عيد الأضحى بين لهيب الأسعار وصمت الحكومة: من يحاسب المضاربين ويُنصف المواطنين؟

مع اختتام شعائر عيد الأضحى المبارك، يعود السؤال الاجتماعي والاقتصادي ليفرض نفسه بإلحاح في الشارع المغربي، ماذا بعد هذا الموسم الذي تحوّل عند فئات واسعة من المواطنين إلى عبء نفسي ومادي ثقيل؟ وهل ستكتفي حكومة أخنوش بتصريحات عابرة وبلاغات تقنية باردة، أم أنها ستبادر فعلاً إلى فتح تحقيق اقتصادي وإداري جادّ يكشف الأسباب الحقيقية التي دفعت أسعار الأضاحي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، ويحدد المسؤوليات بعيداً عن لغة التبرير والالتفاف؟، لقد عاش آلاف المواطنين هذا العام مفارقة مؤلمة؛ منهم من امتلك المال لكنه لم يجد الأضحية المناسبة، ومنهم من اضطر إلى الاقتراض أو استنزاف مدخراته حتى لا يحرم أبناءه من شعيرة ارتبطت في الوجدان المغربي بمعاني الفرح والتكافل والكرامة. غير أن الأسواق، بدل أن تكون فضاءً للطمأنينة والتوازن، تحولت إلى ساحة للفوضى والمضاربات والاحتكار، في ظل ارتفاع مهول للأسعار أربك الأسر المغربية وأدخلها في دوامة من القلق والاحتقان الاجتماعي.

ولا يختلف اثنان في أن الظروف الموضوعية لعبت دوراً أساسياً في هذه الأزمة؛ فسنوات الجفاف المتتالية أثّرت بشكل مباشر على القطيع الوطني، كما أن ارتفاع تكلفة الأعلاف والنقل والإنتاج ساهم بدوره في تضخم الأسعار. غير أن هذه المعطيات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير ما وقع. فالمشهد كشف أيضاً عن تمدد خطير لاقتصاد المضاربة، وعن حضور قوي لما يعرف في الوعي الشعبي بـ”الشناقة”، الذين حولوا المناسبة الدينية إلى موسم للربح السريع والجشع المفرط، مستغلين ضعف المراقبة وغياب الصرامة في ضبط الأسواق. لقد أصبح من الضروري اليوم إجراء تحليل دقيق وعميق لسلاسل التوزيع والعرض، والبحث في مكامن الخلل التي جعلت الإجراءات الاستباقية والدعم الذي خصص للقطاع عاجزين عن تحقيق أثر ملموس على أرض الواقع. فالدعم العمومي لا يمكن أن يتحول إلى امتياز لفئات محدودة تستفيد من الريع والمضاربة، بينما يبقى المواطن البسيط وحيداً في مواجهة الأسعار الملتهبة. كما أن الحديث عن “تحسن العرض” و”وفرة الأضاحي” لم يكن يجد صداه الحقيقي داخل الأسواق الشعبية التي كانت تعيش حالة اختناق واضحة.

وإذا كانت الحكومة مطالبة اليوم بالمحاسبة والتقييم، فإنها مطالبة أيضاً بالإنصات الحقيقي إلى نبض الشارع، لا الاكتفاء بمتابعة المؤشرات الرقمية أو الاكتفاء بمنشورات التواصل الاجتماعي والخرجات الإعلامية المعلبة. فالمواطن المغربي لم يعد يبحث عن خطابات مطمئنة بقدر ما يبحث عن مسؤول يشعر بمعاناته، ويتحدث بلغة الواقع لا بلغة الأبراج العاجية. هناك فجوة آخذة في الاتساع بين الخطاب الرسمي وما يعيشه الناس يومياً، وهذه الفجوة لا يمكن ردمها بالشعارات أو بالتسويق السياسي، بل بالفعل الميداني والإرادة الصادقة. إن ما وقع خلال هذا الموسم أعاد إلى الواجهة سؤال الحكامة والعدالة الاجتماعية، وكشف أن فئات واسعة من المواطنين باتت تشعر بأن صوتها لا يصل، وأن معاناتها تُختزل أحياناً في أرقام وتقارير لا تعكس حقيقة الألم الذي يعيشه المواطن البسيط. ولذلك، فإن أي تقييم جدي لهذا الموسم يجب أن ينطلق من مساءلة واضحة، من المستفيد من هذا الارتفاع الجنوني للأسعار؟ ومن سمح بتغول الوسطاء والمضاربين؟ وأين كانت أجهزة المراقبة والزجر حين تحولت الأسواق إلى فضاءات مفتوحة للابتزاز؟

ولا يقتصر الأمر على الجانب الحكومي وحده، وإنما يفرض أيضاً إطلاق حملات وطنية للتوعية وترشيد السلوك الاستهلاكي، خاصة في ظل ظاهرة التهافت على الشراء خلال الأيام الأخيرة قبل العيد، وهو ما يمنح المضاربين فرصة إضافية للتحكم في الأسعار. كما أن التصدي للوسطاء الموسميين بات ضرورة ملحة، لأن جزءاً كبيراً من الأزمة يرتبط بجشع فئات تستغل المناسبات الدينية لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب البسطاء. إن المغاربة اليوم لا يريدون مسؤولين يجيدون لغة البلاغات الجافة أو التصريحات المستفزة، بقدر ما يريدون رجال دولة يشعرون بثقل المسؤولية الأخلاقية والسياسية. يريدون حكومة تنزل إلى الواقع، وتدرك أن المواطن الذي أنهكته تكاليف المعيشة لم يعد يحتمل المزيد من التبرير أو الاستعلاء. فالكلمات التي تحمل التدليس أو الاستخفاف بعقول الناس لا تزيد الوضع إلا احتقاناً، وتعمق فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات.

لقد آن الأوان لأن تتحول المحاسبة من شعار موسمي إلى ممارسة فعلية، وأن يصبح حماية المواطن أولوية حقيقية لا مجرد مادة للاستهلاك الإعلامي. فكرامة الناس ليست تفصيلاً ثانوياً، والقدرة الشرائية ليست رقماً عابراً في تقارير الاقتصاد، إنما هي معيار أساسي لقياس صدقية السياسات العمومية ومدى قرب المسؤول من هموم شعبه ، ولعلّ الانتخابات الوشيكة قد تتحول إلى لحظة حاسمة لمحاسبة حكومة أخنوش، ومعها كل الوجوه التي ارتبطت في وعي المواطنين بسياسات أرهقت البلاد وأثقلت كاهل العباد. فالمغاربة الذين صبروا طويلاً على غلاء المعيشة، وارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، باتوا أكثر وعياً بأن صناديق الاقتراع ليست مجرد إجراء إداري، بل وسيلة ديمقراطية للتعبير عن الغضب الشعبي، وإعادة ترتيب المشهد السياسي على أساس المسؤولية والمحاسبة.

لقد أدرك المواطن البسيط أن العزوف عن المشاركة لا يخدم إلا استمرار نفس النخب التي راكمت الامتيازات، واستفادت من هشاشة الواقع الاجتماعي والاقتصادي. ولذلك، تبدو المشاركة الكثيفة في الانتخابات المقبلة ضرورة وطنية وأخلاقية، ليس فقط لتغيير الوجوه، بل أيضاً لقطع الطريق أمام كل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي التي أضعفت الثقة في المؤسسات، وعمّقت الإحساس بالإقصاء والتهميش. إن الشعوب تُقهر حين تفقد الإحساس بأن صوتها قادر على التأثير والتغيير، والرهان الحقيقي اليوم يتمثل في استعادة المواطن لثقته في الفعل الديمقراطي، وتحويل صناديق الاقتراع إلى رسالة واضحة مفادها أن زمن الإفلات من المحاسبة لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فكل مسؤول تجاهل معاناة الناس، أو تعامل مع همومهم بكثير من البرود والاستعلاء، يجب أن يدرك أن الذاكرة الشعبية لا تنسى، وأن المواطن الذي صمت تحت ضغط الحاجة قد يتكلم يوم الانتخابات بلغة أكثر قوة ووضوحاً.

غير أن التغيير المنشود يتحقق بوعي جماعي يرفض شراء الذمم، ويقاوم الاستغلال الانتخابي للفقر والهشاشة. فالمعركة الحقيقية ليست فقط ضد أشخاص بعينهم، وإنما ضد ثقافة سياسية كرّست الريع والمحاباة، وأضعفت قيم الكفاءة والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة. إن المغرب في حاجة اليوم إلى نفس جديد، وإلى مسؤولين يشعرون بأن السياسة خدمة للمواطن لا وسيلة للاغتناء أو التسلط. كما أن البلاد تحتاج إلى نخب قادرة على الإنصات لصوت الشارع، والتعامل مع المواطنين بكرامة واحترام، بعيداً عن لغة التبرير والخطابات المتعالية التي عمّقت الفجوة بين السلطة والمجتمع. وقد تكون الانتخابات المقبلة فرصة حقيقية لإعادة التوازن إلى الحياة السياسية، وإرسال رسالة قوية مفادها أن الشعب، مهما طال صبره، يظل قادراً على معاقبة كل من أساء إلى مصالحه، وأن الإرادة الشعبية حين تستيقظ تصبح أقوى من كل مظاهر الفساد والهيمنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى