساني، فهي أخصائية نفسية، وشاعرة، وكاتبة، ومترجمة، مما أتاح لها أن تُزاوج بين التحليل النفسي والتعبير الأدبي في صياغة رؤيتها للعالم. حصلت على الإجازة في العلوم الاقتصادية، تخصص تسيير المقاولات، من كلية العلوم الاقتصادية والقانونية بفاس، قبل أن تتجه إلى حقل العلوم الإنسانية، حيث نالت دبلوم الدراسات المعمقة في علم النفس اللغوي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وهو اختيار يعكس ميلها إلى استكشاف العلاقة الدقيقة بين اللغة والذات.

وامتدّ نشاطها المهني إلى مجالات متعددة، إذ اشتغلت خبيرةً لدىفيدرالية المدارس الأوروبية، وأسهمت في تكوين الأطر في مجال تقنيات التعبير والتواصل داخل مؤسسات مغربية، مستثمرة خبرتها العلمية في خدمة التنمية البشرية. كما مارست التدريس العالي بصفتها أستاذة محاضرة بالمعهد العالي للسياحة والفندقة بفاس، إلى جانب تجربتها السابقة أستاذةً وإطاراً إدارياً بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز، حيث أسهمت في تأطير الطلبة وتوجيههم. ولم يقتصر إشعاعها على الفضاء الأكاديمي، بل امتد إلى المجال الثقافي والإعلامي، إذ نسّقت ندوات دولية، وشاركت بحضور فعّال في مؤسسات ثقافية مرموقة مثلمعهد العالم العربيودار المغرب، كما أطلت عبر منابر إعلامية دولية من قبيلراديو الشرقوراديو مونت كارلو الدوليةوراديو الشمسبباريس، حيث أسهمت في التعريف بقضايا الثقافة والأدب.

وتحضر أمل برادة في النسيج الجمعوي عضواً فاعلاً في عدد من الهيئات، من بينها مؤسسة مونبونسيي الفرنسية، ومؤسسة يوم فاس، ومعهد صروح، وجمعية بوابة فاس، وهو انخراط يعكس وعيها بأهمية العمل الثقافي المشترك. أما في مجال الإبداع، فقد أغنت المكتبة بعدد من الأعمال المتنوعة، بين الشعر والسرد والترجمة. من ذلك ديوانها الشعري“Ame Solitaire”، وديوان“Éclats de rêves”، إلى جانب نصوصها النثرية مثل “خواطر في الحرية المسلوبة”، وروايتها“Au gré du vécu” و“Histoires secrètes de Fès”، فضلاً عن مجموعتها القصصية“Passerelles”. كما كتبت للأطفال أعمالاً بالفرنسية تُعنى بالقيم الإنسانية وحماية البيئة، وأسهمت في ترجمة دواوين شعرية من العربية إلى الفرنسية، ونقلت عملها “حكايات فاس الأزلية” إلى العربية. وشاركت كذلك في أعمال جماعية مثل “أنطولوجيا الشعر النسوي المغربي” و“الشعر بنون النسوة”. وتستعد لإصدار كتاب جديد بعنوان“Parler pour apaiser, les clés de la communication positive”، مما يدل على استمرارية عطائها وتجدّد مشروعها الفكري والإبداعي.

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى