“الآخرون هم الجحيم” بين فلسفة سارتر وأخلاقيات الغزالي وعمران بن خلدون: جدل الحرية والاعتراف في عصر التواصل الرقمي


سألني صديقٌ- ذات جلسة باذخة فكريا- عن المقولة الشهيرة للفيلسوف جان بول سارتر”الآخرون هم الجحيم”. بدت العبارة لأول وهلة صادمةً وقاسية، غير أن التأمل في أبعادها الفلسفية كشف لي أنها محاولة لفهم طبيعة العلاقة المعقدة بين الإنسان ونظرة الآخرين إليه، وليست دعوة إلى كراهية الناس، وقد ألقت هذه الإشكالية بي في لُجَّةٍ واسعة المعالم، تتقاطع فيها أسئلة الحرية والهوية والاعتراف والوجود. ومن خلال رحلةٍ في ثنايا الفكر الوجودي، اقتنصت بعض الخيوط التي تساعد على فهم مراد سارتر من هذه العبارة الملتبسة، فكان هذا المقال ثمرةً لذلك التأمل ومحاولةً للاقتراب من معناها العميق.
تُعَدُّ عبارة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر”الآخرون هم الجحيم” من أكثر العبارات الفلسفية إثارةً للجدل وسوء الفهم في تاريخ الفكر المعاصر، وقد وردت هذه العبارة في مسرحيته الشهيرة الأبواب المغلقة التي نُشرت سنة 1944، حيث جمع ثلاثة أشخاص في غرفة مغلقة ليكتشفوا أن عذابهم الحقيقي يتمثل وجودهم المستمر تحت نظرات بعضهم البعض وأحكامهم المتبادلة، وليس في النار أو أدوات التعذيب التقليدية، وقد فُهمت هذه العبارة عند كثيرين على أنها إعلان للحرب على الآخرين، أو دعوة إلى الانعزال والكراهية، أو اعتبار الإنسان عدواً لأخيه الإنسان. غير أن القراءة الفلسفية الدقيقة تكشف أن مقصود سارتر أبعد من ذلك وأكثر تعقيداً، إذ يتعلق بطبيعة العلاقة بين الذات والآخر، وبالقيود التي يفرضها الحكم الاجتماعي على حرية الإنسان. ومن هنا يثور السؤال: إلى أي مدى يمكن اعتبار قول سارتر سليماً ومقنعاً؟ وهل يؤدي اعتبار الآخر “جحيماً” إلى نفيه وعداوته، أم أن الأمر يتعلق بتشخيص فلسفي لمأزق الوجود الإنساني؟، ينطلق سارتر من فلسفته الوجودية التي تجعل الحرية جوهر الإنسان. فالإنسان، في نظره، لا يولد مزوداً بماهية جاهزة، ولكن يصنع نفسه من خلال أفعاله واختياراته. غير أن هذه الحرية تصطدم دائماً بوجود الآخرين الذين ينظرون إلينا ويصدرون أحكامهم علينا. وهنا تتحول الذات الحرة إلى موضوع في نظر الغير، فتفقد جزءاً من استقلالها. وقد شرح سارتر هذه الفكرة في كتابه الوجود والعدم عندما تحدث عن “نظرة الآخر” حيث يشعر الإنسان بأن وجوده أصبح محاصراً بصورة يرسمها له الغير، فيغدو أسيراً للتصنيفات والأحكام الاجتماعية.
إن الجحيم الذي يتحدث عنه سارتر ليس وجود الآخرين في حد ذاته، وإنما تحوّل الإنسان إلى موضوع خاضع لنظراتهم. فالآخر يملك قدرة هائلة على تشكيل صورتنا عن أنفسنا؛ إذ قد يحصرنا في صفة واحدة أو حكم نهائي، بينما نحن نرى أنفسنا كائنات مفتوحة على إمكانات متعددة. ولذلك يصبح الآخر مصدراً للقلق الوجودي، لأنه يهدد حريتنا ويجعلنا نعيش تحت سلطة التقييم المستمر. ومن هذه الزاوية تبدو مقولة سارتر سليمة إلى حد بعيد. فالخبرة الإنسانية اليومية تؤكد أن كثيراً من معاناة الأفراد تنبع من الخوف من أحكام الآخرين، ومن ضغط التوقعات الاجتماعية، ومن السعي الدائم إلى نيل الاعتراف أو القبول. فكم من إنسان عدل عن مشروعه خوفاً من النقد، وكم من مبدع كتم موهبته خشية السخرية، وكم من فرد عاش حياة لا يريدها إرضاءً للآخرين. وفي هذه الحالات يصبح الآخر بالفعل مصدراً للعذاب النفسي والاغتراب الذاتي. غير أن تعميم هذا الحكم على جميع العلاقات الإنسانية يبدو أمراً مبالغاً فيه. فالإنسان كائن لا يكتمل إلا بالآخر. وقد انتقد عدد من الفلاسفة النزعة الصراعية الكامنة في تصور سارتر للعلاقة الإنسانية. ومن أبرز هؤلاء الفيلسوف الألماني مارتن بوبر الذي بنى فلسفته على مفهوم “الأنا والأنت”. ففي كتابه “أنا وأنت” يرى أن العلاقة الأصيلة بين البشر ليست علاقة صراع أو تشييء، بل علاقة حوار واعتراف متبادل. فالذات لا تكتشف إنسانيتها إلا من خلال اللقاء الحقيقي بالآخر، لا من خلال الخوف منه أو مقاومته.
كما ذهب الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيناس إلى موقف أكثر راديكالية في الدفاع عن الآخر. فبينما رأى سارتر في الآخر تهديداً لحريتي، اعتبر ليفيناس أن وجه الآخر هو أصل الأخلاق ومنبع المسؤولية الإنسانية. فالإنسان لا يصبح أخلاقياً إلا عندما يستجيب لنداء الآخر ويعترف بكرامته. ولذلك فإن العلاقة مع الآخر(الغير) هي الشرط الضروري لبناء عالم إنساني قائم على العدالة والرحمة، وليست جحيماً كما حددها سارتر، ومن جهة أخرى، نجد عند الفيلسوف الألماني غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل تصوراً مختلفاً للعلاقة بين الذات والآخر. ففي جدلية “السيد والعبد” يبيّن أن الوعي لا يكتمل إلا عبر اعتراف متبادل بين الذوات. فالإنسان يحتاج إلى الآخر لكي يدرك ذاته ويؤكد وجوده. ومن ثم فإن الآخر شرط من شروط تحقق الوعي الإنساني نفسه. أما الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي فقد حاول تجاوز التوتر السارتري بين الأنا والغير، مؤكداً أن الإنسان يعيش في عالم مشترك تتداخل فيه الذوات وتتفاعل باستمرار. فالآخر ليس سجناً للذات، وإنما شريك في بناء المعنى والخبرة الإنسانية.
وعلى المستوى الأخلاقي، فإن اعتبار الآخر جحيماً إذا فُهم فهماً حرفياً يؤدي إلى نتائج خطيرة. إذ يمكن أن يتحول إلى مبرر للانعزال أو الشك الدائم أو العداء الاجتماعي. والحال أن الحضارة الإنسانية قامت على التعاون والتواصل والتكافل. فاللغة نفسها لا تُكتسب إلا بوجود الآخرين، والمعرفة تتطور بالحوار، والثقافة تتشكل بالتفاعل بين الذوات والجماعات. لذلك فإن نفي الآخر يعني في نهاية المطاف نفي جزء من إنسانيتنا. لكن من الإنصاف القول إن سارتر لم يكن يدعو إلى كراهية الآخرين أو إلغائهم. لقد كان يصف وضعاً وجودياً يعيشه الإنسان عندما تتحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات هيمنة وتشييء. فالمشكلة في نوع العلاقة التي نقيمها معه، لا تكمن في وجود الآخر، إلا إذا كانت العلاقة قائمة على السيطرة والحكم المسبق والاستلاب، فإن الآخر يغدو بالفعل جحيماً. أما إذا تأسست على الاحترام والاعتراف المتبادل والحوار، فإن الآخر يصبح مصدر غنى وتكامل. ومن هنا يمكن إعادة صياغة مقولة سارتر على نحو أكثر توازناً، ليس الآخرون هم الجحيم دائماً، قد يكون الجحيم كامناً في بعض أشكال علاقتنا بالآخرين. فكما يستطيع الغير أن يحاصر حريتنا، يستطيع أيضاً أن يفتح أمامنا آفاقاً جديدة للفهم والإبداع والمحبة. وكما يمكن أن يكون مصدر قهر، يمكن أن يكون مصدر خلاص. إن عبارة “الآخرون هم الجحيم” تحمل قدراً من الصدق الفلسفي عندما تُفهم في سياق نقد الضغوط الاجتماعية وسلطة نظرة الغير على الذات. غير أنها تصبح غير مقنعة إذا تحولت إلى حكم مطلق على جميع العلاقات الإنسانية. فالإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع أن يعيش أو يحقق ذاته في عزلة تامة. وقد بينت فلسفات الحوار والاعتراف والأخلاق أن الآخر ليس مجرد تهديد، هو أيضاً شرط أساسي لتحقيق الذات وبناء المعنى الإنساني. ولذلك فإن الحكمة في إقامة علاقة إنسانية متوازنة تجعل من الاختلاف مجالاً للتكامل، ومن التعددية أساساً للعيش المشترك، بحيث يكون الآخر شريكاً في رحلة الوجود الإنساني بكل ما تحمله من تعقيد وثراء، وليس جحيماً ولا فردوساً مطلقاً.
إذا كانت فلسفة سارتر قد نظرت إلى الآخر من زاوية التوتر الوجودي الناتج عن سلطة النظرة والحكم، فإن التراث الإسلامي قد قدّم تصوراً مختلفاً للعلاقة بين الأنا والغير، يقوم على مبدأ التعارف والتكامل الأخلاقي. فالإنسان في الرؤية الإسلامية ليس كائناً معزولاً يصنع ذاته في مواجهة الآخرين، وإنما هو جزء من شبكة من العلاقات الإنسانية التي تؤسسها قيم الاستخلاف والتعاون والتراحم. ومن ثم فإن وجود الآخر يُنظر إليه باعتباره شرطاً من شروط اكتمالها الروحي والاجتماعي، ولا يُنظر إليه بوصفه تهديداً للذات، ويبرز هذا التصور بوضوح في فكر الإمام أبو حامد الغزالي، الذي أولى عناية كبيرة لمسألة تهذيب النفس وضبط علاقتها بالناس. ففي مؤلفاته الأخلاقية، ولا سيما كتاب “إحياء علوم الدين”، يظهر الإنسان كائناً مدنياً بطبعه، لا يستغني عن غيره في شؤون دينه ودنياه. غير أن الغزالي كان واعياً أيضاً بالمخاطر التي تنشأ من تعلق الإنسان المفرط بأحكام الآخرين. فقد حذر من الرياء وحب الجاه وطلب المنزلة في قلوب الناس، ورأى أن انشغال المرء المستمر بنظرة الآخرين إليه قد يفسد إخلاصه ويقيده بأغلال الوهم الاجتماعي. وهنا يمكن ملاحظة تقاطع دقيق بين الغزالي وسارتر. فكلاهما أدرك أن نظرة الغير تملك قوة هائلة في تشكيل السلوك الإنساني. غير أن الفرق الجوهري بينهما يتمثل في طبيعة الحل المقترح. فسارتر رأى في هذه النظرة تهديداً وجودياً للحرية الفردية، بينما اعتبرها الغزالي امتحاناً أخلاقياً يمكن تجاوزه عبر تزكية النفس وتحريرها من التعلق بثناء الناس أو ذمهم. فالآخر عند الغزالي ليس جحيماً في ذاته، وإنما يصبح كذلك عندما يتحول إلى صنم نفسي يستعبد الإنسان ويحرمه من صدقه مع نفسه وربه.
أما عند ابن خلدون، فإن العلاقة بالآخر تأخذ بعداً اجتماعياً وحضارياً أكثر وضوحاً. فقد انطلق من مبدأ شهير مفاده أن “الإنسان مدني بالطبع”، أي أنه لا يستطيع أن يعيش منفرداً أو يحقق حاجاته بمعزل عن الجماعة. ومن هذا المنطلق تصبح العلاقة مع الآخرين ضرورة وجودية وليست مجرد اختيار. فالعمران البشري لا يقوم إلا بالتعاون وتقسيم العمل والتكافل بين الأفراد والجماعات. ولذلك فإن بن خلدون يقدم رؤية تكاد تكون نقيضاً للقراءة المتطرفة لعبارة سارتر. فالآخر ليس مصدر الجحيم، هو شرط العمران وسبب قيام الحضارات. غير أن بن خلدون لم يغفل الجانب الصراعي في العلاقات الإنسانية؛ إذ تحدث عن المنافسة على السلطة والنفوذ، وعن العصبيات المتصارعة، وعن النزوع البشري إلى التغلب. ومن ثم فإن فكره يجمع بين الاعتراف بأهمية الآخر والوعي بإمكان تحوله إلى مصدر للنزاع والصراع. وهكذا تبدو رؤيته أكثر توازناً بين الحاجة إلى الغير والحذر من آثار التنافس الإنساني.
وإذا انتقلنا من السياق الفلسفي الكلاسيكي إلى عالم اليوم، وجدنا أن مقولة سارتر تكتسب دلالات جديدة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فهذه الوسائل لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت فضاءات ضخمة لإنتاج الصور والانطباعات والأحكام المتبادلة. لقد تحولت “نظرة الآخر” التي تحدث عنها سارتر إلى ظاهرة رقمية مستمرة، ترافق الإنسان في كل لحظة من حياته تقريباً. ففي الماضي كانت أحكام الآخرين محدودة بالمحيط الاجتماعي المباشر، أما اليوم فإن الفرد يجد نفسه أمام جمهور واسع وغير مرئي، يراقب منشوراته وصوره وآراءه، ويمنحه الإعجاب أو النقد أو التجاهل. وبذلك أصبح الإنسان يعيش تحت سلطة تقييم دائم، لا يختلف كثيراً عما وصفه سارتر من شعور بالانكشاف أمام أعين الغير. وتتجلى هذه الظاهرة في السعي المحموم إلى تحصيل الإعجابات والمتابعات والتفاعلات. فكثير من المستخدمين باتوا يقيسون قيمتهم الذاتية بمقدار ما يحصلون عليه من اعتراف رقمي. وقد أدى ذلك إلى تنامي أشكال جديدة من القلق النفسي والشعور بعدم الكفاية والمقارنة المستمرة بالآخرين. وهنا تبدو مقولة “«”الآخرون هم الجحيم”»” أكثر راهنية من أي وقت مضى، لأن الإنسان المعاصر أصبح يعيش داخل شبكة كثيفة من النظرات والأحكام التي لا تتوقف. غير أن الوجه الآخر لهذه الوسائط يكشف محدودية التصور السارتري نفسه. فوسائل التواصل الاجتماعي فضاءات للتضامن والمعرفة والتعاون، وفضاءات للرقابة، فمن خلالها تتشكل جماعات الدعم، وتتبادل الخبرات، وتُبنى الجسور بين الثقافات المختلفة. وبذلك يتأكد أن الآخر لا يمثل دائماً مصدراً للقهر أو الاغتراب، بل قد يكون وسيلة للتحرر والانفتاح واكتشاف الذات.
ومن هنا يمكن القول إن التجربة الرقمية المعاصرة تعيد طرح السؤال الفلسفي القديم حول طبيعة العلاقة بالغير. فإذا استسلم الإنسان بالكامل لسلطة التقييم الاجتماعي، سواء كان واقعياً أو افتراضياً، فإنه يقع في الفخ الذي وصفه سارتر. أما إذا حافظ على استقلاله الداخلي دون أن يقطع صلته بالآخرين، فإنه يحقق نوعاً من التوازن بين الحرية الفردية والانتماء الجماعي. وهكذا يتبين أن التصور الإسلامي، عند الغزالي وبن خلدون، يقدم بديلاً أكثر اعتدالاً من الرؤية الوجودية المتشائمة. فهو لا ينكر ما قد ينشأ عن العلاقة بالآخر من ضغوط ومنافسات، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الإنسان لا يكتمل إلا بالعيش المشترك والتعاون والتعارف. وبذلك يغدو الآخر شريكاً في بناء الذات لا سجناً لها، ومجالاً للاختبار الأخلاقي والحضاري لا مصدراً دائماً للجحيم. ولعل التحدي الحقيقي في عصرنا الرقمي يتمثل في القدرة على الاستفادة من حضور الآخرين دون الوقوع تحت هيمنة أحكامهم، وعلى بناء هوية متوازنة تجمع بين الحرية والمسؤولية، وبين الاستقلال والانفتاح على الغير.

