يا فاس.. أنا لست مسؤولا عن ملامحي التي بعثرها الغياب


يا فاس،
تغيّرت ملامحي كثيرًا، حتى إني أخاف أن أقف أمامك ذات يوم فلا تعرفينني، أو أمرّ في أزقتك العتيقة كغريبٍ ضلّ الطريق إلى نفسه، أخاف أن تتأملني جدرانك الصامتة فلا تجد في وجهي ذلك الفتى الذي كان يركض في دروبك كمن يركض نحو قلبه، ولا تجد في عينيّ ذلك البريق الذي كانت تشعله في داخلي مآذنك وأسواقك وأبوابك القديمة، لقد فعل الغياب فعله بي يا فاس، وصار الزمن ينحت وجهي كما تنحت الرياح صخور الجبال البعيدة، شاب رأسي وأنا أنتظر هذا اللقاء المؤجل بيني وبينك، وسقطت من فمي أسنان كثيرة كانت تضحك كلما ذُكرتِ، وغزت التجاعيد ملامحي كأنها خرائط تعبٍ طويلة، وبدأ الجسد ينهار ببطءٍ تحت وطأة السنوات والأسفار والحروب الداخلية التي لا يراها أحد، لم أعد ذلك الشاب الذي خرج منك يومًا وهو يظن أن العالم أوسع من الحنين، وأن الغياب مجرّد مسافة تُقطع ثم تُنسى. لقد اكتشفت متأخرًا أن الإنسان حين يغادر مدينته الأولى يحمل في حقائبه قلبه، وكلما ابتعد خطوة شعر أن شيئًا منه يُنتزع في صمت.
يا فاس،
هل سأراك قريبًا فأستعيد شبابي الضائع في عينيك؟ هل يستطيع المكان أن يرمم ما كسرته الأيام؟ وهل يكفي أن ألمس حجارة الأزقة حتى يعود الدم دافئًا في عروقي كما كان؟ أحيانًا أصدق أن المدن تشبه الأمهات؛ مهما تغيّرت وجوه أبنائها فإنها تعرفهم من أنفاسهم، من ارتجافة أصواتهم، من دموعهم التي يخفونها عن الناس. ولذلك أرجوكِ، إذا عدت إليك متعبًا، مثقلًا بالخذلان، فلا تسأليني عن كل هذا الخراب الذي أحمله فوق كتفي، فقط افتحي لي ذراعيك كما تفعل الأمهات حين يعود أبناؤهن من المنافي الطويلة، ودعيني أبكي كثيرا، لقد طال الغياب يا فاس حتى صار يشبه مرضًا مزمنًا، وطالت الحرب حتى تمددت الجغرافيا بيني وبينك كصحراء لا نهاية لها. ما لي أرى العالم يزداد قسوة كلما حاولت الاقتراب منك؟ وما لي أرى الطرق تضيق، والحدود تتكاثر، والمسافات تكبر كأن هناك يدًا خفية تمنع هذا اللقاء؟ لم أعد أراك إلا في الصور العابرة، وفي الأشرطة القصيرة التي تتدفق عبر منصات التواصل الاجتماعي. أراك هناك بعيدة، سرابا، كأنك حلم قديم يزورني ثم يرحل قبل أن ألمسه.
يا فاس
أراقب الناس وهم يسيرون في شوارعك فأشعر أنني أتعرف إلى وجوههم أكثر مما أتعرف إلى وجهي. أبحث في المقاطع المصورة عن بابٍ أعرفه، عن صديق من زمن الطفولة، عن مقهى قديم، عن ظلّ شجرة، عن مئذنة كانت تحفظ صوت طفولتي، فأشعر أن روحي تركض نحو الشاشة كطفل يريد أن يعانق أمه من خلف الزجاج. يا لوجع الإنسان حين تتحول مدينته إلى صورة، وحين يصبح الوطن مجرد مقطع فيديو يمرّ سريعًا بين الأخبار والإعلانات والأغاني. أريد أن أعود يا فاس، لا سائحًا يلتقط الصور ثم يرحل، ابنًا ضلّ طويلًا ثم عاد يبحث عن نفسه في حجارة المدينة. أريد أن أمشي في دروبك وأنا أمسك بقلبي قبل أن أمسك بيد ابنتي سلمى، وبيد ابني عمر، وبمهجة الروح زوجتي رانية. أريد أن أقول لهم: هنا بدأت الحكاية، وهنا تعلمت معنى الدفء، وهنا كان القلب صغيرًا لكنه ممتلئ بالحياة. أريد أن أريهم الأزقة التي حفظت خطواتي، والجدران التي سمعت ضحكاتي، والأبواب التي كنت أمرّ منها وأنا أحلم بعالم أكبر، دون أن أدرك أن أكبر أحلام الإنسان قد تكون مجرد عودة متأخرة إلى المكان الذي خرج منه. أريد أن أتنفسك يا فاس كما يتنفس الغريق أول جرعة هواء بعد النجاة، أريد أن أسمع ضجيجك العتيق، وباعة الأسواق، وصوت الأذان وهو يتسلل إلى القلب كدعاء قديم. أريد أن ألمس حجارة المدارس والزوايا، وأن أجلس بصمت في مكان يعرفني منذ الطفولة، مكان لا يطالبني بتفسير كل هذا التعب الذي يسكنني.
لكنَّ أكثرَ ما أريدهُ يا فاسُ، قبل الأزقّةَ العتيقةَ ورائحةَ المطرِ على حجارتكِ القديمة، أريد أن أصلَ إلى أمّي قبلَ أن يُطفِئَ القدرُ آخرَ مصابيحه، أخافُ أن يسبقني الوقتُ إليها، وأن أقفَ على بابها متأخرًا، كما يصلُ الندمُ دائمًا بعدَ فواتِ القلب، أريدُ فقط أن أُسندَ رأسي إلى كتفها، وأن أعودَ للحظةٍ طفلًا لم تُرهقهُ المنافي، ولم تُثقِلْهُ الخسارات. أريدُ أن تنظرَ إليَّ بعينيها اللتين كانتا تعرفانني دائمًا، وتقولَ بصوتها الذي يشبهُ الطمأنينة: ما زلتَ ابني، مهما أبعدتكَ الطرق، ومهما غيَّرتكَ الحياة. فالأمّهاتُ لا تخدعهنَّ الوجوهُ المتعبة، ولا تُضللهنَّ السنوات؛ يعرفن أبناءهنَّ من ارتجافةِ الصوت، ومن حزنِ العين، ومن الصمتِ الذي يختبئُ خلفَ الكلمات. لقد سرقتْ منّي المدنُ الكثيرةُ أشياءَ كثيرة، لكنّها لم تستطعْ أن تنتزعَ من داخلي ذلكَ الطفلَ الذي كانَ يركضُ نحوَ أمّه كلما خاف. وربما لهذا أشتاقُ إليها الآنَ بكلِّ هذا الوجع؛ لأنني أدركُ أن الإنسان، مهما كبر، يبقى هشًّا أمامَ حضنِ أمّه، وأنَّ العمرَ كلَّه لا يكفي ليعوّضَ دفءَ يدٍ كانت تمسحُ عن القلبِ خوفَه بصمت.
أريدُ أيضًا، يا فاسُ، أن أفتحَ ذراعيَّ لأخواتي: فاطمة، ووفاء، ولمياء، وسناء، وأسماء وفريدة وأن أضمَّهُنَّ إلى قلبي كما تُضمُّ الأعمارُ الضائعةُ حين تعودُ من تعبِ المنافي، أريدُ أن أرى وجوهَهُنَّ عن قرب، لا عبرَ صورٍ باردةٍ تُطفئُ الشوقَ ولا تُشبعه، وأن أسمعَ ضحكاتِهِنَّ وهي تُعيدُ إلى روحي شيئًا من دفءِ البيتِ القديم. وأريدُ أن أعانقَ أخويَّ، مصطفى وفريد، عناقَ من خافَ طويلًا أن يسرقهُ الوقتُ من الذين يُحبّهم. عناقًا لا كلامَ فيه، لأنَّ بعضَ الأشواقِ أكبرُ من اللغة، وبعضَ الدموعِ لا تحتاجُ إلى تفسير. أريدُ أن أذرفَ دمعَ الاشتياقِ بلا خجل، فالرجلُ حين يشتاقُ إلى أهله يعودُ طفلًا مهما أثقلتْهُ الحياة. وأريد أن أتفقد كتبي التي تركتها يتيمة في بيتنا العتيق، أريد أن أمارس تقليب الصفحات وأنا أبحث عن المعنى لأنهل من العلوم والمعارف، كتبي التي تعرفني جيدا، كتبي التي اشتريتها في وقت كنت في حاجة ماسة إلى المال لكي أخفف من سلطة الفقر علي، غير أنني فضلت أن أقتنيها وأشبع خواء روحي على حساب رصيد البنكي، أريد أن أتفقد لوحاتي التي نسجت فيها جزءا من روحي، وتركتها معلقة بين حياتين، وأريدُ أن أتفقّدَ أحفادَ آلِ العفّاسي، واحدًا واحدًا، أن أتأمّلَ ملامحَهم، وأحفظَ أسماءَهم في قلبي، وأن أرى في عيونهم امتدادَ الدمِ والذاكرةِ والعائلة. أريدُ أن أشبعَ روحي بصورِهم، أن أملأَ وحدتي بأصواتهم الصغيرة، وأن أشعرَ أنَّ شيئًا منّي ما زالَ حيًّا بينهم، لم تبتلعْهُ الغربةُ ولم تُطفئْهُ الخسارات. فالعائلةُ، يا فاسُ، هي الوطنُ الأخيرُ حين تضيقُ بنا المنافي، واليدُ التي تُمسكُ أرواحَنا قبلَ أن نسقطَ في العتمة.، أريد أن أعانق: محمد، أمين، آدم، محمد، ندى(طامو)، نهى، طه(عود الريح)، رقية(سندس)، إبراهيم (سي الطاهر)، غيثة (للازبيدة)، إياد(ماوكلي)، معاد(سيد المكي)، اسلام(جامع)، سفيان(قندس)، وشمس(اليقين)، وأريدُ أن أرى سلمى وعمر، كيف سيتلهّفان لاحتضانهم بعدَ أن كانوا طوالَ السنواتِ مجردَ أسماءٍ وصورٍ معلّقةٍ في الذاكرة، أريدُ أن أراقبَ دهشتَهُما الأولى وهما يكتشفان أنَّ للعائلةِ رائحةً وصوتًا ودفئًا، وأنَّ الوجوهَ التي سمعا عنها كثيرًا قلوبٌ تشبهُ قلوبَهما وتفتحُ لهما ذراعيها بمحبةٍ قديمة. أريدُ أن أرى سلمى وهي تُخفي ارتباكَها خلفَ ابتسامةٍ خجولة، ثم تذوبُ فجأةً في حضنِ عمّاتها وعماها كأنها تعرفهم منذُ العمرِ كلّه، وأريدُ أن أرى عمر وهو يركضُ بينَ إخوتي وأحفادِ آلِ العفّاسي، باحثًا عن مكانهِ بينهم، قبلَ أن يكتشفَ أنَّ الدمَ يعرفُ طريقهُ دائمًا، وأنَّ الانتماءَ لا يحتاجُ إلى شرح. كم أخافُ أن يكونَ الغيابُ قد سرقَ من أطفالي تلكَ التفاصيلَ الصغيرةَ التي تصنعُ معنى العائلة، وكم أتمنّى أن يمنحهم هذا اللقاءُ جذورًا جديدةً يتكئون عليها حين تكبرُ بهم الحياة. أريدُ لهم أن يعرفوا أنَّ لهم بيتًا في فاس، وأنَّ هناكَ وجوهًا تُحبُّهم قبلَ أن تراهم، وقلوبًا كانت تنتظرُهم بصبرِ الدعاء وطولِ الاشتياق.
ثم أريد أن أزور قبر أبي.
أريد أن أقف هناك طويلًا، كأنني أقف أمام مرآة العمر كله، سأحدثه بصوت مرتجف، وأقول: هل تعرفت على ملامحي يا أبي؟ أنا ابنك الذي خرج يومًا ممتلئًا بالأحلام، ثم عاد مهيض الجناح، مكسور الخاطر، مثقلًا بما لا يُقال. سأخبره أن العالم لم يكن رحيمًا كما كنا نظن، وأن الغربة تأكل الإنسان ببطء، من جسده وروحه أيضًا، سأنتظر، في صمت القبور، هناك في باب العجيسة، أن يجيبني التراب بشيء يشبه الطمأنينة، ربما ستتحرك شجرة قريبة، أو تمرّ نسمة خفيفة، فأشعر أن أبي عرفني رغم كل ما غيّرته السنون في وجهي، فالآباء، مثل المدن والأمهات، لا يخطئون أبناءهم مهما أثقلتهم الحياة، سأقول له إنني تعبت يا أبي، وإنني كنت أحتاج دعاءك أكثر مما كنت أحتاج الطرق الطويلة التي أخذتني بعيدًا، كم كنتُ أُمنّي النفسَ بأن تزورني في أكنافِ بيتِ المقدس، كما زارتني أمّي، وأن تمشي معي في طرقاتِ القدسِ القديمة، بعينَيك اللتين كانتا تريان الجمالَ حتى في التعب. كنتُ أعرفُ أنّك كنتَ ستكونُ سعيدًا بتلك الزيارة، سعيدًا كطفلٍ وجدَ أخيرًا مكانًا يشبهُ صفاءَ قلبه. وفي كلِّ مرةٍ أذهبُ فيها إلى المسجدِ الأقصى، أجدُك هناك، واقفًا في انتظاري عندَ بابٍ القطانين، وباب السلسة وباب الحديد، أو باب المغاربة، وفي سوق العطارين، أو في سوق الدباغين، أو في ظلِّ قوسٍ عتيق، كأنَّ الغيابَ لم يأخذكَ تمامًا. أراكَ تبتسمُ ابتسامتكَ الهادئة، ثم نمضي معًا نحوَ الصلاة، كتفًا إلى كتف، وروحًا إلى روح. وبعدَ الصلاةِ تهمسُ لي بكلماتكَ المعهودة، تلكَ الكلماتُ التي كانت تُشبهُ الطمأنينة، وتمسحُ عن القلبِ تعبَهُ وخوفَهُ دونَ أن تشعر. كنتَ دائمًا تعرفُ كيف تُعطي النصيحةَ دونَ قسوة، وكيف تُربّتُ على الروحِ وهي تنكسرُ بصمت، ثم تُودّعني، كما كنتَ تفعلُ دائمًا، وداعَ من يقولُ: إلى حين، فأبقى بعدكَ أحدّقُ طويلًا في المكان، وأشعرُ أنّ بعضَ الأرواحِ لا ترحلُ حقًّا، تظلُّ معلّقةً في الأمكنةِ التي أحبّتْها، وفي القلوبِ التي أحبّتْها أكثر.
يا فاس
أريدُ أن أزورَ أصدقائي واحدًا واحدًا، كما يعودُ القلبُ إلى أشيائهِ الأولى. أريدُ أن أتوقّفَ عندَ عبدِ الله بلوق، بائعِ الجرائدِ في ساحةِ البطحاء، وأن أُقلّبَ بينَ يديَّ تلكَ الجرائدَ التي انطفأتْ مطابعُها وبقيَ حبرُها حيًّا في الذاكرة، أريدُ أن أُغازلَ أعمدتَها القديمة، وأن أبحثَ بينَ سطورها عن اسمي مقال يحمل (سعيد العفاسي) عن زمنٍ كان للكلمةِ فيه وزنُ الخبزِ والكرامة، أريدُ أن أتفقد عبدِ السلام الزروالي، الذي كان يمرُّ على المقالاتِ بقلبِ الأخِ الأكبر، وأستعيدَ دفءَ تلكَ اللحظاتِ التي كانَ فيها يُربّتُ على موهبتي الناشئةِ كما يُربَّتُ على غصنٍ يخشى عليه من ريحِ البدايات، رجل تعهد “زغب الحواصل” حتى أصبحت نسورا تجوب الفيافي وتأتي بالصيد الثمين. أريدُ أن أبحثَ عنِ عبدِ النبيِّ الشراط الذي خرجَ من قسوةِ القرى البعيدةِ حاملاً في جيبِه جوعَ الفلاحين، وفي صدرِه غضبَ سنواتِ الرصاص، فأسّسَ لذلك”منا الشمال” ودارا لـ”الوطن” لاسماع”صوت المستضعفين في الأرض”، أريد أن أجد عبد الكريم الوزاني وهو يرفل في نعماء القصيدة وبحور الفراهدي، في كامل أناقته الفكرية، وامقا مثل أشجار الزيتون، أريدُ أن أُعانقَ سي محمد بنكيران، وأن أستنشقَ معهُ رائحةَ الألوانِ والزيوت، وأن نستعيدَ سيرةَ مهرجانِ فاس للفنونِ التشكيلية، يومَ كانتِ اللوحةُ تُشبهُ نافذةً مفتوحةً على الحلم، وأريدُ أن أفتّشَ في خرجِ أنس أمين عن قصيدةٍ ضلّتْ طريقَها نحوي، شاعر ترتجف أمامه الزحافات والعلل، منقحا باحثا، يجيد الغوص في بحور الدرر والقوافي، وأن أغوصَ في المعنى العميقِ لقصائدِ العميدِ محمد السرغيني، حيثُ الكلماتُ تُعاشُ كالتأملِ والصلاة، وأن أتتبّعَ ارتجافَ اللغةِ في تفاصيلِ شعرِ محمد بنطلحة، حيثُ الحروفُ تمشي على حافةِ الغياب قادمة من (مدرسة الشعب) بحي القطانين بفاس، أريدُ أن أتفقّدَ دكّانَ “العودِ والمسكّةِ الحرّة وسرغينة” عندَ سي محمد بنبراهيم، وأن أفتحَ بابَهُ كأنني أفتحُ صندوقًا من روائحِ فاس القديمة، وأريدُ أن أقتفيَ أثرَ صديقي الراحلِ عبد الحي النيو، في الأزقّةِ التي عبرَها مرشدا سياحيا، وفي الظلالِ التي تركها وراءه، علّني أجدُ شيئًا من صوتهِ ما يزالُ عالقًا بينَ الجدران. أريد أن أجدد صلتي بـ”سي” محمد الصقلي رجل الإدارة والأدب، شجرة تمشي على ساقين من ذهب تؤتي أكلها كل حين، أريد أن أربت على كتف فؤاد الفيلالي، وهو ينشر عبق”دروب فاس” بلا كل ولا ملل، ديدنه الحب، أريد أن أقف في انتظار مرور محمد البغدادي من فران كويشة إلى البطحاء، باسما، مساندا بكل ما أوتي من جلد، أريد أن أقتفي اثر محمد عادل”حياك الله” وهو ينثر الثقافة المسرحية مثل فلاح تخلت عنه وزارات “الفلاحة والثقافة والصيد البشري”، وقال لها بأريحية أهل دار الضمانة(طز عليكم)، ليسمعني بعضا من قصائد المتنبي بصوته الذي لا تخطئه الرياح اللواقح، أريدُ أن آكلَ “المعقودة” من حيِّ العشّابين، كما كنّا نأكلُها بشهيةِ الفقراء وفرحِ البسطاء، وأن أعودَ إلى دارِ الشبابِ البطحاء، لأنبشَ في ذاكرتِها عن زمنِ العملِ الجمعويِّ والمسرحي، يومَ كان الحلمُ يُصنعُ هناكَ بأيدٍ قليلةٍ وقلوبٍ ممتلئة. أمّا اليوم، فقد صارتْ كأنها وكرُ غرابٍ ينعقُ فوقَ أطلالِ المعنى.
أريدُ أن أُسائلَ الفنانَ حسن صابر (الفتنة المتنورة)، أينَ أضعتَ ألوانكَ على حسابِ العلومِ الاجتماعية؟، وأريدُ أن أسألَ الشاعرَ الفنانَ ابنَ قصرِ السوق، لحسن مصواب: أينَ الصوابُ في هذا البعاد؟ وكيفَ تركتنا المسافاتُ نهرمُ بعيدًا عن دفءِ الرفقة؟، وأريدُ أن أجرَّ (الفتنة الكبرى) سي حميد تشيش إلى زاويةِ مقهى عتيق، وأن أُفرغَ معهُ كنوزَ فاس المخبوءةَ في ذاكرته، كنوزَ الحكاياتِ والأسماءِ والوجوهِ التي لم تدوّنها الكتب، وأريدُ أن أبحثَ مع عبد الفتاح أبطاني عن معنى الإمتاع في المسرح، عن تلكَ اللحظةِ التي يتحوّلُ فيها الخشبةُ إلى حياة، والكلمةُ إلى مصير. وأريدُ أن أُنبّشَ في ذاكرةِ سي المهدي زين العابدين عن مفهومِ الشورى في زمنِ الوباءِ الديمقراطي، وأن أسأله: كيفَ صارَ الناسُ يملكونَ صناديقَ الاقتراعِ ويفتقدونَ روحَ العدالة؟ وكيفَ تحوّلتِ السياسةُ من خدمةِ الإنسانِ إلى فنِّ إدارةِ الخيبة؟، أريدُ أن أتفقّدَ حيَّ الصّاغة، لأبحثَ عن إدريس أحكوش، ذلكَ المقاومِ من درجةِ فارس في دولةِ الحياة، الرجلِ الذي كان يمشي بينَ الناسِ ببساطةِ الحكماء وصلابةِ الذين لا يساومون على المعنى، وأن أعرفَ كيفَ استطاعَ أن يبقى وفيًّا لروحهِ وسطَ هذا الخرابِ الكبير، وأريدُ أن أُناوشَ صديقي (الشرّاني) عبد الفتاح الزمراني، في تلكَ المواضيعِ التي لا تنتهي ولا تُغلق، مواضيعُ تبدأُ بالسياسةِ وتنتهي بالفلسفة، ثم تعودُ فجأةً إلى حكاياتِ الناسِ والبسطاءِ والمقاهي القديمة. كأنّ الحوارَ معهُ معركةُ محبّة، لا غالبَ فيها ولا مغلوب، سوى الوقتِ الذي يمضي ونحنُ نؤجّلُ النهايةَ كي لا ينطفئَ الكلام. أريدُ أن أذهبَ إلى جامعِ القرويين، وأن أُلقي نظرةً على سي إدريس اليعقوبي وهو يصدحُ بصوتهِ عاليًا، كأنّهُ يُوقظُ الحجرَ والتاريخَ معًا، هناكَ فقط يشعرُ المرءُ أنّ للعلمِ هيبةً، وأنَّ للأصواتِ التي خرجتْ من رحمِ القرويين قدرةً على مقاومةِ النسيان، وأريدُ أن أطمئنَّ على صديقي المكافحِ أحمد العثماني، وأن أسألهُ بحزنِ العارفين: كيفَ أضعتَ الحذاءَ في سبيلِ المسرح؟ كيفَ دفعتَ من تعبِك وعمرِك كي تبقى الخشبةُ حيّة، بينما كان العالمُ يصفّقُ للفارغين؟ أعرفُ أنّهُ سيضحكُ ضحكتَهُ المعتادة، ثم يُخفي وجعَهُ خلفَ نكتةٍ عابرة، كما يفعلُ الفنّانونَ الحقيقيّون حين تضيقُ بهم الحياة. وأريدُ أن أدخلَ دربَ الجياد، أن أمشي فيه ببطءِ العائدِ من غربةٍ طويلة، وأن أتوضّأَ في (حمّام الجياف)، كأنّي أغسلُ عن روحي غبارَ السنوات. ثم أصلّي ركعتينِ في زاويةِ سيدي أحمد التيجاني، وأتركُ قلبي هناكَ قليلًا، لعلّهُ يجدُ بعضَ السكينةِ التي أضاعتها المدنُ البعيدة.
وأريدُ أن أسألَ عن أمّي الزاهية، والدةِ صديقي محمد الجعفري، تلكَ المرأةِ التي كانت تُشبهُ دفءَ البيوتِ القديمة، وأن أتذكّرَ محمدًا، كيفَ حاولَ أن يكونَ فنّانًا هروبًا من طيشِ الطفولة، وكأنّ الفنَّ كانَ طريقتهُ الوحيدةَ لينجو من صخبِ العالم. بعضُ الناسِ يدخلونَ الفنَّ بحثًا عن نجاةٍ داخلية، ومحمدٌ كان واحدًا من هؤلاء الذين أرادوا أن يُرمّموا أرواحهم بالكلماتِ والضوءِ والمسرح. كلُّ هؤلاءِ يا فاس، ليسوا أصدقاءَ فقط، بل فصولٌ من روحي، وأجزاءٌ من العمرِ الذي تركتُهُ هناكَ يمشي في الأزقّةِ القديمة، ينتظرُ عودتي. أريدُ أن أُعانقَ صمودَ سالمٍ وسعدَ القادري، عناقَ الوفاءِ والعرفان، لا عناقَ المجاملةِ العابرة، أريدُ أن أقتربَ منهما كما يقتربُ الإنسانُ من مرآتهِ القديمة، يبحثُ فيها عن ملامحِه التي بعثرتها السنوات، أريدُ أن أبحثَ فيهما عنّي؛ عن ذلكَ الجزءِ الذي ظلَّ واقفًا رغمَ التعب، وعن الإيمانِ الصامتِ الذي لا تُطفئهُ الهزائمُ الصغيرةُ ولا الخيباتُ الكثيرة. أريدُ أن أُبثَّ فيهما العزمَ كما يُثبّتُ الناظرُ بصرَهُ في (المنظار)، يحدّقُ بعيدًا كي يرى ما لا يراهُ الآخرون، فبعضُ الرجالِ يحتاجونَ إلى يدٍ تربّتُ على أرواحهم وتقولُ لهم: ما زالَ الطريقُ يستحقُّ، وما زالتِ الحياةُ قادرةً على منحِنا معنى آخر. أريدُ أن أقولَ لهما إنّ الوفاءَ صارَ عملةً نادرةً في زمنِ التبدّل، وإنّ الذينَ يحافظونَ على صداقتهم يشبهونَ حرّاسَ الضوءِ في آخرِ الليل. وأريدُ أن أرى في أعينهما ذلكَ البريقَ الذي كان يسكنُنا حين كنّا نظنُّ أنَّ العالمَ يمكنُ أن يُبنى بالمحبّةِ والإصرارِ والكلمةِ النظيفة. فيا سالم، ويا سعدُ، إنّي أبحثُ فيكما عن بقيّةِ نفسي، وعن تلكَ القوّةِ التي تجعلُ الإنسانَ يقفُ مرّةً أخرى، مهما أثقلتهُ الحياة، لأنَّ بعضَ الأصدقاءِ يكونونَ امتدادًا خفيًّا لأرواحِنا، إذا ضاقتْ بنا الدنيا احتمينا بهم كما يحتمي العابرُ الأخيرُ بضوءٍ بعيد. يا فاس، كم تركتِ فيَّ من وجوهٍ لا أستطيعُ نسيانَها، وكم أخافُ أن أعودَ يومًا فلا أجدُ سوى الأبوابِ المغلقةِ وأصداءِ الخطى القديمة. لكنّني، رغمَ كلِّ شيء، ما زلتُ أؤمنُ أنَّ المدنَ التي أحببناها بصدق تبقى حيّةً فينا، مثلَ دعاءٍ قديمٍ لا ينتهي.
وأنتِ يا فاس، هل ستتعرفين على ملامحي؟
هل ستحسين بأنفاسي إذا مررت في أحيائك القديمة؟ هل سيعرف صوتي نوافذك العتيقة؟ هل ستنتبهين إلى رجفة الحنين المختبئة في نبراتي؟ أخاف أن أقف أمامك غريبًا، وأخاف أكثر أن أبكي حين أراك فلا أستطيع تفسير هذا البكاء لسلمى وعمر. كيف أشرح لهما أن بعض المدن تسكن القلب مثل قدر؟ وكيف أشرح لهما أن الإنسان قد يعيش أعمارًا كاملة وهو يحاول العودة إلى نسخته الأولى التي تركها في مدينة بعيدة؟
يا فاس،
لقد أخذ العمر مني أشياء كثيرة، لكنه لم يستطع أن يأخذك مني، بقيتِ في داخلي مثل صلاة لا تنقطع، ومثل جرح جميل لا يندمل، كلما أرهقني العالم احتميت بذكراك، وكلما شعرت أنني أضيع تذكرت أن لي هناك مدينة تحفظ اسمي القديم، الاسم الذي لم تشوهه المنافي ولا الحروب ولا الخيبات. فإن جاد القدر بهذا اللقاء، سأجيئك لا طالبًا شيئًا سوى السلام. سأمشي ببطء في أزقتك كمن يمشي داخل قلبه، وسأترك دموعي تنزل دون خجل، لأن بعض الدموع اعتراف متأخر بأننا تعبنا من البعد. وإن لم يتحقق اللقاء، فاعلمي يا فاس أنني ظللت أحبك حتى آخر العمر، وأن قلبي، مهما ابتعد الجسد، بقي معلقًا على أبوابك العتيقة ينتظر العودة.