المغرب يوسع القاعدة الجوية لبئر انزران: تعزيز السيادة المغربية وتوسيع الشراكة العسكرية مع دول الساحل والصحراء


تتزايد أهمية أشغال توسيع القاعدة الجوية التابعة للقوات المسلحة الملكية المغربية في بئر انزران، الواقعة في عمق الصحراء المغربية، باعتبارها أحد المشاريع العسكرية ذات الأبعاد الاستراتيجية المتنامية. فهذه المنشأة، التي كانت في السابق مجرد مرفق جوي محدود الوظيفة، أخذت تتحول تدريجيا إلى ركيزة أساسية ضمن رؤية المغرب الرامية إلى تعزيز حضوره الميداني وترسيخ سيادته الكاملة على أقاليمه الجنوبية. ووفق معطيات أوردها موقع Defensa.com، فإن القاعدة أضحت اليوم عنصرا محوريا في هذه المقاربة، خاصة في ظل سياق إقليمي ودولي يتسم بتغيرات متسارعة، وتزايد الاهتمام الدولي بالموقع، بما في ذلك تكهنات حول اهتمام أمريكي محتمل به. وبحسب مصدر مطلع، فإن القاعدة تقع عند المدخل الشمالي لمدينة الداخلة، وتمتد على طول يقارب خمسة كيلومترات. وقد كانت في الأصل عبارة عن مطار صغير مخصص لاستقبال المروحيات، قبل أن تعرف خلال السنوات الأخيرة، وبشكل ملحوظ عقب الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في العاشر من دجنبر 2020، سلسلة من عمليات التحديث والتوسعة. هذه التحولات مكنت القاعدة من استيعاب طيف واسع من الوسائط الجوية، من ضمنها الطائرات المقاتلة، والطائرات بدون طيار، إضافة إلى مروحيات حديثة مثل الأباتشي، ما يعكس نقلة نوعية في قدراتها العملياتية.
أما بخصوص الاهتمام الأمريكي، فيرتبط أساسا بالتحول الذي طرأ على موقف واشنطن من قضية الصحراء. فقبل هذا التحول، كان الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة محدودا، ويتمركز أساسا في قاعدة واد درعة قرب طانطان. غير أن المعطيات الجديدة أفسحت المجال أمام انفتاح أكبر، حيث أصبح بإمكان القوات الأمريكية التحرك نحو مدن الجنوب، مثل العيون والداخلة، دون إثارة الاعتراضات التي كانت تصدر سابقا عن أنصار الجزائر وجبهة البوليساريو داخل دوائر القرار في واشنطن. ويُفهم من ذلك أن البيئة السياسية أصبحت أكثر ملاءمة لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين في هذه المناطق. ومن اللافت أن فكرة احتضان المغرب لمقر القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) كانت مطروحة في بداية الألفية، حيث كان يُتوقع أن تستقر في مدينة طانطان، قبل أن يُحسم القرار في نهاية المطاف لصالح مدينة شتوتغارت الألمانية. ومع ذلك، فإن المستجدات الحالية تعيد طرح إمكانية اضطلاع المغرب بأدوار أكبر ضمن المنظومة الأمنية الإقليمية.
في هذا السياق، تبرز قاعدة بئر انزران كمرشح قوي للعب دور محوري في التعاون المغربي الأمريكي، خصوصا فيما يتعلق بجهود تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل. وتشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة، التي اضطرت سنة 2024 إلى إخلاء قاعدتها للطائرات بدون طيار في أغاديز بالنيجر بطلب من السلطات الجديدة هناك، قد تجد في القاعدة المغربية بديلا استراتيجيا يعوض هذا الفراغ العملياتي. ويعزز هذا التوجه توقيع الرباط وواشنطن، في 16 أبريل، خارطة طريق جديدة للتعاون الدفاعي تمتد لعشر سنوات، وتهدف إلى تعميق الشراكة العسكرية والاستراتيجية بين البلدين. ويبدو أن إدماج البعد الإفريقي في هذه الشراكة يمثل امتدادا طبيعيا للسياسة التي انتهجها المغرب خلال السنوات الأخيرة، والتي تقوم على توسيع نطاق تعاونه العسكري مع عدد من الدول الإفريقية، من بينها كينيا وإثيوبيا ودول الساحل، في إطار مقاربة شاملة لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين. كما تبرز إمكانية انخراط المغرب، انطلاقا من قاعدة بئر انزران، في جهود دعم الاستقرار في منطقة الساحل، كخيار استراتيجي مطروح بقوة، بل ومطلوب، بالنظر إلى ما يوفره من عمق استراتيجي يعزز أمنه القومي، ويمنحه في الآن ذاته موقعا متقدما ضمن الترتيبات الأمنية الإقليمية.
وعلى المستوى التقني، تكشف المعطيات المتوفرة أن القاعدة تتوفر على بنية تحتية متطورة، تشمل مدرجا يفوق طوله ثلاثة كيلومترات، ما يتيح استقبال مختلف أنواع الطائرات، بما في ذلك الطائرات الثقيلة التي تتطلب مسافات طويلة للإقلاع والهبوط. كما تضم المنشأة برج مراقبة حديثا، وحظيرتين لصيانة وإيواء الطائرات، إضافة إلى مرافق إدارية وسكنية مجهزة لاستيعاب العاملين لفترات طويلة. وتحتضن القاعدة أيضا ثلاثة مستودعات يُرجح تخصيصها لتخزين الذخيرة، فضلا عن منشآت للرادار تتيح مراقبة المجال الجوي بكفاءة عالية. وتتمثل الأهمية العسكرية المباشرة لهذه القاعدة في قدرتها على إعادة تشكيل معادلات المراقبة والتدخل في القطاع الجنوبي الشرقي من الصحراء. إذ يتيح نشر الطائرات بدون طيار بها ضمان مراقبة مستمرة للجدار الرملي شرقا وجنوبا، وصولا إلى الحدود مع موريتانيا، مع إمكانية تغطية مجال عملياتي واسع يصل نصف قطره إلى نحو 300 كيلومتر. وهو ما يعزز من قدرات الاستجابة السريعة، ويرفع من مستوى التحكم في المجال الترابي، بما يتماشى مع الأهداف الاستراتيجية للمغرب في المنطقة.
سعيد العفاسي: صحافي

