المقامةُ الحِطّينية: خرائبُ حِطّين وبكاءُ الإنسان، أنينُ الحجارةِ وحنينُ الأوطان

يا سادةَ البيان، ومُحبّي فصيح اللسان، هذه مقامةٌ تُروى بعد زيارة، وحكايةٌ تُستعاد بعد مغامرة، من أطلالٍ بكتها الحجارة، وناحت لها الذكريات، في جزالة اللفظ، ورشاقة السبك، وتدبيج السجع، فاسمعوا وعوا: حدّثنا راوٍ من أهل الوجد واللوعة، قال: خرجتُ أذرع الفيافي، وأقفو آثار السالفين، أستجلي رسوم الديار بعد اندثارها، وأستنطق الصخر بعد انكسارها، حتى انتهى بي المطاف إلى بقعةٍ كأنها طللٌ نُسج من حزن، ومشهدٌ صيغ من شجن. فقلت: ما لهذه الأرض قد تجرّدت من حللها، وتنكّرت لمعالمها، وغدت كالعروس التي سُلبت حُليّها، أو كالشيخ الذي أضناه الزمان فغاب شبابه وبقيت آثاره، فدنوتُ منها دنوَّ المُعتبِر، وأصغيتُ إليها إصغاء المُستخبِر، فإذا بالحجارة تهمس همس الكسير، وتبث شكواها بثّ الأسير، كأنها تقول: يا هذا، كنّا دار عزٍّ ومقام أنس، ومهبط فرحٍ ومجمع نفس، فصرنا بعد عامرٍ خرابًا، وبعد اجتماعٍ ذهابًا. فقلت: وا حرّ قلباه! أيكفي الدمع إن سال؟ أم هو ديدنُ المهزوم إذا مال؟ أتبكي العيون فتطهّر ما دنّسه الخذلان؟ أم أن الدمع لا يعدو أن يكون ستارًا يُخفي عجز الإنسان؟.

ثم سرتُ وأنا أجرّ أذيال الأسى، وأقود خطاي بقيود الجوى، حتى بلغتُ مسجدًا لم يبقَ منه إلا رسمٌ، ولا يُرى فيه إلا جسمٌ بلا روح، ولا نفسٌ فيه تنوح. فدخلته دخول المكلوم، وجلستُ فيه جلوس المغبون، فإذا هو عارٍ من الصلاة، خالٍ من الحياة، كأنما هُجرت فيه السجدات، واعتزلته الركعات. غير أنّ الحجارة فيه كانت أبلغ من الخطباء، وأفصح من البلغاء، تحدّثني عن تآلفها حين كانت جدرانًا، وتُطلعني على جراحها إذ غدت أشجانًا. أما المئذنة، فبقيت شامخةً كأنها رمحٌ في خاصرة الزمان، أو نخلةٌ في صحراء النسيان، غير أنّ الأذان قد انقطع عن أفنانها، فلا مؤذّن يرقى، ولا صوت يُتلى. وكان دليلي في تلك الرحلة زوجتي، وهي من أهل الفن والوجدان، رانية عقل، التي سكنت الأرض قلبًا، ولم تسكنها جسدًا، وتنفّست هواءها عشقًا، ولم تملك منها شبرًا. كانت إذا مشت في تلك الربوع، خُيّل إليّ أنّها تُحادث التراب، وتُلاطف الغياب، وتستخرج من السكون أنينًا، ومن الصمت حنينًا. فقالت: هنا شربت خيل صلاح الدين الأيوبي، وهنا اغترف الجند من ماء العزم، وهنا دارت رحى النصر، فارتفعت رايات الفخر، وانكسرت سيوف القهر. هنا كانت الأرض موعدًا مع المجد، ومسرحًا للخلود، حيث انجلت غُمّة، وانقشعت ظلمة.

هكذا دخلتُ مسجدَ حِطّين دخولَ المُتوجِّس المتبيّن، لا دخولَ الغافل المُطمئن، ودليلي زوجتي الفنانة رانية عقل، وهي—والحقُّ يُقال—مِمّن استوطنتْها الأرضُ هوىً، ولم تستوطنْها دارًا، وتملّكتْها التربةُ عشقًا، ولم تملكْ منها قِطاعًا. كانت تتنسّم الهواء كأنّه طِيبٌ مُدّخر، وتُصغي إلى حفيف الورق كأنّه لحنٌ مُعتصر، وتأنسُ لخرير مياه عين حِطّين أنسَ المُشتاق إلى وترٍ مكسور. فقالت—وقد أشارت بيدها إلى موردٍ غابر—: من ههنا شربت خيلُ صلاح الدين الأيوبي، ومن ههنا اغترف الجندُ الأشاوس، ومن ههنا دارت رحى النصر، وارتفعت راية العزّ، وكان التاريخ على موعدٍ مع الفتح الأكبر لبيت المقدس. فاستعدتُ السمع، واستحضرتُ الجمع، كأنّي أرى الخيل صاهلة، والسيوف صائلة، والرايات مائلةً نحو الظفر. غير أنّي لمّا أمعنتُ النظر، وأطلتُ الفكر، لم أرَ إلا خلاءً مُقفِرًا، ولا حياةً تُذكر، كأنّ القرية لم تكن، وكأنّ الناس لم يَسكنوا ولم يَبنوا ولم يَفتنوا. وما أعاد إليّ صورتها إلا خيالٌ مُجنّح، وتاريخٌ مُرجَّح، يبعثان من الرماد شرارة، ومن الجراح حرارة.

وحِطّين—يا صاح—قريةٌ فلسطينيةٌ مدمّرة، تبعد نحو 9 كلم عن طبرية من جهة الغرب، وتقع على طرفي وادٍ صغير عند السفح الشمالي لجبل حِطّين، وتشرف على سهلها، فحازت بذلك منزلةً استراتيجية، ومكانةً تجارية. وعند سهلها وقعت معركة حطين عام 1187 للميلاد، حيث هزم جيش المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي جيوش الصليبيين، واجتاز الجليل، وحرّر سائر فلسطين. ويُحتمل أنّها بُنيت على قريةٍ كنعانية تُدعى أصِدّيم، عُرفت في القرن الثالث قبل الميلاد باسم كفار حِطّين، أي كفر الحنطة، ثم عُرفت في العهد الروماني بكفار حتايا. وفي عام 1596 كانت من ناحية طبرية، وسكّانها 605 أنفس، يقتاتون من زرعٍ وضرع، من قمحٍ وشعيرٍ وزيتون، وماعزٍ وضأن. وفي أواخر القرن التاسع عشر غدت قريةً صغيرةً بيوتُها من حجارة، تُحيط بها أشجار الزيتون والثمار، وسكّانها 400 نفس. ثم صارت في عهدها الحديث على هيئة مثلّث، شوارعها مستوية، وأزقّتها مستقيمة، وفي مركزها سوقٌ صغيرة، ومدرسة ابتدائية أُنشئت نحو عام 1897 في العهد العثماني، وبها مسجدٌ كان عامرًا بالركع السجود.

ومن معالمها مقام النبي شعيب، يحجّ إليه الدروز في كل شهر أبريل/ نيسان من كل عام. وكانت أرضها خصبة التربة، غزيرة المطر، وافرة المياه الجوفية، فازدهر اقتصادها الزراعي، وعمل معظم أهلها في الزراعة. وفي عام 1944 زُرع أكثر من 10 آلاف دونم حبوبًا، وأكثر من ألفي دونم بساتين مروية. وتشير إحصاءات 1944\1945 إلى أنّ سكانها بلغوا 1190 نسمة في 190 بيتًا، يملكون أكثر من 22 ألف دونم. ثم دارت عليها دائرة النكبة، فعند سقوط الناصرة في 16 يوليو/ تموز، نزح أهلها خوفًا، وتفرّقوا شهرًا يرجون العودة. لكنّ حِطّين احتُلّت في 17 يوليو/ تموز، ومُنع أهلها من الرجوع، فهام أكثرهم إلى لبنان، وبقي قليلٌ في قرى الجليل كعرّابة وعيلبون وكفر كنا وشفاعمرو. ثم أُقيمت على أراضيها مستعمرة أربيل عام 1949، ثم كفار زيتيم بعدها بعام. وأمّا الواقعة الفاصلة، أعني معركة حطين، فقد جرت يوم السبت 25 ربيع الثاني 583 هـ الموافق 4 يوليو/تموز من عام 1187 م، بين الناصرة وطبرية، حيث أحاطت جيوش صلاح الدين الأيوبي بالصليبيين، وأوقعتهم في ضيقٍ استراتيجي. فأحرق الأعشاب، واستولى على عيون الماء، ليُظمئ الخصم ويُضنيه، حتى اضطرّ إلى النزول للقتال. فلمّا بلغوا السهل بين لوبيا وحِطّين، شنّ الهجوم، ففرّوا إلى التلال، فحاصرهم، وأقبل الليل.

وفي اليوم التالي، 4 يوليو/تموز من عام 1187، وفي قيظٍ شديد، التحم الجيشان، وتضعضعت صفوف الصليبيين، وأهلكتهم السهام، ثم أُعمل فيهم السيف والرمح، فقتل وأُسر جمعٌ غفير. ودام القتال نحو 7 ساعات، وسقط الآلاف، وأُسر الملك غي دي لوزينيان، ولم ينجُ إلا قليلٌ فرّ إلى صور. فهكذا غدت حِطّين اليوم بقايا ذاكرةٍ مهملة، وزوايا نسيانٍ مُقفلة، حجارةً شامخةً ترقب الخذلان، وتنتظر نفض الهوان. فهي صومعةٌ قلقة، تُؤذّن ولا سامع، وتنوح ولا تابع، لا تكلّ من نبش الذاكرة، ولا تملّ من استدعاء الماضِي، كأنّها ترجُو من يبعث فيها جذوة النصر، لتنهض من رمادها، نهوضَ العنقاء من رُفاتها.

فنظرتُ فلم أرَ إلا فراغًا، ولا لمحتُ إلا انمحاءً، كأن الزمان قد محا الأثر، وأبقى الخبر، أو كأن الأرض قد ابتلعت أبناءها، واحتفظت بأصدائها. فلا بيتٌ قائم، ولا سوقٌ دائم، ولا طفلٌ يمرح، ولا شيخٌ يشرح. غير أنّ الخيال كان يعيد بناء ما تهدّم، ويستحضر ما تقدّم، فأبصرتُ قريةً عامرة، وبيوتًا متجاورة، وأسواقًا زاخرة، ومدرسةً تُنير، ومسجدًا يُذكّر. ورأيتُ الناس يزرعون ويحصدون، ويأكلون ويحمدون، كأنما الحياة كانت هنا نهرًا جارياً، لا ينضب ولا يوارى. وقالت لي بلهفة المفتون: هذه هي حطّين، قريةٌ كانت على مرّ الدهور ذات شأن، ومقامٍ بين البلدان، تقوم على أطراف وادٍ صغير، وتشرف على سهلٍ كبير، فكانت ذات منزلةٍ استراتيجية، ومكانةٍ تجارية. وهنا وقعت معركة حطين، التي بها دانت الرقاب، وانحنت الهامات، وسقطت ممالك، وقامت أمجاد. وكانت القرية في سالف عهدها مأهولةً بالكرام، عامرةً بالأنعام، تُنبت القمح والشعير، وتُثمر الزيتون والتين، وتحتضن الماعز والضأن، في رخاءٍ واطمئنان. ثم تعاقبت عليها الأزمنة، فكانت تارةً عامرة، وتارةً غامرة، حتى بلغت في بعض أحوالها مئات النفوس، وآلاف الدونمات من الغروس.

لكن دارت عليها دوائر الدهر، فأصابها ما أصاب غيرها من القرى، فهُجّر أهلها، وتفرّق شملها، وتبدّد جمعها، حتى غدت ذكرى تُروى، وأثرًا يُبكى. أما يوم الواقعة الكبرى، فقد التقى الجمعان، واحتدم الميدان، واصطكت السيوف، وتكسّرت الصفوف. وكان من تدبير القائد أن أحرق العشب، وأمسك الماء، حتى أظمأ العدو، وأضناه العناء، ثم أحاط بهم إحاطة السوار بالمعصم، وأعمل فيهم حدّ السيف والقلم، فانهزموا شرّ هزيمة، وذاقوا مرّ الهزيمة، وأُسر ملوكهم، وقُتل صناديدهم، وارتفع لواء الظفر عاليًا. وهكذا تبدّلت الحال، من عزٍّ إلى زوال، ومن عمرانٍ إلى أطلال، ومن حياةٍ إلى خيال.

فقلتُ—وقد التفتُّ إلى قرينتي، وجعلتُ الخطابَ للأرضِ وما حوت—: يا حِطّين، يا صومعةَ الأحزان، ويا منارةَ الأشجان، ما لكِ تُرسِلين النداءَ فلا مُجيب، وتُشيعين الأذانَ فلا مُرتاب ولا مُنيب؟، أتبثّين شجوكِ في الفضاء، أم تُودعين سرّكِ في جوفِ الهواء؟، وأين أهلُكِ الذين عمّروكِ، وأين قاصدوكِ إذ زاروُكِ، وأين السُّجودُ إذ خُطَّت آثاره، وأين الركوعُ إذ بقيت أخباره؟، فلم تُجبني بلسانٍ ناطق، ولا ببيانٍ فائق، ولكن نطقت بلسان الحال، وأفصحت بعبارة المقال، كأنّ الحجارة قد استحالت حروفًا، وكأنّ الأطلال قد غدت صفوفًا، فقالت: أنا ذاكرةٌ عُطّلت مفاتيحها، وأُغلقت مصابيحها، أنا حكايةٌ طواها النسيان، وواراها طيُّ الزمان، أنا أحجارٌ صُمٌّ في ظاهرها، ناطقةٌ في بواطنها، تنتظر من يقرؤها بعين البصيرة، لا بحدقة البصر القصيرة، ويستخرج من صمتها حضورًا، ومن سكونها عبورًا. ثم خفتَ الصوتُ وخبا، وسكن الهمسُ واحتجب، وسكتت كما يسكتُ الموجُ بعد اضطراب، أو يهدأُ الريحُ بعد عباب، فسكتُّ سكوتَ من غلبه العناء، وألجمه الحياء، وبقي الصدى يتردّد في الأرجاء، تردّد الحزين في الفضاء، كأنّه نشيجُ زمانٍ قد تولّى، أو رجعُ حلمٍ قد تقضّى، أو أنينُ ذكرى تلوذُ بالخفاء، وتستجيرُ من طغيان الجفاء. فيا عجبًا لدارٍ تنطقُ بالصمت، وتفصحُ بالكتم، وتبثُّ من أطلالها سرًّا لو وُعِيَ لاهتُدي، ولو استُبصر به لارتُقي!

فقمتُ عنها قيام المفارق، لا قيام المفارق، وقلت: لعلّ في الرماد جذوة، ولعلّ في الخمود قوة، فلعلّها تنهض يومًا كما نهضت، وتعود كما كانت، إذا وجد من ينفخ في رمادها، ويوقظ من سباتها. فهذه مقامةٌ تُساقُ لمن اعتبر، وتُهدى إلى من ادّكر وازدجر، يُستضاءُ بنورها إذا ادلهمّ الدجى، ويُستروحُ بعبيرها إذا ادّهمّ العنا، والسلامُ على من وعى الخبر، وفطن للعِبَر، واستبان موضع الأثر بعد اندثار الأثر. ألا فاسمعوا—يا أولي الألباب—حديثَ مُتغرّبٍ عن مألفه، مُتقلّبٍ في مدارج الحنين، قد أناخ برحله عند أطلالٍ تُناجي الصمت، وتستفهمُ الريح، وتستبكي الحجرَ قبل البشر. فوقف بها وقفةَ المتأمّل المُستبصر، لا وقفةَ العابر المُستعجل، يُجيل الطرف في رُسومٍ دارسة، وآثارٍ دارية، كأنها رقوقٌ خُطّت عليها حكاياتُ الزمان، ثم عفتها يدُ الحدثان.

فقال—وقد غلبه الوجد، واستبدّ به الفقد—: يا حطّين، يا بنتَ المجد الدفين، ويا ربيبةَ التاريخ المبين، أهذا مقامُك بعد احتفال، ومنزلُك بعد إقبال؟ أين الضجيجُ إذا احتشد، وأين الأذانُ إذا صعد، وأين الساجدون إذا سجدوا، والذاكرون إذا وجدوا؟ أم هل غيّبتهم غوائلُ الدهر، وذرّتهم عواصفُ القهر؟، ثم أطرق إطراقَ المفكّر الحزين، وقال: لعلّ في الرماد جَذوة، ولعلّ في الصمت نجوة، ولعلّ الأيام—وإن جارت—تعود فتُحيي ما أماتت، وتُقيم ما أقعدت، وتردّ للمكان لسانه، وللزمان أمانه. وهذا سعيد العفاسي يُقرئكم السلام من حطّين بعد الأثر، ويُهدي إليكم من وجده ما استتر، ويقول: إنّ الديار—وإن خربت—ففيها سرٌّ لا يبور، وإنّ الذكرى—وإن غابت—فهي في الصدور لا تدور. فاعتبروا يا أولي الأبصار، قبل أن تصيروا إلى ما صارت إليه الديار.

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى