من أبواب الرفض إلى منصات المجد: الرحلة الملهمة للدولي المغربي إسماعيل صيباري


قبل أن يستوي إسماعيل صيباري عَلَماً من أعلام الكرة المغربية الحديثة، ونجماً متلألئاً في سماء نادي بي إس في آيندهوفن الهولندي، لم يكن سبيله إلى الذرى معبَّداً بالرَّياحين، ولا مفروشاً بوشي السعادة والهناء، كان طريقاً وعرَ المسالك، كثيرَ العثار، محفوفاً بالمحن والابتلاءات. أبصر صيباري النور في الديار الإسبانية داخل أسرة مغربية بسيطة الحال، محدودة ذات اليد، فوجد نفسه منذ نعومة أظفاره في مواجهة محنة لم تكن تمتّ إلى كرة القدم بصلة. فقد وُلِد بعِلّةٍ خَلْقية أعاقت خطاه الأولى، وجعلت الوقوف والمشي أمراً عسيراً عليه، حتى اضطر إلى ارتداء جهازٍ للتقويم ردحاً من الزمن جاوز العام، ليستقيم عوده وتستوي قامته على سنن الأسوياء. وقد استعاد تلك الأيام قائلاً إن الأمر يومئذٍ لم يكن يتعلق بحلم الاحتراف أو الشهرة، بل كان منصبّاً على القدرة على السير كسائر الأطفال.
وما إن انقشعت غمامة العجز، واستوت قدماه على الأرض، حتى استبدّت به كرة القدم واستأثرت بوجدانه. ففي السادسة من عمره انخرط في أحد الأندية المحلية بمدينة تيراسا في إقليم كتالونيا، يحمل في صدره أمنية غضّة بأن يرتدي يوماً قميص برشلونة، غير أن المقادير كانت تخبئ له مساراً آخر. فحين عصفت الأزمة المالية العالمية سنة 2007، اضطرت أسرته إلى شدّ الرحال نحو بلجيكا، التماساً للرزق وابتغاء مستقبل أفسح للأبناء. وقد لخّص تلك المرحلة بقوله إن والديه غادرا من أجل العمل ومن أجل أن يمنحوا أبناءهم غداً أفضل. وفي بلجيكا واصل الفتى مطاردة حلمه بعزيمة لا تعرف الكلال، متنقلاً بين مدارس التكوين الكروي وأنديته، ومنها بيرسخوت وأندرلخت. غير أن الدهر أضمر له امتحاناً قاسياً؛ إذ إنه، وفي الرابعة عشرة من عمره، وبينما كان يعيش إحدى أزهى فتراته الرياضية، فوجئ بقرار أندرلخت الاستغناء عنه. ولم يكن وقع الخبر هيّناً على نفسه، فقد أُبلغ بأن بنيته الجسدية لا تلائم تطلعات النادي، وأن وزنه يفوق ما يرونه مناسباً. وقد نزل عليه ذلك النبأ نزول الصاعقة، لا سيما أنه جاء عشية انطلاق موسم جديد كان يعقد عليه آمالاً عراضاً.
ولئن كانت مثل هذه الكبوات كفيلة بأن تُقعِد كثيراً من الناشئة عن مواصلة المسير، فإن صيباري أبى أن يطأطئ رأسه لرياح الإخفاق. فقد وجد في نصح والديه سلوى وعوناً، إذ خيراه بين الاستسلام للخيبة وبين تحويلها إلى وقودٍ يدفعه نحو غايته. فاختار سبيل الجلد والمثابرة، وجعل من العثرة سلّماً يرتقي به إلى مراتب أعلى. وبعد تجاربه البلجيكية، حطّ رحاله سنة 2020 في نادي بي إس في آيندهوفن. وهناك بدأ رحلته من أدنى السلم، ضمن الفريق الرديف، متدرجاً بخطى وئيدة ولكن راسخة. لم يطلب إسماعيل طريقاً مختصراً إلى المجد، ولكنه آثر التكوين والصقل واكتساب الخبرة في ملاعب الدرجة الثانية الهولندية، حتى سنحت له فرصة الظهور مع الفريق الأول، فاغتنمها خير اغتنام.
وجاء موسم 2023-2024 ليكون منعطفاً فارقاً في مسيرته؛ إذ أضحى لاعباً حاسماً بأهدافه المؤثرة وعروضه الباهرة في المنافسات المحلية والقارية. فساهم في الظفر بلقب الدوري، وأثبت جدارته في الليالي الأوروبية، وانتقل من خانة الموهبة المنتظرة إلى مصاف اللاعبين المؤثرين. ثم تواصل ارتقاؤه في الموسمين اللاحقين، فصار ركناً ركيناً في تشكيلته، وتوّج بألقاب متعاقبة، واختير من بين أبرز نجوم الدوري الهولندي، حتى نال لقب أفضل لاعب في «الإيريديفيزي». أما على الصعيد الدولي، فقد آثر حمل لواء المغرب والدفاع عن ألوانه، رغم ولادته في إسبانيا ونشأته في بلجيكا. فتدرج عبر مختلف الفئات السنية، وأسهم في إحراز المنتخب المغربي لأقل من ثلاث وعشرين سنة لقب كأس أمم إفريقيا سنة 2023، كما كان من صانعي التأهل إلى الألعاب الأولمبية بباريس. ثم شقّ طريقه إلى المنتخب الأول بثبات، فغدا اسماً مألوفاً في وسط الميدان المغربي، يشارك في التصفيات القارية والعالمية، ويترك بصمته في غير ما مناسبة.
واليوم، ومع اقتراب موعد كأس العالم 2026، يبرز إسماعيل صيباري بوصفه أحد الوجوه المشرقة لجيل مغربي واعد، يحمل في قدميه طموحات أمة بأسرها. ولعل أبلغ ما يختزل أحلامه ذلك الجواب الذي أطلقه حين سُئل عن العنوان الذي يتمنى أن يقرأه يوماً عن نفسه، فقال من غير تردد: “«”إسماعيل صيباري يسجل هدف الفوز في نهائي كأس العالم”»”. وهو حلمٌ يبدو بعيد المنال عند بعضهم، غير أن سيرة الرجل تُنبئ بأن من قهر العثرات الأولى، ونازل الشدائد حتى غلبها، لا يستكثر على نفسه معانقة المستحيل.

