حُمَيّا تَصْوِيتِ القافيةِ في قصيدة: “أيا فاس، كم أبْكاكِ جوْر عمارَة” للشاعر سعيد العفاسي

                                                                          بقلم: الدكتور أنس أمين

نظراً لِما خلَّفَهُ الهدْمُ في جنان الجرندي بحيّ عين النَّقْبي بفاس المحروسة من فواجعَ ومآسي، ثَوَثّبَتْ غيرةُ الانتماءِ منْ شاعرٍ فاسي بقريضٍ يتَجَرّعُ إيلاماً وينْهَدُ تضامُناً من الشاعرِ النّاقدِ الفني سعيد العفّاسي؛ فعلى رُغمِ مُشاكسَة الجغرافيا المكانية فقد لاَطَتْ قصيدته بالْقُلوب ووصَفتْ ما أدْمى القافية منْ نُدُوب جرّاءَ اسْتداعاء الْهَاءِ الْمَرْدُوفَة بالألف واللّذان يُشكِّلانِ آهاتٍ مُنْسَحِبَة على طول تفاعيل القصيدة.

ولعلّ الشاعر سعيد العفاسي كما كان مُوفّقاً في اختيارِ بحر القصيدة الذي اسْتَلْهَمَهُ بإيقاعِهِ النّغَمي اسْتِلْهَاماً مُمَوْسَقاً مُنْساباً مع رُخَص الزحافات والعلل فإنّهُ استدْعى عَرُوضياً قافيةً مُتَوَاتِرَةً منْبُورةً من خلال  الحضور النغمي لحَرَكةٍ وسُكونٍ مشبَعٍ بألفٍ ذَيْل القافية.

 وعليه، فهي قافيةً منْبُورةً بالهاء باعتبارها صوتا ذا مَخْرَجٍ حلْقي وسماتُه الصوتية صوتٌ صامتٌ مرَقَّق مُصْمَتٌ مهْموسٌ رَخْوٌ مُنْفَتِح مُسْتَفِلٌّ؛ كما أنّ للهاء أثرٌ سمْعي من خلال صُورتِها الصّوتية التي تَشِي بالتّفجُّع كعلاقة بين الصوت والدِّلالَة أو بين الدّال والمدْلول، وبناءً عليه يدُلّ الإيقاع اللغوي الحُروفي للهاء على صوْتٍ مُشْبَعٍ بدلالاتٍ ذات قيمةٍ سِياقِيَة ناجمة عن التّفاعُل على المًسْتمرّ والقائم بين التّشْكيل الصّوْتي والسياق الذي هو تفجُّعٌ رثائي لأهل النّقْبي بفاس المكْلُومَة طالما السياق يُوسِّعُ إلْزاماً مدْلُول الصوت، ولعلّ الشاعر سعيد العفاسي باعتباره ناقداً فنيّاً فقد خَبَرَ جماليات صوت الهاء كاليغرافياً وإيقاعياً فأرْدَفَها كقافيةٍ برِدْف الألف على جهةِ ما هو حرفٌ جوْفي ذو سماتٍ صوتية، فهو مجهورٌ ومُصْمَتٌ ورَخْوٌ ومُنْفتِح ومُسْتَفِلّ ومَدِّي باعتباره طوتاً لَيِّناً، ولكنّ لُيُونته مع الهاء تُكَوِّنُ آخر القافية كلمة (آه) وهي اسم فعل مضارع بمعنى أتوجّعُ أو أتفَجّعُ، ولعلّ إيقاع صوت الألف باعتباره رِدْفاً قافَوِيّاً هو تلوينٌ صوتي مُفْعَمٌ بالنَّبْر الحزين ما جعل اختيار الشاعر للهاء المردوفة بالألف اختيارٌ جمالي ودِلالي ومُؤثّرٌ صوتي حزين يتماشى ونازلَة القصيدة التي من خلالها عبَّرَ الشاعر الفاسي النِّجَار الفلسطيني الدّار والقرار عن موقف انفعالي وتعاطفي طالما الناقد الفني والشاعر العفاسي سادِنٌ في مِحْرابِ الأخلاق والإبْداعِية.

أَيا فاسُ، كَمْ أَبْكَــــاكِ جُورُ عِمـــارَةٍ

هَلِ العَيْنُ بَعْـدَ الهَدْمِ تُحْصِي دُموعَــهُ
أمِ القَلْبُ بَعْــــدَ الفَقْدِ يُخْــفِي أَســــــاهُ

بِجنـــان جُرْنْــدِيٍّ تَهَـــــدَّمَ مَوْطِـــــنٌ
فَخَـــــرَّتْ مَعَ الجُـدْرانِ أَحْــلامُ أَهْلِـهِ

بِعَيْـــنِ النقَبِيِّ اسْتَحـــــالَتْ رُبوعُـهُمْ
مَآتمَ يَبِيتُ الحُــــزْنُ يَـــرْعَى رُبـــــاهُ

تَناثَرَ تَحْـــــتَ الرَّدْمِ طِفْــلٌ وَوالِــــــدٌ
وَأُمٌّ تُناجي اللهَ “رحماك”وَهْيَ شَجاهُ

تُفَتِّشُ عَنْ وَلَـــــــدٍ بِكَفٍّ مُرَجْــــرَجٍ
وَدَمْعُ الأَسَـــــى فَوْقَ الخُــــدودِ سَقاهُ

أَيا فاسُ، كَمْ أَبْكَــــاكِ جُورُ عِمـــارَةٍ
تَســــامَتْ بِلا حَــــقٍّ وَخــــابَ بُنــاهُ

بِناءٌ عَشَوائِيٌّ تَكَــــاثَرَ ليلا وَاقِـــــفاً
كَأَنَّ خُطَى الفَوْضَى تُبـــارِكُ خَطْوَهُ

يُشَيَّدُ فَوْقَ الخَـــوْفِ مِنْ غَيْرِ رِقْبَـةٍ
وَيَعْلُو، وَلا قــــانُونَ يَـرْدَعُ طُغْيَـــهُ

فَمَنْ سَلَّمَ الأَرْواحَ لِلْــــغِشِّ صَامِتاً؟
وَمَنْ باعَ حَقَّ النّاسِ حِينَ اشْتَــراهُ؟

وَمَنْ زَيَّنَ التَّقْصِـــيرَ حَتّى تَوَهَّمُـوا
بِأَنَّ رُكـــامَ المَوْتِ يُخْفِي خَطايــاهُ؟

أَيَا مُنْتَخَباً قَدْ نامَ عَنْ وَجَــعِ الـوَرى
أَمَا هَــزَّكَ التَّهْدِيمُ يَوْماً وَصَـــــدّاهُ؟

وَيَا إِدَارَاتٍ تَوارَتْ خَلْـــفَ صَمْتِها
أَلَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَ الثَّكَالَى وَنُوحَـهُ؟

تَرَاخَى حِســــابُ الفاسِدِيـــنَ كَأَنَّهُمْ
فَوْقَ القانُونِ لا يُخْشَى عَلَيْهِمْ جَزاهُ

يَمُرُّ الرَّشَــــا فِي كُلِّ دَرْبٍ مُقَنَّــــعاً
فَيُفْتَـــحُ بابُ الهَــــــدْمِ حَيْثُ أَتـــــاهُ

وَيُمْضِي المَسْــــؤولُ المُدانُ مُبَــرَّأً
كَأَنَّ دِمــــاءَ النّــــاسِ لَيْسَتْ دِمـــاهُ

أَلَيْسَتْ أَرَاحِــــي الفَقْرِ تَدْفَعُ أَهْلَــها
إِلَى سَكَنٍ مَهْــــدُودِ رُكْنٍ عَفــــــاهُ؟

فَيَسْكُنُهُ المِسْكِــــينُ مُكْــــرَهَ حَاجَـةٍ
وَيَعْلَمُ أَنَّ المَــــوْتَ يَرْقُبُ خُطـــــاهُ

إِلَى أَنْ أَتَى يَوْمُ الكَــــوارِثِ مُرْعِباً
فَصَارَتْ بُيُوتُ الحَـــيِّ قَبْراً سِــواهُ

تَعالَى صُراخُ النّاسِ وَالصبح شَاهِدٌ
وَنَارُ الأَسَـــى فِي كُلِّ صَدْرٍ لَظـــاهُ

رِجالُ الإِنْقَاذِ اسْتَفَاقُــوا عَلَى الأَذى
يُنَقِّبُ فِي الرُّكْــــامِ قَلْــــبٌ وَجَــــاهُ

وَكَمْ جُثَّةٍ خَــــرَّتْ وَكَمْ أُمٍّ انْحَــنَتْ
تُقَبِّلُ وَجْـــهاً بَعْدَمـــا غَابَ ضِيَــاهُ

وَكَمْ طِفْلَةٍ مَـــدَّتْ يَدَيْها بِرَعْشَــــةٍ
تُنَــــادِي أَباً لَمْ يَبْقَ إِلّا صَــــــــداهُ

أَيَا رَبَّنَا، هَذـــِي الدُّمُــــوعُ شَهِيـدَةٌ
بِأَنَّ ظُلُــــــومَ النّـــاسِ أَوْهَى بِنَــاهُ

فَخُذْ حَقَّ مَنْ مَـاتُوا وَكُنْ لَهُمُ حِمىً
وَصُبَّ عَلَى الظُّـــلّامِ عَــدْلاً يَـــرَاهُ

وَأَلْهِمْ ذَوِي المَفْقُودِ صَبْراً وَرَحْمَةً
فَمَا بَعْدَ فَقْدِ الأَهْــــــلِ يُطْفِئُ جَوَاهُ

سَيَبْقَى رُكَــامُ الحَيِّ يَشْهَــــدُ أَنَّنَــا
إِذَا غـابَ وَعْيُ الحَـقِّ ضاعَ حِمَاهُ

وَأَنَّ الفَســـادَ إِذَا تَمَـادَى بِأَرْضِــنَا
يُحَوِّلُ أَعْــــراسَ الحَيَـــاةِ عَــــزاهُ

فَيا فــــاسُ، صَبْراً، إِنَّ لِلَّهِ حِكْمَــةً
وَإِنْ طَالَ لَيْلُ الحُزْنِ أَشْرَقَ فَجْرُهُ

سَلامٌ عَلَى مَنْ فِي الرُّكامِ تَوَسَّـدُوا
تُظِلُّهُمُ الرَّحْمــــــاتُ حَيْثُ ثَـــــوَاهُ

وَعَهْدٌ عَلَيْنا أَنْ نُقِيـــــمَ عَــــدالَــةً
تَرُدُّ لِهَذا الشَّعْــــبِ حَقّاً أَضـــاعَـهُ

فَيا فــــاسُ، صَبْرًا، جُرْحَكِ مُوجِــعٌ
وَلَكِنَّ نُــــورَ الصَّبْــرِ يَبْقَى وَذِكْـراهُ

وَا حُرَّ قَلْبَاهُ مِنَ القُدْسِ الَّتِي نَزَفَــتْ
أَبْكِيكِ وَالدَّمْعُ مِدْرَارٌ يُفِيضُ حُرُوفُـهُ

يَا راعِـــيَ البِـــلادِ وَيَـا مَنْ بِعَدْلِـــهِ
يُضِيءُ الدُّجى وَيُجْلِي الهُمومَ وَدَاهُ

اِضْرِبْ بِعَصا الحَـــقِّ كُلَّ مُــــدَلِّسٍ
تَمَادَى وَأَفْنَى فِي الـــرَّعِيَّةِ جَــــاهُ

وَخُذْ بِاليَدِ الغَشْمـــاءِ أَهْلَ خِيَـــانَةٍ
تَوَارَوْا وَخَلْفَ المَالِ قَدْ جَعَلُوهُ إِلٰهُ

أَقِمْ حَــــدَّكَ الرَّادِعَ الصَّــارِمَ الَّذِي
يُذِلُّ ذِئـــابَ السُّحْــــتِ حَيْثُ تَـرَاهُ

فَمَا فَسَدَتْ أَحْــــوالُ قَـوْمٍ بِبَلْـــــدَةٍ
سِوَى حِينَ غَابَ الحَزْمُ عَمَّنْ طَغاهُ

تَكَاثَرَ أَهْلُ الرِّشْا السُّودِ فِي الوَرَى
وَبَاعُوا ضَمِيرَ الحَقِّ لَمَّا اشْتَـــرَاهُ

فَلَيْسَ لَنَا بَعْــــدَ الإِلٰهِ مَــــلاذُنَـــــا
سِوَاكَ، وَمَنْ لِلْمُسْتَغِيــــــثِ سِوَاهُ؟

فَاحْكُمْ بِمِيــــزَانِ العَدَالَــــةِ مُنْصِفاً
وَطَهِّرْ ثَرَى الأَوْطَانِ مِمَّنْ عَصــاهُ

رَعَاكَ إِلٰهُ العَرْشِ مَا دُمْتَ نَاصِـراً
لِشَعْبٍ يُنَــــادِي العَدْلَ حِينَ جَفَــاهُ

فَإِنَّ البِـــلادَ بِالْعُـــــدُولِ مَنِيعَـــــةٌ
وَيُرْفَعُ بِالإِنْصافِ فِي النّاسِ جَـاهُ

وَإِنَّ الفَسـادَ إِذَا تَمَــادَى بِأَرْضِـنَا
أَتَى عَلَى الأَوْطَـــــانِ حَتّى تَـــلَاهُ

فَطَهِّرْ رُبُوعَ الأَرْضِ مِنْ كُلِّ خَائِنٍ
فَخَيْرُ الوَرَى مَنْ بِالعَـــــدالَةِ زَانَهُ

وَدُمْ لِلْوَرَى حِصْناً وَعَوْناً وَرَحْمَةً
يُظِلُّ بِهِ المَظْلُـــــومُ مَنْ قَدْ رَعَــاهُ

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى