بين وهج البنيات واحتراق الإنسان: مفارقة المسرح المغربي من أزمة التمسرح إلى أفق المسرح الذكي


محمد خشلة: فنان ومخرج مسرحي صاحب نظرية مسرح التكامل
كان من المفروض أن أكون سعيدا بافتتاح المسرح الملكي بمدينة الرباط، وأنا الذي ينادي بمسايرة المسرح للتحولات الحضرية. ولكن العكس هو الحاصل لأنني لا زلت أستحضر إضرام الفنان أحمد جواد النار في جسده بمناسبة اليوم العالمي للمسرح يوم 27 مارس 2023 احتجاجا على وضعه الاجتماعي كفنان. الوقفة الاحتجاجية التي قام بها مسرحيو مدينة الدار البيضاء داخل مقر الجماعة للمدينة (فبراير 2026) لنفس السبب. واحتجاجات أخرى متعددة في كثير من المدن المغربية… كل هذا يدخل في إطار المفارقة الصارخة التي يعيشها المسرح المغربي اليوم ـ وهذا ما دأبنا على توضيحه من خلال هذه الأوراق على هذه الصفحة ـ هذه المفارقة التي تتجلى في عجز الممارسة المسرحية ـ في المغرب ـ على مسايرة التحولات الحضارية التي يعرفها المجتمع الإنساني. هذا يغري بمناقشة هذا الموضوع من جانبه السياسي، ولكني سوف أبقى وفيا للمسعى السوسيولوجي والبنيوي لبناء نظرية مسرح التكامل الذي اخترته. رغم أن هذا الافتتاح يؤكد فظاعة هذه المفارقة. في المسرح يلتقي الإنسان بأشباهه من البشر، ويأخذ فرصة لاكتشاف شرطه الإنساني واكتشاف الذات. المسرح مرآة تعكس ملامح المجتمع، ويساهم في تشكيل الوعي والفكر لدى أفراده من خلال رسم شخصيات ونماذج إنسانية تشبههم، وتزويدها بأفكار وأحاسيس وعوالم نفسية تتماهى مع عالمهم وأفكارهم ومشاعرهم، المعلنة منها والمكبوتة، محراًر بذلك الإنسان مما يعطل فيه طاقته الكامنة وقدرته على الخلق والابداع. المسرح يحفز الخيال والتفكير النقدي لدى الجمهور، ويساعد على تشخيص مشاكل المجتمع وتناقضاته واقتراح الحلول لها. المسرح تدريب على النظام واحترام القانون واحترام الآخر. هذا مجمل المفاهيم التي آلت إليها مجمل الدراسات المسرحية نهاية الألفية الثانية في العالم المتحضر والتي لا تزال غائبة ـ مع الأسف ـ في الممارسة المسرحية بالعالم العربي ـ المغرب نموذجا ـ وبحكم التطور التكنولوجي مع بداية الألفية الثالثة أخذ مفهوم التمسرح يأخذ مناحي عديدة وكان مسرح التكامل أحد هذه التصورات المحدثة للتمسرح. وفي إطار رفع بعض جوانب اللبس في فهم نظرية مسرح التكامل، أريد العودة إلى هذه النقطة التي تكتسي حساسية كبيرة لمفهوم التمسرح حسب مفهوم التكامل. لقد خلصنا ـ من خلال العديد من الأوراق ـ إلى أن التمسرح يجمع طبقات متعددة: انفعالات فردية، خبرات مهنية، ذاكرة ثقافية، وسياقات حضارية، ليولد حدثاً مسرحياً متفرداً. هنا يمكن أن يتساءل القارء. هل العجز الذي يعاني منه اليوم المسرح المغربي لا زال ناتج عن القيود التي ما فتئت الدولة تفرضها على تطور الفعل المسرحي؟ أم أن هنالك مخطط تروم من خلاله الدولة ـ العميقة ـ القفز على العديد من المحطات التطورية فيما يخص الإبداع الفني عموما والمسرحي على وجه الخصوص؟ وهل هذا ممكن؟ يبدو لأول وهلة أن هذا الطرح ليس مجرد مفارقة عابرة، بل هو توتر بنيوي عميق بين مستويين مختلفين من التطور: مستوى البنية التحتية (المادية / المؤسساتية) ومستوى البنية الحية للتمسرح (الإنسان ـ الممارسة ـ الخبرة). فإذا توخينا قليل من الدقة منذ البداية، يمكننا القول إن القفز الحضاري ممكن في المؤسسات ـ ما يحدث الآن في المغرب ـ لكنه شبه مستحيل في التمسرح. لنوضح: أولاً ـ هل العجز ناتج فقط عن القيود؟ التفسير السهل والذي يمكن أن يروم إليه معظم المتتبعين للشأن المسرحي هو أن الدولة قيدت المسرح مما ترتب عنه ضعف لهذا المسرح. هذا التفسير لم يعد كافياً اليوم. لأننا أمام وضع أكثر تعقيداً: ـ هناك استثمار في البنيات (مسارح، تجهيزات) ـ مقابل هشاشة في الوضع الاجتماعي لرجالات المسرح ـ وارتباك في الإنتاج الفني نفسه إذن نحن لسنا أمام “منع” فقط، بل أمام اختلال في منطق التطور ثانياً ـ هل هناك قفز على المراحل؟ نعم، إلى حد كبير. ما يحدث يمكن وصفه هكذا: الانتقال السريع إلى “مسرح البنيات” دون استكمال “مسرح التكوين والتجربة” بمعنى أن بناء مسارح حديثة والحديث عن التكنولوجيا بكل اللغات وتنظيم تظاهرات … في حين يبقى التكوين الفني غير مستقر وبعيد عما تتطلبه المنشآت الحديثة، الممارسة اليومية ضعيفة وشروط العيش الفني هشة. ثالثاً ـ لماذا القفز ممكن مؤسساتياً وغير ممكن تمسرحياً؟ هنا ندخل إلى قلب نظرية مسرح التكامل. ـ في السياسة والمؤسسات يمكن استيراد نموذج، بناء بنية وتعميم خطاب. بمعنى أن القفز ممكن. ـ في التمسرح. التمسرح ليس بنية جاهزة، بل هو عملية تراكمية معقدة (انفعالية ـ معرفية ـ جسدية ـ ثقافية) أي أنه لا يُستورد ولا يُفرض ولا يُسرّع قسراً. ـ بلغة التكامل، لا يمكن اختصار مسار التكامل… دون أن يحدث انقطاع ـ وهذا ما نراه اليوم ـ بنية متقدمة مقابل تمسرح غير مكتمل فتكون النتيجة: فشل في تحقيق التكامل. رابعاً ـ إعادة صياغة المفارقة ليست المفارقة فقط، مسرح جميل مقابل فنان يعاني. بل المفارقة أعمق من ذلك وتتمثل في مكينة مسرحية متقدمة مقابل دورة تمسرحية غير مكتملة. وهذا ينسجم تماماً مع ما تم التأسيس له وهو أن التمسرح هو دورة عصبية / انفعالية تحتاج إلى الاستقرار، التراكم والتجربة. خامساً ـ هل يمكن للدولة أن “تقفز” بالإبداع؟ يمكنها أن تسرّع البنية، تفتح الفضاء وتوفر الإمكانات. لكن لا يمكنها أن تخلق تمسرحاً حياً ولا أن تنتج تجربة إنسانية ولا أن تختصر الزمن الجمالي. سادساً ـ تفسير آخر ما يحدث ليس مؤامرة ولا مجرد تقصير، بل اختلال في الإيقاع بين الزمن السياسي والزمن الفني لأن الزمن السياسي سريع، براغماتي والزمن الفني بطيء، تراكمي. وعندما يُفرض الأول على الثاني يحدث الانفصال. سابعاً ـ ربط مباشر بنظرية مسرح التكامل إن الأزمة التي يعيشها المسرح المغربي اليوم لا يمكن اختزالها في القيود السياسية أو ضعف الإمكانات، بل تعود أساساً إلى خلل في شروط التكامل بين مكونات الفعل المسرحي. فبينما تسير البنيات والمؤسسات بوتيرة متسارعة، يظل التمسرح، بوصفه عملية عصبية ـ انفعالية ـ ثقافية، رهيناً بزمن مختلف، لا يقبل الاختزال أو القفز. وهكذا تتشكل مفارقة حادة: مكينة مسرحية تتطور شكلياً، في مقابل دورة تمسرحية لم تستكمل شروط نضجها، مما يؤدي إلى إنتاج عروض فاقدة للتكامل، مهما بلغت درجة تطورها التقني أو المؤسسي (نوستلجيا). ومن هنا نستخلص: نعم، هناك قفز. نعم، هناك اختلال. لكن الحل ليس في العودة إلى الماضي ولا في رفض التكنولوجيا. بل في إعادة وصل البنية بالممارسة، والتقنية بالإنسان، والمؤسسة بالتمسرح. السؤال الآن لم يعد: لماذا الأزمة؟ بل: كيف نستثمرها؟ ومن هنا يتضح أن الأزمة المطروحة ليست عائقاً فقط… بل هي الشرط الضروري لولادة شكل جديد. والمسرح الذكي يمكن أن يكون هذا الشكل إذا تم التفكير فيه كـ حل بنيوي لا كمشروع تقني. أولاً ـ تحويل زاوية النظر بدل أن ننظر إلى نقص الإمكانيات وهشاشة الوضع الاجتماعي وضعف التكوين. لماذا لا نعيد الصياغة كالتالي: نقص الإمكانيات يكون حافز للابتكار البسيط وهشاشة الوضع تكون دافع لإعادة تعريف دور المسرحي وضعف التكوين يكون حافز لفرصة بناء نموذج جديد للتكوين. ثانياً ـ الفكرة الأساس المسرح الذكي في المغرب لا يجب أن يُبنى من الأعلى (المؤسسات فقط)، بل من الأسفل (المدرسة، الورشات، التجريب). أي: لا ننتظر “مشروعاً وطنياً ضخماً” بل نبدأ بـ نواة صغيرة قابلة للنمو. ثالثاً ـ الاستراتيجية العملية 1 ـ من التكوين التقليدي إلى التكوين الهجين بدل تكوين ممثل فقط ومخرج فقط … ننتقل إلى منشط مسرحي يفهم الأداء، الصورة، الصوت والأدوات الرقمية البسيطة ـ وهنا أستحظر تجربة مسرح الهواة المغربي في سبعينات القرن الماضي ـ تنظيم ورشات تكوينية والتركيز على التجارب المدرسية ـ جمعية تنمية التعاون المدرسي ـ 2 ـ من العرض النهائي إلى المختبر المشكلة اليوم تتمثل في التركيز على “العرض” كمنتوج نهائي. ولكن المطلوب هو تحويل المسرح إلى مختبر تجريب: تجارب قصيرة ومشاهد ذكية بسيطة حيث يكون الفشل مسموح به لأن المسرح الذكي لا يولد كاملاً… بل يتشكل بالتجريب. 3 ـ من نقص الإمكانيات إلى اقتصاد ذكي بدل انتظار التجهيزات الضخمة والقاعات المتطورة. لماذا لا نشتغل بـ: الهاتف المحمول، التطبيقات المجانية والتركيز على الفضاءات المدرسية / الجامعية. لأن الذكاء يتمثل في الاستخدام، وليس في ثمن الأداة. 5ـ من العزلة إلى الشبكة أنا المسرحي المهووس اليوم بالمسرح الذكي أعمل بشكل معزول ـ أكتب على الفيسبوك، والتفاعل شبه منعدم ـ والمفروض أن تتعزز هذه الكتابات بشبكة بسيطة تضم أساتذة وطلبة ومهتمين بالتكنولوجيا… (مجموعات واتساب / فيسبوك) مشاركة تجارب وتوثيق للعروض… رابعاً ـ أين دور المؤسسات؟ لا مفر من دعم المؤسسات التي يمكن أن تلعب دوراً مهماً، لكن بشرط: أن تدعم ما ينشأ من القاعدة، لا أن تفرض نموذجاً جاهزاً. مثلاً: دعم الورشات، توفير فضاءات واحتضان التجارب الناشئة… إن الأزمة التي يعيشها المسرح المغربي اليوم ليست نهاية لمسار، بل بداية لتحول ممكن، شريطة إعادة بناء العلاقة بين مكونات الفعل المسرحي في أفق تكاملي. فالمسرح الذكي، بوصفه امتداداً عملياً لمسرح التكامل، لا يسعى إلى تعويض الإنسان بالتقنية، بل إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الجسد والآلة، بين الانفعال والمعالجة، داخل تجربة حية تنطلق من الواقع المحلي وتستثمر إمكاناته البسيطة. المغرب لا يحتاج أن يستنسخ المسرح الذكي كما في الدول المتقدمة، بل أن يخترع نسخته الخاصة. نسخة بسيطة، تربوية، قابلة للتطبيق ونابعة من المدرسة. ليست الأزمة في أن المسرح المغربي متأخر، بل في أن الحلول التي نقترحها ما زالت تنتمي إلى زمن قديم. أما المسرح الذكي، فليس حلاً جاهزاً، بل أفق يُبنى، يبدأ من أبسط تجربة، وينمو كلما التقت الفكرة بالجرأة.