رحيل نبيل لحلو: أحد رواد المسرح والسينما التجريبية في المغرب

رحل صباح اليوم الخميس عن عالمنا الفنان المسرحي والسينمائي المغربي نبيل لحلو (الاسم الحقيقي: عبد النبي لحلو)، المزداد سنة 1945 بمدينة فاس، تاركًا وراءه إرثًا فنّيًا غنيًا ومتفرّدًا، رسّخ مكانته كأحد أبرز روّاد المسرح المغربي المعاصر، وخصوصًا خلال فترة الثمانينيات التي شهدت فيها تجربته الإبداعية أوج نضجها وانتشارها. تلقى نبيل لحلو تكوينه الفني في مدرسة “شارل دولان” بفرنسا، كما تابع دراسته في “جامعة مسرح الشعوب”، حيث تشكّلت لديه رؤية مسرحية مغايرة تقوم على التجريب وكسر القوالب الجاهزة، وعلى البحث الدائم عن لغة مسرحية جديدة تتجاوز التقليد إلى الابتكار. هذا التكوين الأوروبي المبكر أتاح له الاطلاع على مدارس مسرحية متعددة، ما انعكس لاحقًا على أسلوبه الخاص الذي جمع بين الحس الفلسفي والجرأة الجمالية.

في مطلع السبعينيات، انتقل لحلو إلى الجزائر حيث اشتغل في المجال الأكاديمي، فقام بتدريس مادة المسرح لطلبته، مسهمًا في تكوين جيل جديد من المهتمين بالفن الدرامي. كما تعاون في تلك الفترة مع المسرح الوطني الجزائري، في تجربة عززت حضوره المغاربي وعمّقت ارتباطه بقضايا المسرح العربي والتجريب المسرحي المشترك بين ضفتي المغرب العربي. بعد عودته إلى المغرب، انفتح مساره الإبداعي أكثر على الإنتاج المسرحي والسينمائي، فواصل كتابة وإخراج أعماله المسرحية باللغتين العربية والفرنسية، وهو ما يعكس ازدواجية ثقافية ميزت مشروعه الفني، وسمحت له بالاشتغال على تداخل الهويات اللغوية والجمالية في المسرح المغربي.

لم يقتصر عطاؤه على المسرح فقط، بل اتجه أيضًا إلى السينما، حيث قدّم تجربة خاصة ومتفردة، اتسمت بطابع “سينما المؤلف” بالمعنى الدقيق للكلمة. فقد اعتمد نبيل لحلو في معظم أعماله السينمائية على إمكانياته الذاتية، سواء في الكتابة أو الإخراج أو حتى التمثيل، إذ كان غالبًا ما يؤدي الأدوار الرئيسية في أفلامه، ما منح تجربته طابعًا شخصيًا شديد الخصوصية، قائمًا على الرؤية الفردية والاشتغال الفني الحر. وخلال مسيرته السينمائية، أنجز سبعة أفلام شكلت علامات في تجربته، انطلقت بفيلم “القنفوذي” سنة 1978، ثم توالت أعماله في الثمانينيات، حيث أخرج “الحاكم العام” سنة 1980، و“إبراهيم ياش” سنة 1984، و“نهيق الروح” في السنة نفسها، ثم “كوماني” سنة 1989. أما في التسعينيات، فقد قدّم فيلم “ليلة القتل” سنة 1992، قبل أن يختتم هذه المرحلة من مساره بفيلم “سنوات المنفى” سنة 2002.

تميزت أعماله السينمائية بجرأة موضوعاتها، وبحثها في أسئلة السلطة والحرية والهوية، إضافة إلى نزعة فلسفية وتأملية عميقة، جعلت من تجربته واحدة من أكثر التجارب فرادة في السينما المغربية المستقلة. كما ظل وفياً لفكرة الفن بوصفه موقفًا وجوديًا قبل أن يكون مجرد صناعة، وهو ما أكسبه احترام النقاد والمهتمين، رغم محدودية انتشار أعماله تجاريًا.

برحيل نبيل لحلو، يفقد المسرح والسينما المغربية أحد أبرز وجوهها التجريبية، وفنانًا ظل حتى آخر مسيرته وفيًا لرهان الإبداع الحر، خارج الحسابات الجاهزة والأنماط السائدة، تاركًا أثرًا سيظل حاضرًا في الذاكرة الثقافية المغربية والعربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى