قراءة في مسيرة الفنان التشكيلي المصطفى العطار: تشكّلات الحسّ والجمال بين التكوين والتجريد المعاصر

يمثل الفنان التشكيلي المصطفى العطار نموذجًا لمسار فني تشكّل عبر تداخل التجربة الحياتية بالتحصيل الأكاديمي والانفتاح على عوالم متعددة من المعرفة والجمال، فقد وُلد في 6 فبراير /شباط من عام 1968 بمدينة تاونات، في كنف أسرة بسيطة تتكون من الأب علي والأم لطيفة، وكان لميلاده في فصل الشتاء دلالة رمزية في ذاكرته، حيث ارتبطت البدايات الأولى بحساسية مبكرة تجاه الطبيعة وتغيراتها، وهو ما سيظهر لاحقًا في تجربته التشكيلية.منذ سنواته الأولى، بدأت ملامح التكوين المعرفي والروحي تتشكل داخل فضاءات التعليم التقليدي. ففي عام 1972، التحق بالمدرسة القرآنية، حيث تعلم حفظ القرآن الكريم، كما اكتسب مهارات القراءة والكتابة على اللوح التقليدي باستخدام وسائل بسيطة مثل الصمغ والقصبة، كانت هذه المرحلة التأسيسية ذات أثر عميق في بناء حسه الجمالي، إذ رسخت لديه قيم الانضباط والدقة والتأمل، وهي عناصر ستنعكس لاحقًا في ممارسته الفنية.ومع انتقاله إلى المدرسة الابتدائية (الشريف الإدريسي بتاونات) عام 1975، انفتح أمامه عالم الصور والقصص، فبدأ يكتشف من خلال الكتب المدرسية عوالم بصرية جديدة، في هذه المرحلة، شرع في محاكاة الرسومات عبر الخربشة والتلوين، في محاولة بدائية لكنها صادقة لتجسيد ما يراه ويشعر به. وكانت أولى تجاربه مع الرسم في حصة اللغة العربية، حين كُلّف برسم طاولة تحت إشراف الأستاذ السي الناجي. شكل هذا الحدث لحظة فارقة، إذ شعر بفرح كبير بعد إنجاز العمل بنجاح، واختبر لأول مرة الإحساس بالإنجاز الفني والتقدير، مما عزز لديه القناعة بأن الرسم وسيلة للتعبير الحر وانفتاح على أفق غزير المعنى كثيف الدلالة. في تلك الفترة، وجد المصطفى في الرسم مساحة رحبة للتعبير عن الذات، فصار ينقل من خلاله مشاهد الطبيعة والحيوانات والأشخاص، وحتى الآيات القرآنية التي كان يحفظها. لقد تحول الرسم لديه إلى لغة بديلة، يترجم بها ما يعجز عن التعبير عنه بالكلمات، ويمنح من خلالها خياله حرية التحليق خارج القيود المدرسية والاجتماعية.

ومع انتقاله إلى مرحلة الإعدادي، تعمق هذا التوجه، حيث بدأ في ترجمة المشاهد والمشاعر المستوحاة من القصص إلى رسومات توضيحية تجمع بين واقعية التشخيص وحرية الخيال. في هذه المرحلة، أصبح الرسم لديه ممارسة تلقائية وفعلا واعيًا يقوم على الملاحظة والتحليل وإعادة البناء البصري. وقد كان يتلقى في المقابل مزيجًا من التشجيع والتقدير من الأساتذة، إلى جانب بعض العقوبات التي كانت تُفرض أحيانًا، مما ساهم في صقل شخصيته الفنية وتعزيز انضباطه.في عام 1985، انتقل إلى مدينةفاسلمتابعة دراسته في شعبة الفنون التشكيلية بالثانوية التقنية ابن الهيثم. شكلت هذه المرحلة نقلة نوعية في مسيرته، حيث انفتح على دراسة تاريخ الفن، وتقنيات الطباعة، ورسم الملاحظة، إضافة إلى دراسة المنظور والتعبير التشكيلي. وقد استفاد من تكوينه على يد نخبة من الأساتذة الذين تركوا أثرًا واضحًا في توجهه الفني، مثل لكريد وكريش واكبصي، الذين ساهموا في توجيهه نحو مقاربات أكثر احترافية في التعامل مع الشكل واللون والفضاء.بعد حصوله على شهادة البكالوريا عام 1988، التحق بالمركز التربوي الجهوي بالرباط، حيث تابع تكوينًا متخصصًا في مهنة التربية والتكوين. هناك، درس علوم البيداغوجيا والسوسيولوجيا وفلسفة الفن، مع التركيز على علاقتها بالطفل، سواء من الناحية النظرية أو التطبيقية. وقد تميز هذا التكوين باعتماده على معامل تربوية وورشات تشكيلية، أشرف عليها أساتذة متمرسون مثل بلامين وملياني وبوجمعاوي والحياني وغيرهم، مما أتاح له الجمع بين المعرفة النظرية والممارسة العملية في سياق تربوي متكامل.

في عام 1990، بدأ أول تجربة مهنية له في ميدان التدريس بمدينة فكيك جنوب شرق المغرب. هناك، اكتشف فضاءات الصحراء والواحات، واحتك ببيئة طبيعية وثقافية مختلفة تمامًا عن تلك التي نشأ فيها. وقد شكلت هذه التجربة مصدر إلهام جديد، حيث تأثر بجغرافيا المكان وتاريخه، كما أتيحت له فرصة زيارة الجزائر، وهو ما أضاف بعدًا إنسانيًا وثقافيًا لتجربته.وصل إلى مدينة فكيك وهو يحمل في داخله طموحًا كبيرًا ورغبة صادقة في أن يُفعّل ما اكتسبه من معارف وخبرات، وأن يجعل منها وسيلة لبناء تجربة تعليمية متميزة في مجال الفنون التشكيلية. كان يتطلع إلى أن يترجم تكوينه إلى ممارسة ميدانية حية، تلامس الواقع وتُسهم في تنمية الحس الجمالي لدى المتعلمين. غير أن أول احتكاك له بالواقع المحلي كان بمثابة صدمة هادئة كشفت له عن حجم التحديات التي تنتظره.فالمنطقة، بحكم بعدها الجغرافي عن المراكز الحضرية، تعاني من خصاص واضح في مختلف مقومات العيش، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي. كما أن البنيات التحتية التعليمية المتوفرة لم تكن في مستوى يتيح الاشتغال الأمثل على مواد الفنون التشكيلية، إذ تفتقر إلى الوسائل الضرورية، وتغيب عنها التجهيزات التي تساعد على تنزيل أنشطة فنية متكاملة. هذا الواقع فرض على المصطفى العطار أن يعيد النظر في تصوراته الأولية، وأن يكيف أساليبه مع معطيات مغايرة لما كان يتوقعه.إلى جانب ذلك، وجد نفسه أمام تلاميذ تعترضهم ظروف الهشاشة والفقر، مما يجعل أولوياتهم منصبة بشكل أساسي على تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش والدراسة. أما الأسر، فكان جل اهتمامها موجها نحو تحقيق أبنائها للنجاح الدراسي في المواد الأساسية، باعتبارها مدخلًا للارتقاء الاجتماعي، في حين لم تكن تولي اهتمامًا يُذكر لمادة التربية التشكيلية، التي كانت تُنظر إليها في الغالب على أنها نشاط ثانوي أو مجرد ترف لا طائل منه.

هذا التصور السائد لدى التلاميذ وأوليائهم شكل في البداية عائقًا نفسيًا وتربويًا أمام تدريس المادة، حيث كان من الصعب إقناعهم بأهميتها أو جعلهم يتفاعلون معها بجدية. غير أن المصطفى لم يستسلم لهذا الوضع، بل اختار أن يتعامل معه بروح إيجابية قائمة على الابتكار والتدرج. فشرع في اعتماد أساليب بيداغوجية جديدة، ترتكز على الترغيب بدل الإكراه، وعلى تحفيز المتعلمين من خلال ربط مادة الفنون بواقعهم اليومي وتجاربهم الشخصية.كما عمل على خلق نوع من التكامل بين مادة التربية التشكيلية وباقي المواد الدراسية، من خلال دعم التلاميذ ومساندتهم في تحصيلهم العام، مما ساهم في كسب ثقتهم وثقة أسرهم على حد سواء. هذا الانفتاح على محيط التلاميذ كان مدخلًا أساسيًا لإعادة الاعتبار للمادة داخل المنظومة المدرسية، وإبراز قيمتها التربوية والجمالية.ومع مرور الوقت، بدأت ملامح التحول تظهر تدريجيًا؛ إذ أصبح التلاميذ أكثر تقبلًا للمادة، وأكثر تفاعلًا مع أنشطتها، كما بدأت الأسر تنظر إليها بنظرة مختلفة، بعدما لاحظت أثرها الإيجابي على شخصية أبنائها، سواء من حيث تنمية الذوق الفني أو تعزيز الثقة بالنفس وروح الإبداع.وبفضل هذا النهج القائم على الصبر والمثابرة، استطاع المصطفى أن يتجاوز العديد من العقبات، وأن يكسر الحواجز النفسية والاجتماعية التي كانت تعترض سبيله. وهكذا تمكن من إيصال دروسه التشكيلية في بيئة يسودها الوعي التدريجي بأهمية الفن، مما أتاح للتلاميذ فرصة حقيقية للتعلم والتعبير، وجعل من تجربته نموذجًا يُحتذى في القدرة على التكيف والابتكار داخل سياقات تعليمية صعبة.

غير أن انتقاله في عام 1991 إلى مدينة الدار البيضاء لم يكن موفقًا من الناحية الشخصية، إذ لم يتمكن من التأقلم مع إيقاعها السريع وضجيجها وتلوثها. كان ميوله يميل أكثر نحو الهدوء والسكينة والطبيعة، وهو ما جعله يشعر بعدم الارتياح في هذا الفضاء الحضري الكثيف، فكانت هذه التجربة بمثابة محطة عابرة لم تدم طويلًا.في عام 1992، عاد إلى مسقط رأسه فيتاونات، حيث الجبال والسماء الصافية والطبيعة الغنية بالتين والزيتون والسدود والمياه. شكلت هذه العودة بداية مرحلة جديدة في حياته الفنية، حيث انخرط في أنشطة فنية متنوعة، من بينها الجداريات والمعارض الجماعية والفردية، إضافة إلى تنظيم ورشات في دور الشباب. كما شارك في مهرجانات محلية مثل مهرجان الفرس بتيسة ومهرجان الزيتون بغفساي، وقدم أنشطة تربوية وفنية مرتبطة بالبيئة والصحة والرياضة داخل مؤسسات تعليمية.

في عام 2003، عاد مجددًا إلى مدينة فاس، التي يعتبرها مصدر إلهام وتأمل وإبداع. هناك، استفاد من مختلف المراكز الثقافية المحلية والأجنبية، وشارك في عدة تكوينات وورشات في مجالي التربية والفن التشكيلي. وقد ساهم هذا الانفتاح في تطوير أدواته التقنية والفكرية، وتعميق رؤيته الجمالية.توسعت اهتماماته الفنية لتشمل مجالات متعددة، من بينها الفوتوغرافيا والخط العربي والنحت وفن الجداريات، مما يعكس سعيه الدائم إلى تنويع لغاته التعبيرية. بعد مسار طويل من التجارب في مجال فن التشخيص، حيث كان الاشتغال منصبًّا على محاكاة الواقع واستنطاق ملامحه الظاهرة، انتقل الفنان المصطفى العطار منذ حوالي أربع سنوات إلى مرحلة جديدة في مسيرته الإبداعية، قوامها البحث عن لغة بصرية أكثر تحررًا ومرونة، تقوم على التجريد بوصفه أفقًا رحبًا للتعبير عن الداخل الإنساني. لم يكن هذا التحول قطيعة مع ما سبق، بقدر ما كان امتدادًا طبيعيًا لتراكمات خبرة بصرية وتعبيرية، أفرزت حاجة ملحة إلى تجاوز حدود التمثيل المباشر نحو استكشاف عوالم أكثر عمقًا وذاتية.في هذا السياق، أصبح الخط عنصرًا بنيويًا أساسيًا في بناء العمل الفني، بوصفه أداة تقنية لرسم الحدود، وكيان حي يحمل إيقاعًا داخليًا خاصًا، يتقاطع فيه التوتر مع السكون، والانسياب مع الانقطاع. كما اكتسب اللون دورًا تعبيريًا مركزيًا، إذ لم يعد مرتبطًا فقط بوظيفته التزيينية أو الوصفية، وإنما تحول إلى حامل دلالي يعكس حالات شعورية متباينة، تتراوح بين الهدوء والقلق، وبين الامتلاء والفراغ. أما الأشكال، فقد تحررت من وظيفتها التمثيلية لتغدو وحدات دلالية مفتوحة على التأويل، تتداخل وتتقاطع في فضاء تشكيلي غير محدود، يتيح إمكانات متعددة للقراءة البصرية.

وفي قلب هذا التحول، يبرز الفضاء التشكيلي باعتباره ساحة تفاعل حيوية، تتوزع فيها العناصر البصرية في علاقات دينامية، تقوم على التوازن والتوتر في آن واحد. حيث أصبح الفضاء خلفية محايدة تحتضن العناصر، وعنصرًا فاعلًا يسهم في بناء المعنى، ويوجه عين المتلقي داخل العمل، ويخلق مسارات بصرية متعددة تسمح بتجربة مشاهدة متجددة في كل قراءة.تعكس الأعمال المنجزة في هذه المرحلة حالة داخلية غنية ومركبة، تتجلى في مشاعر مختلطة لا تخضع لمنطق واحد، بل تتداخل فيها الانطباعات القوية مع التأملات العميقة، والحالات النفسية العابرة مع الإحساس المستمر بالبحث والتساؤل. هذا التعدد في الحالات الشعورية يجد ترجمته في تنوع التراكيب اللونية وتباين الإيقاعات الخطية، حيث يبدو العمل وكأنه فضاء مفتوح على احتمالات متعددة، لا يسعى إلى تقديم إجابة نهائية بقدر ما يطرح أسئلة جمالية وإنسانية.كما تعكس هذه التجربة التصورية رؤية متعددة الأبعاد للعالم، تغوص في طبقات أعمق من الإدراك، حيث تتداخل الذاكرة مع الحاضر، وتتشابك التجربة الشخصية مع الانطباعات اللحظية. في هذا التداخل، تتحول اللوحة إلى مجال للتفكير البصري، تُعاد فيه صياغة العلاقات بين الذات والعالم، بين الداخل والخارج، وبين ما يُرى وما يُحس.لقد غدت اللوحة في هذا السياق أكثر من مجرد سطح يُنجز عليه العمل الفني، لتتحول إلى فضاء مفتوح لإعادة بناء الذات والتجربة، حيث يجد المصطفى فيها إمكانية للتعبير عن مكنوناته الداخلية بحرية أكبر، بعيدًا عن قيود المحاكاة المباشرة. ومن خلال هذا الفعل الإبداعي، يتحول الانفعال إلى أثر بصري ملموس، وتصبح التجربة الشعورية مادة خامًا تُعاد معالجتها عبر أدوات تشكيلية، تنتج في النهاية عملًا فنيًا يحمل بصمة شخصية متميزة.وبذلك، يتجلى هذا التوجه التجريدي كخيار جمالي وفكري في آن واحد، يعكس رغبة في تجاوز المألوف والانفتاح على آفاق جديدة في التعبير، حيث تتكامل العناصر البصرية لتشكل لغة خاصة، قادرة على نقل الإحساس والفكرة دون الحاجة إلى التمثيل الحرفي، مما يمنح العمل الفني بعدًا تأويليًا مفتوحًا، ويجعل من تجربة التلقي تجربة حية ومتجددة باستمرار.

إن أعمال المصطفى العطار تعبر في جوهرها عن شخصيته وتجربته ومعيشه اليومي وطموحاته، كما تعكس مشاعره وأفكاره في تفاعل مستمر مع محيطه الثقافي والاجتماعي. فهي امتداد لمسار إنساني متكامل، يتقاطع فيه التعلم الذاتي مع التكوين الأكاديمي، والتجربة الميدانية مع البحث الجمالي.وفي سياق موازٍ، يواصل مساره الأكاديمي بدراسة في المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، وهي تجربة جديدة وغنية تفتح أمامه آفاقًا إضافية للتفكير في العلاقة بين الفضاء والشكل والإنسان. هذا التوجه يعزز من قدرته على فهم البنية المكانية والتكوين الهندسي، مما ينعكس بدوره على ممارسته التشكيلية، ويمنحه أدوات جديدة لقراءة العالم وإعادة تمثيله بصريًا. وهكذا، يتجلى مسار المصطفى العطار كرحلة متواصلة من البحث والاكتشاف، حيث تتداخل الطفولة مع النضج، والتجربة الشخصية مع التكوين العلمي، لتشكل في النهاية هوية فنية خاصة، قوامها الحس الجمالي العميق، والانفتاح على التجريب، والإصرار على تطوير الذات عبر الفن بوصفه وسيلة للتعبير والتأمل والحياة.

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى