أحداث استثنائية تهز الحملة الانتخابية الجزائرية: فضائح، إقصاءات، مال فاسد وسجال مع الفيفا


عرفت الحملة الانتخابية الخاصة بانتخابات الثاني من يوليو القريب في الجزائر سلسلة من التطورات المفاجئة التي أربكت حسابات عدد من الأحزاب السياسية وأثارت جدلاً واسعاً في الساحة العامة. فبينما كانت التشكيلات الحزبية تسعى إلى كسب ثقة الناخبين عبر برامجها وخطاباتها الدعائية، طغت أحداث غير متوقعة على المشهد، بدءاً من قضايا قضائية طالت بعض المترشحين، مروراً بإقصاء قوائم انتخابية كاملة، وصولاً إلى سجال سياسي وإعلامي امتد إلى قضايا خارجية ذات صلة بكأس العالم لكرة القدم. وفي أبرز هذه التطورات، شهدت ولاية عنابة شرق البلاد قضية أثارت اهتمام الرأي العام بعد إيداع أحد المترشحين عن قائمة «جبهة التحرير الوطني» الحبس الاحتياطي، على خلفية اتهامات تتعلق بالاتجار بالمخدرات والمساس بالآداب العامة. وجاء ذلك في خضم الحملة الانتخابية، ما ألقى بظلاله على صورة الحزب وأثار تساؤلات بشأن آليات انتقاء المترشحين.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن القضية بدأت إثر عملية أمنية استهدفت قاعة شاي يملكها المترشح، حيث أوقفت الشرطة عدداً من الأشخاص وصادرت مواد مخدرة كانت مخبأة داخل المحل. وبعد إحالة الملف إلى الجهات القضائية المختصة، تقرر تأجيل المحاكمة إلى موعد لاحق مع إبقاء جميع المتهمين رهن الحبس الاحتياطي، في إطار تطبيق الإجراءات المنصوص عليها في قانون مكافحة المخدرات. كما كشفت التحقيقات أن المتهم الرئيسي ينحدر من عائلة لها حضور سياسي سابق، باعتباره نجل نائب برلماني سابق عن الحزب ذاته. وفي سياق موازٍ، برزت قضية إسقاط عدد من القوائم الانتخابية التابعة لأحزاب ومستقلين، بدعوى وجود صلات محتملة بما يُعرف بـ”المال الفاسد”، وقد شمل هذا الإجراء قائمة كاملة لحزب «حركة البناء الوطني» في العاصمة، رغم أن أعضاءها كانوا قد اجتازوا مراحل التدقيق الأولية التي سبقت انطلاق الحملة. وأثار هذا القرار استغراب الأوساط السياسية، خصوصاً أنه جاء بعد انتهاء الآجال القانونية الخاصة بتعويض المترشحين المستبعدين، الأمر الذي قد يحرم بعض الأحزاب من المنافسة في دوائر انتخابية ذات وزن سياسي وانتخابي مهم.
كما شهدت الحملة حدثاً آخر تمثل في تعرض رئيس حركة البناء الوطني، عبد القادر بن قرينة، لوعكة صحية مفاجئة استدعت نقله إلى المستشفى بالعاصمة، عقب ساعات من مشاركته في تجمع انتخابي بولاية بومرداس. غير أن الحزب أكد لاحقاً استقرار حالته الصحية وعودته سريعاً إلى نشاطه الانتخابي. ولم تقتصر المفاجآت على الشأن الداخلي، بل امتدت إلى المجال الرياضي والإعلامي، بعدما أثارت تصريحات رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، موجة واسعة من ردود الفعل في الجزائر. وكان إنفانتينو قد دعا السلطات الجزائرية إلى الإفراج عن الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، الموقوف في قضايا مرتبطة بالإرهاب، حتى يتمكن من تغطية فعاليات كأس العالم.
وقد تحولت هذه التصريحات إلى مادة رئيسية في الخطاب الانتخابي لبعض الأحزاب، حيث اعتبر عدد من قادتها أن تدخل رئيس «الفيفا» يمثل تجاوزاً لحدود اختصاص مؤسسة رياضية دولية وتدخلاً في الشؤون السيادية والقضائية للجزائر. كما رأى بعض المسؤولين الحزبيين أن هذه التصريحات جاءت في توقيت يهدف إلى صرف الأنظار عن الإشكالات التنظيمية والسياسية التي ترافق تنظيم البطولة العالمية. وسايرت وسائل إعلام جزائرية هذا الموقف، معتبرة أن تصريحات إنفانتينو تجاوزت الإطار الرياضي إلى ممارسة نوع من الضغط السياسي والإعلامي على السلطات الجزائرية. وذهبت بعض التحليلات إلى أن استخدام منصة عالمية بحجم كأس العالم لإثارة ملف قضائي داخلي يطرح أسئلة حول حدود دور المؤسسات الرياضية الدولية ومدى احترامها لمبدأ سيادة الدول واستقلال أجهزتها القضائية.
لقد بدت الحملة الانتخابية الجزائرية، منذ أيامها الأولى، محاطة بجملة من الأحداث الاستثنائية التي تجاوزت النقاشات التقليدية حول البرامج والوعود الانتخابية، لتتحول إلى ساحة تتقاطع فيها القضايا القضائية والسياسية والإعلامية، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة وحساسية الرهانات المطروحة قبل موعد الاقتراع.

