تمثيلٌ فوق الخشبة وتمثيلٌ تحت القُبّة: أيُّهما أحقُّ بالثقة وأجدرُ بالهيبة؟، طمعُ درهمٍ أم طلبُ همّة؟


يا سائلي عن شأنٍ استطار ذكرُه، واستفاض خبرُه، حتى صار حديثَ المجالس، ومثارَ القلاقل في صدور أرباب الفنّ وأهل الأدب؛ اعلم – أرشدك الله إلى سواء السبيل – أنّا في زمانٍ تداخلت فيه الصناعات، واختلطت فيه الحِرَف، حتى غدا التمثيلُ تمثيلين: تمثيلٌ على خشبةٍ تُضاءُ بالمصابيح، وتمثيلٌ تحت قبةٍ تُضاءُ بالأطماع. حدّثني بعضُ من شهد الوقائع، وجال في أروقة المسارح، ثم طرق أبواب السياسة، فقال: خرجتُ يومًا أبتغي فرجةً، فإذا بالممثل قد خلع رداءه المسرحي، ولبس عباءة المرشّح، واستبدل قناع الفنّ بقناع الخُطب، وتحوّل من مُلقّنٍ للعاطفة إلى مُسوّقٍ للوعود. فقلتُ في نفسي: أهذا تبدّلُ حالٍ، أم تحوّلُ مآل؟ أهو ارتقاءٌ في المدارج، أم انحدارٌ إلى المدارج؟، وما زلتُ أتفكّر حتى بان لي أن الفنان – وهو ابنُ الخيال، وربيبُ الحسّ، وسليلُ العاطفة – قد ضاق ذرعًا بسوقٍ كاسدة، وجمهورٍ متقلّب، ودعمٍ شحيح، ومناخٍ ثقافيٍّ تكسوه غبرةُ الإهمال، وتلفحه رياحُ التهميش. فراح يطلب ملاذًا، ويبتغي مأمنًا، فوجد في السياسة مأوى، وفي البرلمان مثوى، فهرع إليه هرع الظمآن إلى السراب. غير أنّ السؤال – أيها الفطن – ليس في الهجرة ذاتها، وإنما في دوافعها وخباياها؛ أهي هجرةُ اضطرارٍ أم اختيار؟ أهي نزوعٌ إلى خدمة العامّة، أم نزولٌ عند شهوة الخاصّة؟ أهي رغبةٌ في الإصلاح، أم رهبةٌ من الإفلاس؟.
فإن قلتَ: إنما هو التهافت على المال، وطلبُ الجاه، وضمانُ المستقبل، لم أُكَذّبك؛ فإنّ في السياسة مواردَ لا تنضب، ومغانمَ لا تُحصى، ومكانةً تُغري، ووجاهةً تُسكر. والفنان – مهما علا شأنه – بشرٌ يطمع كما يطمع غيره، ويخشى الفاقة كما يخشاها سواه. فإذا رأى غيره قد اغتنى، وهو على حاله لم يزل، اضطرب قلبه، وتزلزل لبّه، وسعى حيث يسعى الناس. وإن قلتَ: هو هروبٌ من أزمةٍ ثقافيةٍ خانقة، وفنيةٍ خانسة، لم أجادلك؛ فإنّ المسرح قد ضاق بأهله، وقلّ روّاده، وغدا كالمأتم لا يؤمه إلا القليل، وكالسوق البائرة لا يقصدها إلا الزهيد. فالفنان إذا ضاق به الفضاء، بحث عن سماءٍ أخرى، وإذا انحسر عنه الضوء، طلب مصباحًا جديدًا. غير أنّ العجب – كل العجب – أن يُهجر المسرح، وهو موطنُ التمثيل، إلى البرلمان، وهو – وإن قيل فيه غير ذلك – موطنُ تمثيلٍ من نوعٍ آخر. فهل البرلمان إلا مسرحٌ واسع، تتبدّل فيه الأدوار، وتُلقى فيه الخطب، وتُصاغ فيه المشاهد؟ غير أنّ الفرق – يا صاح – أن تمثيل الخشبة يُطلب فيه الصدقُ الفني، ويُعذر فيه التخييل، وأما تمثيل القبة فيُطلب فيه الصدقُ الواقعي، ولا يُغتفر فيه التزييف. فكيف بمن عوّد نفسه التمثيل، وألف التصنّع، وتدرّب على تقمّص الأدوار، أن يتحوّل فجأةً إلى صادقٍ في قوله، أمينٍ في وعده، ثابتٍ في موقفه؟ أليس في ذلك ما يثير الريبة، ويبعث على التساؤل؟
ثم إنّ التمثيل – في جوهره – محاكاة، والسياسة – في أصلها – مداولةٌ ومحاسبة. فإذا غلبت المحاكاة على المداولة، فسد الأمر، وإذا طغى الأداء على الحقيقة، اختلّ الميزان. والفنان – وإن بلغ في الإبداع مبلغًا – قد لا يُحسن التدبير، ولا يُجيد التقدير، لأنّ لكلّ فنٍّ رجاله، ولكلّ صناعةٍ أربابها. وقد يقول قائل: إنّ الفنان أدرى بالناس، وأقرب إلى نبضهم، وأقدر على التعبير عن آلامهم وآمالهم، لأنه عاش بينهم، ومثّل قضاياهم، وصوّر معاناتهم. وهذا قولٌ له وجاهة، وحجّةٌ لا تُدفع جملةً، غير أنّ المعرفة بالشيء لا تستلزم القدرة على تغييره، والإحساس بالمشكلة لا يعني امتلاك الحلّ. فكم من شاعرٍ وصف الفقر، ولم يُغنِ فقيرًا، وكم من ممثلٍ جسّد الظلم، ولم يرفع ظلمًا. فالتمثيل تصوير، والسياسة تدبير، وبين التصوير والتدبير بونٌ بعيد. فإذا أصبح الفنان نائبًا، وممثّلًا تحت قبة الأمة، فإنّ مصداقيته تُعرض على محكٍّ عسير، أهو صادقٌ فيما يقول، أم ممثّلٌ فيما يفعل؟، أهو يخدم الناس، أم يخدم نفسه؟، أهو وفيٌّ لقيم الفنّ، أم متخلٍّ عنها لأجل المنافع؟. والمصيبة – يا رعاك الله – أنّ الناس قد ملّوا السياسيين، وضجروا من وعودهم، وسئموا من اجترارهم للكلام، حتى صار القول عندهم كالغبار، لا يُرى له أثر، ولا يُرجى منه نفع. فإذا جاءهم فنانٌ، كانوا بين مُرجٍ ومُرتاب، يرجون منه الجديد، ويرتابون من القديم الذي قد يتكرّر على لسانه. فهل يأتي الفنان بما لم يأتِ به السياسيون؟ أم يُعيد ما أعادوه، ويقول ما قالوه، ويَعِدُ كما وعدوا، ثم لا يفي كما لم يفوا؟.
إنّ التجربة – يا صاح – هي الحكم، والواقع هو الفيصل. فإن دخل الفنان السياسة محتفظًا بروحه النقدية، وجرأته الإبداعية، واستقلاله الفكري، فقد يُحدث خرقًا في جدار الرتابة، ويُدخل نسمةً في هواءٍ راكد. أما إن دخلها متخلّيًا عن كلّ ذلك، متقمّصًا دور السياسي التقليدي، فقد زاد الطين بلّة، وأثقل الكاهل حملاً. ولعمري، إنّ أخطر ما في الأمر، أن تتحوّل السياسة إلى ملجأٍ لكلّ من ضاق به مجاله، لا إلى ميدانٍ لمن امتلك أدواتها. فإذا صار البرلمان مقصدًا للفنان التائه، والتاجر الخاسر، والموظف السائم، فقد فُقدت هيبته، وضاعت رسالته. فيا أيها الفنان، إن كنتَ ترى في نفسك قدرةً على الإصلاح، وعلمًا بالتشريع، وفهمًا للتدبير، فامضِ على بركة الله، ولا يصدّنك قائل، ولا يثنيك ناقد. أما إن كان الأمر عندك مجرّد فرارٍ من ضيقٍ إلى سعة، أو انتقالٍ من فقرٍ إلى غنى، فاعلم أنّك قد تُبدّل ثوبًا بثوب، ولكنك لا تُبدّل حالًا بحال. ويا أيها الناظر في هذا الشأن، لا تعجل بالحكم، ولا تُطلق القول على عواهنه، بل زِن الأمور بميزان العقل، وانظر إلى الأفعال لا إلى الأقوال، وإلى النتائج لا إلى النيّات. فإنّ الزمان كفيلٌ بكشف المستور، والأيام حبلى بالعجائب، وقد يُخرج من رحم المفارقة ما يُدهش العقول، فيكون الفنان السياسي خيرًا من السياسي الفنان، أو يكون كلاهما سواءً في القصور.
وفي الختام، أقول – وقد طال المقال، وتشعّبت الأحوال – إنّ المسألة ليست في انتقال الفنان من المسرح إلى البرلمان، هي في انتقاله من التمثيل إلى الحقيقة، ومن الأداء إلى المسؤولية، ومن الخيال إلى الواقع. فمن أحسن هذا الانتقال، فقد أحسن، ومن أساءه، فقد أساء، والله أعلم بما في الصدور، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

