“أطياف فاس: تجسيد اللون والذاكرة”في الملتقى الوطني الثامن للفنون التشكيلية

تستعد مدينة فاس لاحتضان تظاهرة فنية وطنية بارزة، حيث يلتقي الإبداع التشكيلي بعمق التاريخ في فعاليات الملتقى الوطني الثامن للفنون التشكيلية، الذي تنظمه جمعية التشكيليين المتحدين بفاس، خلال الفترة الممتدة من 24 أبريل/نيسان الجاري إلى 2 ما/ ايار الوشيك 2026، برواق الزيتون بمدار عين عمير.(الواقع بجانب مطعم دار الحوت)، فعاليات هذه الدورة، في فضاء يجمع بين لمسات الحداثة وروح الأصالة المغربية، ما يمنح الأعمال المعروضة بعدًا جماليًا إضافيًا ينسجم مع الطابع السياحي والثقافي للمنطقة، ويعزز تجربة التلقي لدى الزوار يحمل الملتقى هذا العام شعار “أطياف فاس: تجسيد اللون والذاكرة”، وهو اختيار دلالي يفتح أفقًا بصريًا يتجاوز الحدود الجغرافية، ليقيم جسورًا جمالية بين روح فاس ذات الامتداد الأندلسي وإيقاعات الفن المتوسطي المعاصر، ويحمل دلالية مركّبة تستحضر تلاقي البصري بالتاريخي في صياغة جمالية معاصرة. فـ”الأطياف” تشير إلى تعددية التعبيرات الفنية وتنوع المقاربات التشكيلية التي تتقاطع داخل فضاء واحد، حيث يتجاور التجريد مع التعبير، وتتناغم الرؤى الفردية في نسيج بصري غني. أما “فاس” فتمثل خزّانًا رمزيًا للذاكرة المغربية، بما تختزنه من إرث حضاري وروحي عميق. ويأتي “تجسيد اللون والذاكرة” ليؤكد على قدرة اللون في استحضار الماضي وإعادة تشكيله بصيغ حديثة، تجعل من العمل الفني وسيطًا حيًا بين الذاكرة الجماعية والحس الإبداعي الراهن، وعلى تنوع التجارب والمدارس الفنية المشاركة، فيما تستدعي “الذاكرة” المخزون الثقافي والحضاري الذي يستلهم منه الفنانون أعمالهم، في صياغات بصرية تتراوح بين التجريد والتعبير.

كما يقدم الملتقى برنامجًا متنوعًا يزاوج بين العرض الفني والتفكير الجمالي، حيث يشمل تنظيم معرض جماعي يضم لوحات لنخبة من الفنانين التشكيليين القادمين من مختلف مدن المملكة، ويتعلق الأمر بالفنانين: بطحة مصطفى، الذباب علي، فؤاد اشويبة، الشرايبي جمال الدين، فدوى الحلوي، فتيحة بنمزكي، المراحي عمر، هيلالي عبد القادر، بلحرش محمد، فوزية السعيدي، امال بوطالب، علوي مدني خديجة، نادية جنان، مريم الانصاري من فاس، طلحة عبد العزيز من المحمدية، عبادي نادية من القنيطرة، حفيظة ابودرار من الصويرة، العربي المدني من تيفلت، فؤاد البركمي من الدارالبيضاء، الكوندي محمد من مكناس، العلامي محمد من الخنيفرة. في تنوع يعكس ثراء الساحة التشكيلية المغربية. كما يتضمن البرنامج جلسة فكرية وفنية تتمحور حول شعار الدورة، تتيح فضاءً للحوار وتبادل الرؤى حول علاقة اللون بالذاكرة، وكيفية تجسيدها في العمل التشكيلي المعاصر.

وفي تصريح للجنة المنظمة، أكدت على أن “الملتقى يتجاوز كونه معرضًا تقليديًا للأعمال الفنية، ليشكل دعوة مفتوحة إلى عوالم لونية تستحضر التاريخ وتعيد تشكيله بصريًا”. مشيرة إلى أن “اختيار فاس مرجعية للشعار نابع من مكانتها كخزان للذاكرة البصرية المغربية، حيث تتقاطع فيها الحرفية التقليدية مع الإبداع المعاصر، ما يمنحها حضورًا رمزيًا في وجدان الفنانين”.وأضافت ” نقل هذا العبق الفني إلى رواق الزيتون يهدف إلى خلق حوار بصري متجدد، يجمع بين الداخل والخارج، وبين الفنان والمتلقي، في تجربة فنية تسعى إلى إعادة اكتشاف الذاكرة عبر وسائط اللون والتشكيل.

يُعدّ هذا الملتقى محطةً ثقافية وازنة ضمن الأجندة الفنية الوطنية، بالنظر إلى ما يتيحه من فضاء رحب للتلاقي الخلّاق بين الفنانين والنقّاد والمهتمين بالشأن التشكيلي، في سياق تتقاطع فيه الرؤى وتتفاعل فيه التجارب. فهو لا يقتصر على عرض الأعمال الفنية في بعدها الجمالي، وإنما ينهض بدورٍ محوري في تحفيز الحوار النقدي وتبادل الخبرات، بما يعزز دينامية الإبداع ويواكب التحولات التي يشهدها الفن المعاصر.كما يشكّل الملتقى منصة نوعية لعرض تجارب تشكيلية متعددة المشارب، تعكس غنى المشهد الفني المغربي وتنوع مرجعياته البصرية والثقافية، حيث تتجاور الأساليب وتتجاوب الحساسيات الفنية في مشهد يبرز حيوية هذا الحقل الإبداعي. ومن خلال هذا التفاعل، يسهم الحدث في ترسيخ حضور الفن التشكيلي المغربي، عبر توسيع آفاقه وتعزيز إشعاعه داخل الوطن وخارجه، في أفق بناء جسور تواصل مع تجارب دولية وإدماج الإبداع المحلي ضمن الحراك الفني العالمي، بما يرسّخ مكانته ويمنحه أبعادًا أكثر انفتاحًا وتجدّدًا.

سعيد العفاسي: صحافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى