وشهد شاهد من أهلها: بوعلام صنصال يفتح النار على السلطة الجزائرية، “المؤسسة العسكرية هي من صنعت عبد المجيد تبون”

عاد الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال إلى واجهة السجال السياسي والإعلامي بإطلاقه تصريحات حادّة اللهجة تجاه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ومنظومة الحكم في الجزائر، إذ أعلن على نحو لا لبس فيه أنه لا يقرّ للرجل بصفة الرئيس المنتخب، ويراه متصدّرًا لسدّة الحكم بإرادة المؤسسة العسكرية التي صنعت، في تقديره، مسار وصوله إلى السلطة وهيأت له أسباب البقاء فيها. كما كشف أنه كان يضمر، منذ بدايات محنته، التوجّه إلى مقاضاة الرئيس الجزائري على خلفية ما عدّه احتجازًا قسريًا واختطافًا سياسيًا، مؤكدًا أن ما تعرّض له لم يكن مجرد متابعة قضائية عادية، وإنما حلقة من سياق سياسي استهدف شخصه وجعله موضع تجاذبات تتجاوز حدود القضاء وأحكامه. في مقابلة أجرتها معه قناة سي نيوز الفرنسية، أوضح صنصال أن رفضه الاعتراف بشرعية تبون نابع من قناعة راسخة لديه بأن وصول الأخير إلى الحكم لم يكن ثمرة تنافس انتخابي حرّ أو تداول سياسي طبيعي، وإنما جاء في إطار ترتيبات نسجتها دوائر النفوذ المرتبطة بالمؤسسة العسكرية. وأضاف أن أسلوب إدارة الدولة، كما يراه، يحمل سمات الحكم السلطوي الذي يحتكر القرار ويضيّق دوائر المشاركة، الأمر الذي يجعله عاجزًا عن التسليم بشرعية السلطة القائمة أو الاعتراف بمخرجاتها السياسية.

وانتقل الكاتب إلى الحديث عن تجربته مع القضاء الجزائري، فرسم صورة قاتمة لما عاشه خلال فترة متابعته، مؤكدًا أنه كان يشعر بأنه رهينة سياسية أكثر منه متهمًا أمام محكمة. وقال إنه لم يُمكَّن، طوال مراحل القضية، من الاطلاع على أدلة واضحة أو معطيات ملموسة تثبت صحة الاتهامات التي وُجهت إليه، رغم جسامة تلك التهم وخطورتها. فقد تحدثت السلطات، بحسب روايته، عن ملفات تتصل بالإرهاب والتجسس والمس بأمن الدولة، غير أنها لم تعرض، في نظره، ما يكفي من القرائن والبراهين التي يمكن أن تسند تلك المزاعم أو تمنحها سندًا قانونيًا متينًا. ويرى صنصال أن قضيته كانت متشابكة مع اعتبارات سياسية ودبلوماسية أوسع نطاقًا، ولم تكن ذات طبيعة قضائية خالصة، وذهب إلى أن الأزمة التي كانت تعصف آنذاك بالعلاقات الجزائرية الفرنسية أسهمت في رسم ملامح ما جرى، معتبرًا أن السلطات الجزائرية كانت تبحث عن أوراق ضغط ومواقع تفاوض في خضم التوتر القائم مع باريس، فوجدت في ملفه عنصرًا قابلًا للتوظيف ضمن معادلات أكبر من شخصه وأبعد من حدود قضيته الفردية. وفي هذا السياق، وصف ما تعرّض له بأنه ضرب من «الوحشية السياسية»، معتبرًا أن ملفه استُخدم لتحقيق غايات تتجاوز شخص الكاتب إلى رهانات الصراع السياسي والدبلوماسي بين الدولتين. وأشار إلى أن قضيته تحولت، مع مرور الوقت، إلى عنوان بارز من عناوين الأزمة بين الجزائر وفرنسا، لا سيما بعد أن استقطبت اهتمامًا إعلاميًا واسعًا وأثارت نقاشًا سياسيًا وحقوقيًا داخل فرنسا وخارجها.

وتأتي هذه التصريحات امتدادًا لمواقف سبق لصنصال أن أعلنها عقب خروجه من السجن، حين أكد عزمه المضي في مسار مقاضاة الرئيس الجزائري وعدم التراجع عنه. وكان الكاتب قد أُفرج عنه بموجب عفو رئاسي صدر في شهر نوفمبر الماضي، بعد أن أمضى ما يقارب عامًا كاملًا خلف القضبان على خلفية تصريحات ومواقف أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية. ولم يُخفِ صنصال اعتقاده بأن الرئيس الجزائري يتحمل المسؤولية السياسية المباشرة عما آلت إليه قضيته، مشيرًا إلى أن التهم الثقيلة التي وُجهت إليه، وفي مقدمتها الإرهاب والتجسس والإضرار بأمن الدولة، استُعملت – وفق تقديره – استعمالًا تعسفيًا لا يستند إلى أسس قانونية راسخة. كما رأى أن الحكم الذي صدر في حقه والقاضي بسجنه خمس سنوات يعكس واقع الحريات العامة وحدود حرية التعبير في الجزائر، ويكشف طبيعة العلاقة المتوترة بين السلطة والأصوات الناقدة. وفي موازاة ذلك، كشف الكاتب الجزائري الفرنسي أن هيئة دفاعه شرعت بالفعل في إعداد ملف قانوني متكامل تمهيدًا لعرض القضية على هيئات قضائية دولية، موضحًا أن الأمر يتعلق باختيار التوقيت الذي يراه مناسبًا للانتقال إلى هذه المرحلة، وليس بالتراجع عن المعركة القانونية، وربط بين قضيته وقضايا أخرى ما تزال تثير جدلًا واسعًا داخل الجزائر، من بينها ملف الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، الذي أثارت متابعته القضائية انتقادات متكررة من منظمات حقوقية وإعلامية دولية.

وشدّد صنصال على أنه لم يحظَ، بحسب رؤيته، بالشروط التي تضمن محاكمة عادلة وفق المعايير المتعارف عليها دوليًا، معتبرًا أن الإجراءات التي خضع لها افتقرت إلى جملة من الضمانات الأساسية، سواء من حيث الشفافية أو تمكين الدفاع من أداء مهامه على الوجه الأكمل أو إتاحة الرقابة المستقلة على مجريات المحاكمة. ومن ثمّ، فإنه يرى في اللجوء إلى هيئات قضائية خارج الجزائر سبيلًا مشروعًا لمتابعة القضية وإثارة ما يعتبره اختلالات شابت مسارها. كما أبدى امتعاضه من الكيفية التي انتهت بها القضية، موضحًا أن الإفراج عنه عبر مساعٍ دبلوماسية لم يكن المسار الذي كان يفضله، إذ كان يأمل في مواجهة ما يصفه بتجاوزات السلطة عبر منازلة قضائية وسياسية مفتوحة. وأضاف أن قناعاته الفكرية والشخصية جعلته ينظر إلى ما جرى بوصفه جزءًا من مواجهة أوسع مع النظام الجزائري الذي لم يتوقف عن انتقاده بصورة علنية على امتداد السنوات الماضية.

ويُعد بوعلام صنصال، الذي بلغ الثمانين من عمره، واحدًا من أبرز الأسماء الأدبية والفكرية في الجزائر المعاصرة. وقد اشتهر بمواقفه النقدية الحادة تجاه السلطة وبآرائه المثيرة للجدل في قضايا تاريخية وسياسية شائكة. كما أثارت تصريحاته المتعلقة ببعض الملفات الحدودية والتاريخية، ومنها قضية الصحراء الشرقية، نقاشات واسعة وردود فعل متباينة، انتهت إلى متابعته قضائيًا والحكم عليه بالسجن قبل أن يشمله عفو رئاسي. واليوم يعود اسمه مجددًا إلى صدارة النقاش السياسي والإعلامي، بعد تصريحات جديدة أعادت فتح ملف علاقته المتوترة بالسلطات الجزائرية وأحيت جدلًا لم يخمد أواره بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى