بين الرواية التاريخية والجدل السياسي: هل اقترح علال الفاسي على محمد بن عبد الكريم الخطابي توليه حكم المغرب بدل السلطان محمد الخامس؟


يشير المؤرخ المغربي زكي مبارك في مذكراته التي نشرتها صحيفة “صحيفة “المساء” المغربية عام 2015 إلى رواية تاريخية مثيرة للجدل تتعلق بمرحلة دقيقة من تاريخ المغرب الحديث. فقد كشف أن “الزعيم الوطني علال الفاسي، مؤسس حزب الاستقلال، تقدم خلال مطلع خمسينيات القرن العشرين باقتراح إلى قائد المقاومة الريفية محمد بن عبد الكريم الخطابي يقضي بتوليه حكم المغرب بدل السلطان محمد الخامس. غير أن الخطابي”، وفق ما يورده مبارك، رفض هذا المقترح رفضًا قاطعًا. ويؤكد مبارك في تصريحات إعلامية سابقة أنه يعتمد في روايته على مجموعة من الوثائق المرتبطة بتاريخ جيش التحرير المغربي. وقد حصل على هذه الوثائق سنة 1969 من أحد الفاعلين في الحركة الوطنية، وهو عبد الله الصنهاجي، وذلك خلال فترة دراسته في فرنسا. وقد شكلت هذه الوثائق مادة أساسية مكّنته لاحقًا من إنجاز أطروحته للدكتوراه عام 1973 حول موضوع: “حركات المعارضة في المغرب من المقاومة إلى جيش التحرير”، حيث حاول من خلالها إعادة قراءة مسار الكفاح الوطني المغربي في ضوء معطيات أرشيفية جديدة.
وتضع هذه الرواية المقترحة في سياق تاريخي بالغ الحساسية. ففي بداية الخمسينيات كانت سلطات الحماية الفرنسية في المغرب تعيش أزمة متفاقمة مع السلطان محمد الخامس، الذي أصبح يمثل رمزًا متزايدًا للمقاومة الوطنية ولتطلعات المغاربة إلى الاستقلال. وفي ظل تصاعد التوتر بين القصر والسلطات الاستعمارية، بدأت الإدارة الفرنسية تبحث عن بديل يمكن أن يحظى بقدر من الشرعية السياسية أو الشعبية لتوليه العرش في حال الإقدام على عزل السلطان. وفي هذا الإطار يذكر زكي مبارك أن علال الفاسي، الذي كان يُنظر إليه آنذاك كأحد أبرز زعماء الحركة الوطنية، توجه بمبادرة إلى محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي كان يقيم في المنفى بمصر منذ نهاية حرب الريف. ويقول إن “علال الفاسي عرض على الخطابي فكرة تولي حكم المغرب”، بل ذهب – بحسب الرواية نفسها – إلى “اقتراح صيغة لتقاسم النفوذ بينه وبين الفرنسيين بعد إزاحة السلطان محمد الخامس”.
غير أن الخطابي لم يُبد أي استعداد لقبول هذا العرض. فقد كان متمسكًا، وفق ما يرويه مبارك، بموقفه الرافض لأي تسوية مع سلطات الاستعمار، ومؤمنًا بأن التحرر الوطني لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الكفاح المسلح الشامل. وكان هذا الموقف منسجمًا مع رؤيته الاستراتيجية التي لم تكن تقتصر على المغرب وحده، بل كانت تتجاوز حدوده لتشمل فضاء المغرب العربي بأكمله. ففي يناير سنة 1948 بادر الخطابي إلى تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي، وهي هيئة ضمت شخصيات وطنية من المغرب والجزائر وتونس، وعكست توجهه الوحدوي في مواجهة الاستعمار الفرنسي. وقد سعت هذه اللجنة إلى تنسيق الجهود السياسية والعسكرية بين الحركات التحررية في البلدان الثلاثة، بهدف إضعاف الوجود الاستعماري في المنطقة. وفي سياق هذا المشروع الوحدوي وضع الخطابي في الخامس من مارس سنة 1949 ما عُرف بـ«خطة حرب التحرير»، وهي تصور استراتيجي كان يهدف إلى إطلاق عمليات مسلحة متزامنة ضد فرنسا في المغرب والجزائر وتونس. وتشير المصادر إلى أنه كان يجري مشاورات مكثفة مع قادة الحركة الوطنية في البلدان الثلاثة من أجل تهيئة الظروف الملائمة لتنفيذ هذه الخطة، التي كانت ترمي إلى تحويل الكفاح الوطني إلى حرب تحرير إقليمية واسعة.
ومن جهة أخرى، تكشف هذه الرواية أيضًا عن طبيعة العلاقة المتوترة التي كانت قائمة بين الخطابي وعلال الفاسي. فقد كان الرجلان يمثلان اتجاهين مختلفين داخل الحركة الوطنية المغربية. فالخطابي كان مقتنعًا بأن طرد المستعمر لا يمكن أن يتم إلا بالقوة المسلحة، مستندًا إلى تجربته في قيادة حرب الريف ضد الاستعمار الإسباني والفرنسي في عشرينيات القرن العشرين. في المقابل كان علال الفاسي، شأنه شأن عدد من قادة الحركة الوطنية، يميل إلى خيار النضال السياسي والتفاوض مع سلطات الحماية من أجل الوصول إلى الاستقلال بوسائل سلمية وتدريجية. ومع ذلك، تبقى هذه الرواية التاريخية موضع نقاش بين الباحثين والمؤرخين. فالمعطيات التي قدمها زكي مبارك تعتمد أساسًا على وثائق خاصة لم تُنشر على نطاق واسع، وهو ما يجعل من الصعب التحقق من دقتها بشكل نهائي. كما أن غياب شهادات أخرى متقاطعة حول هذه الواقعة يزيد من تعقيد مهمة المؤرخين في تقييمها.
ولهذا يرى مبارك نفسه أن الطريق الأنجع لكشف حقيقة هذه المرحلة يظل مرتبطًا بنشر مذكرات محمد بن عبد الكريم الخطابي. ويؤكد أن هذه المذكرات كتبها الخطابي خلال حياته، وأنها تحتوي – على الأرجح – على تفاصيل مهمة حول علاقاته بالقوى السياسية المغربية ومواقفه من مختلف الأحداث التي شهدتها تلك الفترة. غير أن عائلة الخطابي، بحسب ما يذكره مبارك، ما تزال ترفض نشر هذه المذكرات حتى اليوم، الأمر الذي يترك جانبًا مهمًا من تاريخ المغرب المعاصر محجوبًا عن الباحثين والرأي العام. وهكذا تبقى هذه الرواية جزءًا من الأسئلة المفتوحة في تاريخ الحركة الوطنية المغربية، في انتظار ما قد تكشفه الوثائق والأرشيفات المستقبلية من معطيات جديدة قادرة على إضاءة هذا الفصل المعقد من تاريخ المغرب الحديث.
يظل التحقق من دقة التصريحات التي أوردها المؤرخ المغربي زكي مبارك أمرًا بالغ الصعوبة في ظل غياب وثائق منشورة أو شهادات تاريخية متقاطعة تؤكد هذه الرواية أو تدحضها بشكل قاطع. فالكثير من تفاصيل تلك المرحلة الحساسة من تاريخ المغرب ما يزال حبيس الأرشيفات الخاصة أو الروايات الشفوية، الأمر الذي يجعل بعض الوقائع عرضة للتأويل والاختلاف بين الباحثين والمؤرخين. ومن ثم فإن إعادة بناء صورة دقيقة لتلك الأحداث تظل رهينة بظهور مصادر تاريخية جديدة أو إتاحة الوثائق التي ما تزال خارج التداول الأكاديمي. وفي هذا السياق، يرى زكي مبارك أن “نشر مذكرات قائد المقاومة الريفية محمد بن عبد الكريم الخطابي قد يشكل مدخلًا أساسياً لكشف جانب مهم من ملابسات تلك المرحلة”. فهذه المذكرات، بحسب ما يؤكد مبارك، كتبها الخطابي بنفسه خلال فترة حياته، وتتضمن – على الأرجح – شهادته المباشرة حول عدد من القضايا السياسية والعلاقات التي ربطته بزعماء الحركة الوطنية خلال سنوات المنفى والصراع مع الاستعمار. غير أن هذه الوثائق ما تزال غير متاحة للباحثين، إذ تشير بعض الروايات إلى أن عائلة الخطابي تتحفظ على نشرها حتى الآن. ونتيجة لذلك يبقى جزء مهم من تاريخ المغرب المعاصر محاطًا بقدر من الغموض، في انتظار ما قد تكشفه هذه المذكرات إذا أُتيح لها أن ترى النور.
سعيد العفاسي/ صحافي

