يومُ انبلاجِ المعرفة: تدشينُ مكتبة “أبوابِ المعرفة” بثانوية الإمام الشطيبيّ بغفساي

انبلج فجرُ معلمٍ ثقافيٍّ بهيٍّ، واتّقد سراجُ صرحٍ معرفيٍّ وُسِم باسم “مكتبة أبواب المعرفة”، في يومٍ أغرّ من أيام الربيع، الموافقٍ للثلاثين من شهر أبريل/نيسان من سنة ستٍّ وعشرين وألفين، وذلك في رحاب ثانوية الإمام الشطيبي بمدينة غفساي، تلك الحاضرة الوديعة التي طالما اختزنت في جنباتها بذور الفكر وأرومة العلم. فجاء هذا التدشين كأنّه إحياءٌ لوشيجةٍ قديمةٍ بين المكان والمعرفة، واسترجاعٌ لألقٍ ظلّ كامنًا في صدور أبنائها، ينتظر من يوقظه ويُبديه. وقد حفّ بهذا الحفل لفيفٌ من الوجوه الثقافية والإعلامية والأكاديمية، شدّوا الرحال من داخل البلدة ومن آفاقها البعيدة، فكان المشهد كأنّه ملتقى نخبٍ تتلاقح فيها الأفكار، وتتجاذبها الأشواق إلى العلم وأهله. غير أنّ ما أضفى على المناسبة طابعًا أبهى وأجزل، ذلك الشعور العميق بالوفاء الذي لا يزال يسكن قلوب أبناء هذه الربوع، تجاه مؤسستهم العريقة التي نهلوا من معينها، وتفيّؤوا ظلالها، ثم مضوا في دروب الحياة دعاةَ فكرٍ، وأربابَ قلم، وسدنةَ معرفة. وقد تجلّى هذا الوفاء في حضور الأستاذ الجامعي محمد الشيخي، الذي كان يومًا تلميذًا بين جدران هذه الثانوية، ثم ترقّى في مدارج العلم حتى غدا أستاذًا بجامعة جامعة محمد الأول. فكان حضوره بمثابة شهادة حيّة على ما تزرعه هذه المؤسسة من بذورٍ لا تلبث أن تؤتي أكلها ولو بعد حين، وتغدو أشجارًا وارفة في بساتين الفكر والمعرفة.

استُهلّ الحفل بتقديمٍ أدبيٍّ رصين، نسجت خيوطه التلميذة فاطمة الزهراء الراشدي، التي أبدعت في سبك عباراتها، وأحسنت في إيرادها، فكانت كأنّها لسانُ المناسبة، يُفصح عن مكنونها، ويُجسّد روحها في بيانٍ متينٍ ولفظٍ رشيق. ثمّ نهض إلى الكلام مديرُ المؤسسة، الأستاذ شفيق العبودي، فاستهلّ خطابه بحمد الجهود، والثناء على السواعد التي لم تألُ جهدًا في إنجاح هذه التظاهرة، من تلاميذ وتلميذات، وأطرٍ تربويةٍ وإدارية، اجتمعوا على قلب رجلٍ واحد، حتى غدا هذا اليوم يومًا مشهودًا، يُشار إليه بالبنان، وتُستعاد ذكراه في قادم الأعوام. ولم يفته أن يُنوّه بالفريق الإعلامي التلاميذي الذي يتولّى إصدار مجلةٍ ورقية، حازت مكانةً مرموقةً في الإقليم، حتى صارت منارًا يُهتدى به في العمل الإعلامي المدرسي. كما أفاض في الإشادة بالدور المحوري الذي اضطلعت به الأستاذة لبنى عبد اللوي، التي لم تدّخر وسعًا في إرساء دعائم هذه المكتبة، بمعيّة الأستاذ محمد هلال، الذي وإن لم يكن منتمياً إلى المؤسسة، فقد آزرها بجهده، وشدّ أزر زميلته، فشكّلا ثنائيًا متآزرًا، سهر على تأثيث المكتبة وتنظيمها، وإكسابها حُلّةً فنية وتقنية وتكنولوجية تليق بمقامها.

ومن لطائف ما يُذكر في هذا المقام، أنّ تجهيزات المكتبة، من رفوفٍ وطاولات أُنشئت من متلاشياتٍ كانت تُعدّ في حكم المهملات، من سبّوراتٍ ونوافذ ورفوفٍ قديمة، فأُعيد تدويرها وصياغتها في قالبٍ بديع، حتى غدت قطعًا فنيةً تنبض بالحياة. فكان في ذلك شاهدٌ على أنّ الإبداع لا يعرف حدودًا، وأنّ النفوس إذا صدقت العزيمة، أحالت العدم وجودًا، والمهمل نفيسًا. كما خصّ المديرُ بالتنويه التلميذة مروة غزواني، التي أحرزت المرتبة الأولى إقليميًا في مسابقة تحدي القراءة العربي، فكانت مثالًا للتلميذ المجدّ، الذي يُشمّر عن ساعد الجدّ، ويغترف من معين القراءة حتى يرتوي. وقد ألقت كلمةً بليغة، اتّسمت بسلامة اللغة، وتخلّلتها أبياتٌ شعريةٌ موحية، فلامست القلوب، وأثارت في النفوس شجونًا عذبة. وكانت اللحظة الأشدّ وقعًا حين أبدت هذه التلميذة وفاءها لأستاذتها لبنى، فخصّتها بكلماتٍ مشبعةٍ بالعاطفة، صدرت عن قلبٍ صادق، فما كان من الأستاذة إلا أن اغرورقت عيناها، وهرعت إلى معانقة تلميذتها، في مشهدٍ إنسانيٍّ آسر، دوّى له تصفيق الحضور، واهتزّت له المشاعر.

ثمّ أُفسح المجال للكاتب الصحفي ورئيس جميعة رؤية للتنمية الثقافية والحضارية عبد النبي الشراط، الذي استهلّ كلمته بالشكر والامتنان للمنظمين على حسن الدعوة وكرم الاستقبال، قبل أن يُعرّج على منزلة القراءة في حياة الإنسان، مؤكدًا أنّها زاد العقول، ومفتاح الرقيّ، وأنّ الأمم لا تُبنى إلا بسواعد قارئة، وعقولٍ واعية وأعلن أن الجمعية سبق لها أن تبرّعت بجملةٍ من الكتب لفائدة المكتبة، لن تدّخر جهدًا في رفدها بالمزيد من النفائس، دعمًا لمسيرتها، وإسهامًا في نشر الثقافة وترسيخ قيم المعرفة. كما كان لرئيس جمعية آباء وأولياء وأمهات التلاميذ حضورٌ وكلمة، عبّر فيها عن اعتزازه بهذه المبادرة، مؤكدًا أنّ انخراط الأسر في دعم مثل هذه المشاريع، كفيلٌ بترسيخ ثقافة القراءة في نفوس الناشئة.ولم يغفل المنظمون جانب الإمتاع، فاستقدموا فرقةً موسيقيةً أبدعت في أداء مقطوعاتٍ وأناشيد متنوعة، أطربت الأسماع، وأضفت على الحفل مسحةً جمالية، جعلته يجمع بين الجدّ والطرب، وبين الفكر والفن. وعقب ذلك، انتقل الجمع إلى لحظة التدشين الرسمي، حيث أُوكلت مهمّة قصّ الشريط إلى كلٍّ من الكاتب عبد النبي الشراط، ومدير المؤسسة الأستاذ شفيق العبودي، فكان ذلك إيذانًا بفتح أبواب هذا الصرح أمام روّاده، ليكون ملاذًا للعقول التوّاقة، ومنهلًا للباحثين عن المعرفة.

وفي داخل المكتبة، تولّت الأستاذة لبنى عبد اللوي تقديم شروحٍ وافية حول هندستها وتنظيمها، مبيّنةً الأسس التي قامت عليها، فيما أضاف الأستاذ محمد هلال إضاءاتٍ تقنية حول الأعمال التي أُنجزت، حتى بلغت المكتبة هذه الهيئة الأنيقة، التي تجمع بين البساطة والابتكار. لقد كان يومًا ثقافيًا مشهودًا، تآلفت فيه الجهود، وتعانقت فيه القلوب، وتجلّت فيه معاني الوفاء والانتماء. ويحقّ للمرء أن يصفه بأنّه يومٌ تاريخيٌّ بامتياز، إذ شهد ميلاد منارةٍ جديدةٍ، يُرتجى لها أن تُنير الدروب، وتفتح للأجيال أبواب المعرفة على مصاريعها، فتغدو بحقٍّ اسمًا على مسمّى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى