النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية بالمغرب: حكامة الموارد الطبيعية ورهانات التنمية المستدامة

شكّل اعتماد المغرب، منذ عام 2013، لنموذج تنموي جديد بالأقاليم الجنوبية منعطفاً نوعياً في مقاربة تدبير الثروات الطبيعية وتوظيفها في خدمة التنمية الترابية المستدامة. فقد جاء هذا النموذج ثمرة رؤية استراتيجية متكاملة تروم الانتقال من منطق الاستغلال الظرفي للموارد إلى منطق الحكامة الرشيدة القائمة على العدالة المجالية، والاستثمار المنتج، وضمان حقوق الأجيال المقبلة. واستندت هذه الرؤية إلى التصور الذي بلوره المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مستلهماً جملة من المبادئ والممارسات الدولية الفضلى في مجال إدارة الموارد الطبيعية، بما يجعلها رافعة للتنمية البشرية ومكوناً أساسياً في مشروع الحكم الذاتي الذي تقترحه المملكة لتدبير شؤون أقاليمها الجنوبية. وينبني هذا النموذج على منظومة متماسكة من المبادئ المؤطرة التي تسعى إلى إرساء علاقة جديدة بين الإنسان والمجال والثروة. ويأتي في مقدمة هذه المبادئ اعتماد التشاور بوصفه آلية جوهرية لصناعة القرار التنموي، حيث يُنظر إلى السكان المحليين باعتبارهم شركاء فعليين في تحديد سبل استثمار الموارد الطبيعية وتوجيه عائداتها. فالثروة- وفق هذه المقاربة- مخزون اقتصادي قابل للاستخراج، ورأسمال جماعي ينبغي أن يخضع لتدبير تشاركي يضمن الانسجام بين متطلبات التنمية وتطلعات الساكنة.

أما المبدأ الثاني فيتمثل في جعل العائدات المتأتية من عمليات الاستكشاف والاستخراج والتحويل والتسويق أداة مباشرة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة. فالغاية من استثمار الموارد تمتد لتشمل بناء البنيات التحتية، وتطوير الخدمات الأساسية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز شروط العيش الكريم، ولا تقتصر على تحقيق المردودية المالية، ومن ثمّ تصبح الثروة الطبيعية وسيلة لإنتاج التنمية لا غاية في ذاتها، وجسراً لردم الفوارق وتحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي. ويقوم المبدأ الثالث على استحضار البعد الاستراتيجي للموارد الطبيعية باعتبارها أمانة بين الأجيال. فالحكامة الرشيدة لا تُقاس فقط بما تحققه من مكاسب آنية، وإنما كذلك بقدرتها على ضمان استدامة الموارد وصون حقوق الأجيال المقبلة فيها. ومن هذا المنطلق، تم اعتماد منظومة دقيقة من دفاتر التحملات والالتزامات القانونية والتنظيمية التي تحدد حقوق المستفيدين وواجباتهم، وتفرض معايير صارمة للحفاظ على التوازنات البيئية والاقتصادية، بما يضمن إعادة إنتاج الثروة واستمرار مردوديتها على المدى البعيد.

أما المبدأ الرابع فيتمثل في القطع مع ثقافة الريع والامتيازات غير المنتجة، وتعويضها بمنطق الاستحقاق والمنافسة العادلة، فولوج الموارد الطبيعية واستثمارها لم يعد رهيناً باعتبارات الامتياز أو الاحتكار، أصبح مؤطراً بقواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، من خلال تعاقدات واضحة بين الدولة والجهات المعنية، وآليات قانونية تضمن المساواة بين الفاعلين الاقتصاديين وتخضع مختلف العمليات لمقتضيات المنافسة النزيهة. وقد أفضت هذه المبادئ مجتمعة إلى بلورة مناخ مؤسساتي جديد يقوم على الحكامة المسؤولة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويعتمد آليات دقيقة للتتبع والتقييم والمراقبة. حيث اصبح تدبير الموارد الطبيعية ممارسة مؤسساتية تستند إلى قواعد الشفافية والنجاعة والالتزام بالنتائج، وليس مجرد عملية اقتصادية، يبرز المجمع الشريف للفوسفاط باعتباره أحد أهم الفاعلين في تجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع، ولا سيما من خلال شركة فوسبوكراع التي تضطلع بدور محوري في استثمار الفوسفاط بالأقاليم الجنوبية. وتكتسي هذه التجربة دلالة خاصة بالنظر إلى أن الاحتياطات المتوفرة بالمنطقة لا تمثل سوى نسبة محدودة جداً من الاحتياطات الوطنية والعالمية، ومع ذلك فقد تحولت إلى رافعة تنموية ذات أثر ملموس على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.

وتجدر الإشارة إلى أن الدولة المغربية تضخ استثمارات في الأقاليم الجنوبية تفوق بأضعاف عديدة المداخيل المتأتية من الموارد المحلية، وهو ما يعكس منطقاً تنموياً قائماً على إعادة توزيع الثروة وتحويلها إلى مشاريع مهيكلة في مجالات النقل والطاقة والتجهيزات الأساسية والخدمات الاجتماعية. كما تتعزز هذه الدينامية باستمرار من خلال برامج تنموية واسعة النطاق تستهدف ترسيخ أسس التنمية المستدامة ورفع جاذبية المنطقة للاستثمار. ورغم التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف الاستخراج والصيانة في بيئة صحراوية تتسم بظروف مناخية قاسية، استطاعت “فوسبوكراع” أن تحقق تحولاً نوعياً في أدائها الاقتصادي، إذ انتقلت من وضعية العجز إلى تحقيق أرباح منتظمة منذ عام 2008. وتُنظر إلى هذه الأرباح باعتبارها مورداً يُعاد توظيفه في دعم التنمية المحلية وتعزيز المشاريع ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي، وليس غاية مالية مجردة. وعلى المستوى البيئي، تمثل تجربة “فوسبوكراع” نموذجاً متقدماً في الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر، حيث تعتمد بشكل شبه كامل على مصادر الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها محطة فم الواد الريحية. ويسهم هذا التوجه في الحد من الانبعاثات الكربونية وتقليص البصمة البيئية للأنشطة الصناعية، انسجاماً مع الرؤية الاستراتيجية للمجمع الشريف للفوسفاط الرامية إلى تحقيق الحياد الكربوني في أفق عام 2040.

أما البعد الاجتماعي، فيتجلى في كون الشركة تُعد من أكبر المشغلين بالمنطقة، مع أولوية واضحة لتشغيل الكفاءات المحلية. ويعكس ارتفاع نسبة العاملين المنحدرين من الجهة، إلى جانب اعتماد التوظيف المحلي في مختلف المناصب الجديدة، إرادة حقيقية لترسيخ الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للسكان. وقد تعزز هذا التوجه بإحداث مؤسسة “فوسبوكراع” عام 2014، التي اضطلعت بأدوار متعددة في مجالات التعليم والبحث العلمي وريادة الأعمال والتنمية المجتمعية، فضلاً عن دعم مشاريع مبتكرة في الفلاحة الصحراوية والاقتصاد الاجتماعي وتثمين الموروث الثقافي المحلي. ويتجسد الطموح التنموي أيضاً في مشروع تكنوبول فم الواد–العيون، الذي يمثل أحد أبرز المشاريع المعرفية بالمنطقة. فالمشروع يسعى إلى بناء منظومة متكاملة للبحث والابتكار والتكوين، ولا يقتصر على توفير بنية جامعية حديثة، بما يؤهل الأقاليم الجنوبية للتحول إلى قطب إقليمي للمعرفة والإبداع العلمي والتكنولوجي.

تندرج مختلف هذه المبادرات في إطار احترام صارم لمقتضيات القانون الدولي ومبادئه الناظمة لاستغلال الموارد الطبيعية، بما في ذلك الالتزامات المنبثقة عن ميثاق الأمم المتحدة والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن ثمّ يبرز النموذج المغربي باعتباره تجربة متفردة في الربط بين تدبير الموارد الطبيعية والتنمية المستدامة والحكامة الترابية، ويقدم مثالاً عملياً على كيفية تحويل الثروة الطبيعية إلى رافعة للاندماج الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي، في إطار مشروع سياسي وتنموي يزاوج بين الشرعية القانونية والنجاعة التنموية، ويستحق بذلك أن يحظى باهتمام الباحثين وصناع القرار في مختلف التجارب المقارنة المرتبطة بقضايا الحكم الذاتي وتدبير الموارد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى