مسرحُ الرباطِ مُشادٌ وفاسُ في انتظارِ الميعاد: أأنوارٌ هناكَ وإهمالٌ في بلدِ الأجداد؟

يا صاحِ، حدّثني من شهد الرباط عروسًا تتقلّد درّة المسرح، وتتباهى بصرحٍ شُيّد على مثال العزّ والتمام، حتى خُيّل للناظر أنّ المسرح الملكي بالرباط قد استحال منبرًا تُصافح فيه الفنونُ المكارمَ، وتتعانق فيه الألحانُ مع البيان، وتُرفع فيه رايةُ الجمال خفّاقةً في سماء الزمان. فقلتُ: طوبى لمدينةٍ عرفت قدر الفنّ فشرّفته، وأكرمت أهل الإبداع فأنصفتهم، وجعلت للمسرح مقامًا يليق به، إذ هو مرآةُ الشعوب ولسانُ حالها، وكتابُها المفتوح لمن أراد أن يقرأ ما بين السطور. غير أنّي، وإن سرّني ما سرّ، قد اعتورني من الحزن ما اعتور، إذ التفتُّ نحو فاس، حاضرةِ العلم والعرفان، ومهوى أفئدةِ البيان، وأمّ المدائن التي إن نطقتْ الحجارةُ فيها لأفصحتْ عن تاريخٍ يجلّ عن الحصر ويعزّ على الاختصار. فقلتُ في نفسي: أهذه هي فاس التي خرّجت العلماء، وأنجبت الأدباء، وربّت على ضفافها الفنون حتى أزهرت، ثم تُترك اليوم بغير مسرحٍ يوازي مجدها أو يليق بسالف عهدها؟

يا قوم، إنّ مدينة فاس ليست دارًا كسائر الديار، ولا بلدًا يُقاس بغيره من الأمصار، هي مهدُ الحضارة، ومعدنُ الأصالة، وموطنُ القرويين حيث أُسّس العلمُ على التقوى، وشُيّد المجدُ على البيان. فكيف تُحرم مثل هذه الحاضرة من صرحٍ مسرحيٍّ يجمع شتات فنونها، ويؤوي شتات مبدعيها، ويُعيد إليها ما سُلب من ألقها؟، أفيُعقل أن يكون للرباط مسرحٌ ملكيٌّ تُشدّ إليه الرحال، وتُضرب عنده أخبية الجمال، وتُقام فيه الليالي الحسان، بينما تُترك فاس لرحمة الساحات، تُدار فيها الحكايات، وتُنسج على عجلٍ حكايا الحكواتيين في ساحة أبي الجنود، وكأنّها لا تستحق إلا الحلقة بعد الحلقة، والفرجة بعد الفرجة، دون بناءٍ يخلّد الإبداع ويصونه من الضياع؟ يا للعجب! أترى الزمان قد دار دورته، فأضحى المجدُ يُوزّع بالقِسطاس غير المستقيم، وتُمنح المدنُ على قدر حظوظها لا على قدر تاريخها؟ أم أنّ فاس قد كُتب عليها أن تكون أمّ العلوم بلا دارٍ للفنون، وأن تُنجب المبدعين دون أن تُنجب لهم مسارحَ تحتضنهم؟.

ثم قلتُ: لعلّ في الأمر سرًّا، أو لعلّ وراء الأكمة ما وراءها، إذ كيف يُعقل أن تُقام العروض في قاعةٍ تُستعمل للمداولات، ويُجعل من المجلس الحضري مسرحًا تُؤدّى فيه أدوارُ الأغلبية والمعارضة، في مشهدٍ إن ضحك منه الناظر بكى، وإن بكى منه ضحك، حتى غدا التمثيل فيه أبلغ من التمثيل على الخشبات، وأشدّ وقعًا من النصوص والبيانات؟، فيا أهل الرأي والتدبير، ويا أولي الأمر والتقدير، إنّ فاس تناديكم نداءً خفيًّا تسمعه القلوب قبل الآذان، وتستغيث بكم استغاثةً من عرف قدرها ولم يُنصفها زمان. أليس من العدل أن تُشيّد فيها دارٌ للمسرح تُضاهي ما في الرباط، وتُجاري ما في سائر الحواضر، فتكون قبلةً للفنانين، ومهوىً للأدباء، ومنبرًا للثقافة التي طال بها الانتظار؟. إنّ المسرح ليس جدرانًا تُرفع، ولا مقاعدَ تُصفّ، هو روحُ أمةٍ تتجلّى، وصوتُ شعبٍ يتردّد، وذاكرةُ تاريخٍ تُروى، فإذا أُقيم في موضعه أحيى ما مات، وإذا غاب عن أهله أمات ما حيّ. وفاس، يا سادة، أولى بهذا الإحياء، وأحقّ بهذا البناء، وأجدر بأن يُعاد إليها مجدُها في ثوبٍ جديد، يليق بماضيها ويستشرف مستقبلها.

يا أهلَ فاس، ويا من بأيديكم زمامُها، وبأقلامكم يُكتبُ غدُها ويُرسمُ مداها، أين أنتم يا أصحاب الضمائر الحيّة، وقد استنفر الوجدانُ واستغاث المكان؟ أفيكم رجلٌ رشيدٌ إذا نطق أنصف، وإذا عزم أوفى، وإذا رأى في فاس أمًّا جريحةً مدّ لها كفَّ البرّ والشفاء؟ أم أنّ القلوب قد قست، والهمم قد خفَتت، فأضحت المدينةُ بين أيديكم كوديعةٍ ضائعة، لا تُصان ولا تُرعى؟، أما سمعتم أنينَ الأزقّة وهي تُحدّث عن مجدٍ مضى، وتُناجي حاضرًا تاه بين الوعود والانتظار؟، أما رأيتم كيف يُشادُ البنيانُ في غيرها، وتُرفع المنابرُ للفنون، وفاسُ، وهي معدنُ البيان، تُتركُ للفراغ ينهشُ تراثها، وللنسيان يُطفئُ سراجها؟ فهل ضاقت صدوركم عن مشروعٍ يُحيي الروح، أم عجزت سواعدكم عن بناء صرحٍ يليق بما كان وما يكون؟، يا من تسيّرون الشأن وتُدبّرون الأمر، أين همّتكم ومساعيكم؟ أفي الدفاتر تُقبر الخطط، أم في المجالس تُبدّد العهود؟، أكلّما لاح بصيصُ أملٍ أطفأتهُ تردّداتُكم، وكلّما هبّت نسمةُ إصلاحٍ كبّلتموها بقيود التأجيل؟، إنّ فاس لا تطلب المستحيل، ولا تروم خيالًا من محال، إنما تنشد عدلًا في النظر، وإنصافًا في العمل، ووفاءً لما تستحق من عنايةٍ واعتبار.

فإن كنتم أهلَ رأيٍ فالرأيُ اليومَ يُناديكم، وإن كنتم أهلَ عزمٍ فالعزمُ يختبركم، وإن كنتم أهلَ غيرةٍ ففاس أولى بغيرتكم من كل شأنٍ عابر. لا تجعلوا التاريخَ شاهدًا عليكم وأنتم قادرون على أن يكون شاهدًا لكم، ولا تُورّثوا أبناءكم حسرةَ مدينةٍ عظيمةٍ أُهملت حين كان في الإمكان إنصافها. انهضوا، فإنّ الوقت لا ينتظر، وأجيبوا نداء فاس قبل أن يعلو صوتُ الأسف، وتكتب الأجيال أن رجالًا مرّوا من هنا، فلم يتركوا وراءهم إلا سؤالًا معلّقًا: أين كانوا حين نادتهم المدينة؟، فإن أنصفتموها، كتبتم اسمكم في سجلّ الخالدين، وإن أغفلتموها، بقي السؤال معلقًا بين السماء والأرض، كيف تُكرّم الحواضر وتُهمّش الأمصار التي صنعت الحضارة؟ هذا، وما قلتُه إلا غيرةٌ على مدينةٍ إن ذُكرت ذُكر المجد، وإن غابت غاب بعضٌ من معنى الوطن. فهلمّوا إلى عملٍ يُرضي الضمير، ويُعيد لفاس بهاءها، ويجعل من مسرحها منارةً تهدي السالكين، وتُحيي في القلوب ما خبا من وهج الفنون.

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى