صناعة المحتوى الثقافي بوصفها فعلاً أنثروبولوجياً رقمياً: من إنتاج المعنى إلى تشكيل الهوية


لقد أصبح المحتوى الثقافي في العصر الرقمي فضاءً لإعادة تشكيل المعنى الاجتماعي، وإعادة إنتاج الذاكرة الجماعية، وصياغة الهويات الفردية والجماعية ضمن بيئات افتراضية متشابكة، بعدما كان مجرد مادة إعلامية تُنتَج وتُستهلَك عبر الشاشات، وإذا كانت الأنثروبولوجيا الكلاسيكية قد انشغلت بدراسة الإنسان في مجتمعاته المحلية من خلال الملاحظة الميدانية المباشرة، فإن التحولات الرقمية التي شهدها العالم منذ مطلع القرن الحادي والعشرين دفعت الباحثين إلى إعادة النظر في مفهوم “الميدان” ذاته، ليشمل الفضاءات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي ومنصات صناعة المحتوى، حيث أحدثت الثورة الرقمية تحولاً جذرياً في طرق إنتاج الثقافة وتداولها، إذ انتقلت الممارسات الثقافية من الفضاءات الواقعية التقليدية إلى فضاءات رقمية تتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية، ولم تعد الثقافة تُبنى فقط داخل المؤسسات التعليمية أو المراكز الثقافية أو المجتمعات المحلية، أصبحت تُنتج وتُعاد صياغتها عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية، ومن هنا يمكن الحديث عن مسار انتقالي “من الواقع إلى المواقع”، حيث تحوّل الفضاء الرقمي إلى امتداد للحياة الاجتماعية والثقافية، وإلى أحد أهم مجالات تشكلها، حيث غدت المواقع الرقمية فضاءات لإنتاج المعنى وصياغة التمثلات الثقافية وتشكيل الهويات الفردية والجماعية، بعدما كانت مجرد أدوات لنقل المعلومات، فكل صورة منشورة، أو مقطع فيديو، أو تدوينة ثقافية، تحمل في طياتها رؤية معينة للعالم وتعكس أنماطاً من التفكير والقيم والرموز الاجتماعية، وأصبح صانع المحتوى فاعلاً ثقافياً يساهم في توثيق الذاكرة الجماعية وإعادة تأويل التراث والتاريخ وفق آليات جديدة للتواصل والتفاعل.
إن الانتقال من الواقع إلى المواقع يشير إلى إعادة تشكيله داخل بيئات رقمية تفاعلية، ولا يعني القطيعة مع العالم المعيش، فالإنسان المعاصر يعيش اليوم بين فضاءين متداخلين، واقع مادي يختبره يومياً، وواقع رقمي يشارك في بنائه وإنتاجه باستمرار، (وربما الوقت الذي يقضيه المواقع أكثر من الواقع) مما يجعل الثقافة الرقمية إحدى أبرز تجليات التحولات الأنثروبولوجية في القرن الحادي والعشرين، يمكن النظر إلى صناعة المحتوى الثقافي بوصفها فعلاً أنثروبولوجياً رقمياً، لأنها لا تقتصر على نقل المعرفة أو تداول المعلومات، وإنما تؤدي وظيفة أعمق تتمثل في إنتاج التمثلات الثقافية، وتوثيق الممارسات الاجتماعية، وإعادة تأويل الرموز والقيم داخل فضاءات رقمية تتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، لقد ظهر مفهوم الأنثروبولوجيا الرقمية (Digital Anthropology) بوصفه حقلاً معرفياً يدرس العلاقة المتبادلة بين الإنسان والتكنولوجيا الرقمية، ويُعدّ عالم الأنثروبولوجيا البريطاني دانييل ميلر من أبرز المنظرين لهذا المجال، حيث أكد في كتابه Digital Anthropology الصادر عام 2012 على أن “الوسائط الرقمية أصبحت جزءاً من تكوينه الاجتماعي والثقافي، و لم تعد أدوات خارجية يستخدمها الإنسان”، أما الباحثة هيذر هورست فتذهب إلى أن البيئة الرقمية ليست عالماً موازياً للحياة الواقعية، واعتبرتها امتداداً لها، حيث تتشكل العلاقات الاجتماعية والهويات الثقافية عبر تفاعل مستمر بين الواقع والمجال الافتراضي، وانطلاقاً من هذا التصور، تصبح منصات مثل يوتيوب وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك مختبرات أنثروبولوجية حية، تتجلى فيها أنماط التفكير والسلوك والتعبير الرمزي، وتتحول فيها عملية صناعة المحتوى إلى ممارسة ثقافية واجتماعية ذات أبعاد معرفية وهوياتية.
يرى عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي كليفورد غيرتز أن “الثقافة هي شبكة من المعاني” ينسجها الإنسان بنفسه، وأن مهمة الباحث تتمثل في قراءة هذه الشبكات وتأويلها، وإذا أسقطنا هذا التصور على المحتوى الرقمي، فإن صانع المحتوى الثقافي يشارك في بناء هذه الشبكات الرمزية وإعادة تشكيلها، ولا يكتفي بعرض المعلومات. فحين يقدم أحد “المبدعين” محتوى حول التراث الشعبي، أو التاريخ المحلي، أو الأدب، أو المسرح، فإنه لا ينقل الوقائع كما هي، وإنما يعيد ترتيبها ضمن سردية معينة تمنحها دلالات جديدة، ومن هنا يصبح المحتوى الثقافي شكلاً من أشكال “الوصف الكثيف” الذي تحدث عنه غيرتز، أي عملية تأويل مستمرة للرموز والممارسات الاجتماعية. إن الفيديو القصير الذي يوثق عادة شعبية، أو المقال الذي يستعيد سيرة شخصية ثقافية أو سياسية أو اجتماعية…، أو البودكاست الذي يناقش تحولات الهوية، كلها ممارسات تتجاوز التوثيق إلى إنتاج المعنى الثقافي وإعادة صياغة الذاكرة الجماعية. في الأنثروبولوجيا التقليدية كان الباحث ينزل إلى الميدان، يعيش بين الناس، ويلاحظ تفاصيل حياتهم اليومية، أما في البيئة الرقمية، فإن صانع المحتوى يؤدي أحياناً دوراً مشابهاً لما يقوم به الباحث الإثنوغرافي. فهو يراقب التحولات الاجتماعية، ويتابع التفاعلات الرقمية، ويجمع الروايات الشفوية، ويوثق الممارسات الثقافية، ثم يعيد تقديمها في قالب بصري أو سمعي أو كتابي. وهنا تتقاطع صناعة المحتوى مع ما تسميه الباحثة كريستين هاين بـ “الإثنوغرافيا الافتراضية”، أي دراسة المجتمعات من خلال حضورها الرقمي.
لقد أحدثت التقنيات الرقمية تحولاً عميقاً في أدوات البحث والتوثيق الثقافي، بحيث لم تعد الملاحظة الميدانية مرتبطة حصراً بحضور الباحث داخل المجتمع الذي يدرسه، امتدت إلى فضاءات افتراضية تتشكل فيها أنماط جديدة من التفاعل والتعبير. وفي هذا السياق، أصبحت الكاميرا الرقمية والهاتف الذكي بمنزلة أدوات ميدانية حديثة تتيح رصد الممارسات الثقافية وتوثيقها لحظة وقوعها، سواء تعلق الأمر بالاحتفالات الشعبية، أو العادات الاجتماعية، أو الفنون المحلية، أو أشكال التعبير اليومية التي كانت تمر في السابق دون تسجيل أو أرشفة. إن سهولة التقاط الصور وتسجيل مقاطع الفيديو وبثها مباشرة عبر المنصات الرقمية مكّنت الأفراد من التحول إلى شهود على التحولات الاجتماعية والثقافية التي تشهدها مجتمعاتهم. ولم يعد التوثيق حكراً على الباحثين أو المؤسسات المتخصصة، أصبح ممارسة جماعية يساهم فيها المواطن العادي وصانع المحتوى على حد سواء، وهكذا تحولت الهواتف الذكية إلى أدوات لإنتاج المعرفة الثقافية، وإلى وسائط تحفظ تفاصيل الحياة اليومية التي تشكل المادة الخام للدراسات الأنثروبولوجية. وفي الوقت نفسه، أصبحت المنصات الرقمية مثل يوتيوب وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك، فضاءات جديدة للملاحظة والمشاركة والتوثيق، فهي توفر بيئة تفاعلية تسمح بمتابعة ردود الأفعال والتعليقات والمناقشات التي ترافقه، ولا تتيح فقط نشر المحتوى، ومن خلال هذه التفاعلات تتكشف مواقف الأفراد والجماعات من القضايا الثقافية والاجتماعية، وتظهر أنماط التفكير والتمثلات الرمزية السائدة داخل المجتمع. وبذلك تتحول المنصات الرقمية إلى ما يشبه “الميدان الافتراضي” الذي يمكن من خلاله رصد التحولات الجارية في القيم والاتجاهات والهويات.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى صانع المحتوى الثقافي بوصفه نوعاً من الإثنوغرافي الرقمي، لأنه يمارس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مهام قريبة من مهام الباحث الأنثروبولوجي، فهو يراقب الظواهر الاجتماعية، ويجمع الشهادات والروايات، ويوثق الممارسات الثقافية، ثم يعيد تقديمها ضمن سرديات رقمية تستهدف جمهوراً واسعاً. كما أنه يساهم في حفظ الذاكرة الجماعية من خلال تسجيل الأحداث والتجارب والرموز الثقافية التي قد تتعرض للنسيان أو الاندثار. وعليه، فإن صناعة المحتوى الثقافي أصبحت ممارسة معرفية وتوثيقية تؤدي دوراً مهماً في فهم المجتمع ورصد تحولاته، ولم تعد مجرد نشاط إعلامي أو ترفيهي، فصانع المحتوى، شأنه شأن الإثنوغرافي، يسعى إلى قراءة الواقع وتأويله ونقله إلى الآخرين، مستفيداً من الأدوات الرقمية التي جعلت من التوثيق الثقافي عملية أكثر انفتاحاً وتشاركية، وأقرب إلى نبض الحياة اليومية وتحولاتها المتسارعة.
من أهم الوظائف الأنثروبولوجية للمحتوى الثقافي مساهمته في حفظ الذاكرة الجماعية، فقد أظهرت دراسات عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس أن الذاكرة ليست عملية فردية خالصة، بقدر ما هي بناء اجتماعي تشترك الجماعات في إنتاجه وصيانته. وفي العصر الرقمي، أصبحت منصات المحتوى بمثابة أرشيفات مفتوحة تحفظ الصور والوثائق والشهادات والروايات الشعبية. فالكثير من عناصر التراث الشفهي التي كانت مهددة بالاندثار وجدت فرصة جديدة للبقاء عبر الوسائط الرقمية. وتبرز هذه الظاهرة بوضوح في المجتمعات العربية التي شهدت خلال العقدين الأخيرين مشاريع رقمية عديدة لتوثيق الحكايات الشعبية والأغاني التراثية والذاكرة المحلية. ولم يعد حفظ التراث حكراً على المؤسسات الأكاديمية أو الأرشيفات الرسمية، أصبح فعلاً تشاركياً يساهم فيه الأفراد والجماعات من خلال إنتاج المحتوى ونشره. ولا يمكن فهم صناعة المحتوى الثقافي بمعزل عن الدور الذي تؤديه الخوارزميات الرقمية في توجيه الانتباه وتحديد أنماط التفاعل، فقد بينت الباحثة شوشانا زوبوف في دراساتها حول “رأسمالية المراقبة” أن “المنصات الرقمية لا تكتفي باستضافة المحتوى، وإنما تؤثر في انتشاره وتشكيل جمهوره“، وهذا يعني أن الهوية الثقافية المعروضة عبر المنصات ليست نتاجاً لإرادة المبدع “صانع المحتوى” وحده، وإنما تتأثر أيضاً بمنطق الخوارزميات ومعايير الانتشار والتفاعل. ومن هنا تنشأ إشكالية مزدوجة، كيف يمكن الحفاظ على العمق الثقافي في بيئة تفضل السرعة والاختصار؟ وكيف يمكن للمحتوى الثقافي أن يقاوم النزعات الاستهلاكية التي تدفع نحو التبسيط المفرط؟، إن هذه الأسئلة تمثل اليوم أحد أهم موضوعات الأنثروبولوجيا الرقمية، لأنها تتعلق بالعلاقة بين الثقافة والسلطة والمعرفة داخل البيئات الرقمية المعاصرة.
من الخصائص الأساسية للمحتوى الرقمي أنه ينشأ غالباً عبر التفاعل الجماعي، ولا يُنتج من طرف واحد فقط، فقد وصف الباحث الأمريكي هنري جنكنز هذه الظاهرة بمفهوم “الثقافة التشاركية” (Participatory Culture)، حيث يتحول الجمهور من متلقٍ سلبي إلى فاعل مشارك في إنتاج المعنى. في هذا الإطار، يصبح التعليق والمشاركة وإعادة النشر والتعديل أشكالاً من الممارسة الثقافية. فالمحتوى لا يكتمل بمجرد نشره، وإنما يستمر في التطور من خلال تفاعل الجمهور معه. ومن ثم فإن صناعة المحتوى الثقافي تمثل عملية تفاوض مستمرة حول المعاني والقيم والرموز. إن المتابعين يعيدون إنتاج الثقافة وتأويلها، ولا يستهلكونها فقط، الأمر الذي يجعل الفضاء الرقمي ساحة ديناميكية لتشكيل الثقافة المعاصرة. تكتسب الأنثروبولوجيا الرقمية أهمية متزايدة في السياق العربي بالنظر إلى التحولات العميقة التي عرفتها المجتمعات العربية في العقود الأخيرة على مستوى التواصل والإنتاج الثقافي وتداول المعرفة، فقد أوجدت الوسائط الرقمية فضاءات جديدة للتعبير أتاحت للأفراد والجماعات إمكانات واسعة لعرض تجاربهم اليومية وتمثلاتهم الثقافية وهوياتهم المحلية بعيداً عن الوسائط التقليدية التي كانت تحتكر إنتاج الخطاب الثقافي وتوجيهه. وبفضل الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان الأفراد توثيق تفاصيل حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم المحلية ونشرها على نطاق واسع، مما أسهم في إبراز أشكال من التنوع الثقافي كانت غالباً مهمشة أو غائبة عن السرديات الرسمية. كما ساعدت البيئة الرقمية على إحياء عناصر من التراث المادي واللامادي عبر تسجيل الحكايات الشعبية والأغاني التقليدية والممارسات الاحتفالية والحرف المحلية، وتحويلها إلى محتويات رقمية قابلة للحفظ والتداول. ومن جهة أخرى، أتاحت هذه الوسائط فرصاً جديدة للتفاعل بين الثقافات العربية المختلفة، حيث أصبح المستخدمون يتبادلون الخبرات والروايات والصور والرموز الثقافية عبر فضاءات عابرة للحدود الوطنية. وبهذا المعنى، أصبحت الأنثروبولوجيا الرقمية تشكل مدخلاً أساسياً لفهم التحولات التي تعرفها المجتمعات العربية اليوم، لأنها تتيح دراسة الكيفية التي يعاد بها تشكيل الهوية والذاكرة والانتماء الثقافي داخل الفضاءات الرقمية، حيث يتقاطع المحلي مع العالمي، والتراث مع الحداثة، في عملية مستمرة من إعادة إنتاج الثقافة وتأويلها.
وفي هذا الإطار، يبرز المحتوى الثقافي بوصفه أداة لحفظ الذاكرة المحلية وإعادة الاعتبار للهويات المهمشة، سواء تعلق الأمر بالمدن العتيقة، أو التراث الشفهي، أو الفنون الشعبية، أو المسرح، أو الأدب، أو التاريخ الاجتماعي. فكل عملية توثيق أو سرد أو عرض ثقافي تمثل في جوهرها ممارسة أنثروبولوجية تسعى إلى فهم الإنسان من خلال إنتاجاته الرمزية.
لقد تجاوزت صناعة المحتوى الثقافي في العصر الرقمي حدود الوظيفة الإعلامية التقليدية القائمة على نقل الأخبار والمعارف، لتغدو ممارسة ثقافية ومعرفية ذات أبعاد أنثروبولوجية عميقة. فالمحتوى الثقافي الذي يُنتج ويُتداول عبر المنصات الرقمية لا يكتفي بعرض الوقائع أو توثيق الأحداث، وإنما يسهم في بناء المعاني الاجتماعية وإعادة تشكيل التمثلات الجماعية التي تنظم علاقة الإنسان بذاته وبمحيطه. ومن هذا المنظور، تتحول عملية إنتاج المحتوى إلى فعل تأويلي يشارك في قراءة الواقع الاجتماعي والثقافي، وفي إعادة صياغته داخل فضاءات رقمية تتداخل فيها الذاكرة والهوية والمعرفة. وتبرز أهمية هذا الدور في قدرة المحتوى الثقافي على حفظ الذاكرة الجماعية وتوثيق الممارسات اليومية التي تشكل النسيج العميق للمجتمعات. فكل تسجيل لطقس اجتماعي، أو توثيق لحكاية شعبية، أو عرض لتجربة فنية أو أدبية، يمثل مساهمة في أرشفة الخبرة الإنسانية وحمايتها من النسيان. وبذلك تصبح المنصات الرقمية خزانات للذاكرة الثقافية، تتيح للأجيال اللاحقة الوصول إلى أشكال التعبير التي أنتجتها الجماعات البشرية في لحظة تاريخية معينة.
وفي هذا السياق، يكتسب صانع المحتوى الثقافي مكانة جديدة تتجاوز دور الناقل أو المروج للمعلومة، ليغدو وسيطاً ثقافياً وإثنوغرافياً رقمياً يسهم في رصد التحولات الاجتماعية وفهم دلالاتها وتأويلها. فهو يختار الظواهر التي تستحق التوثيق، ويعيد تنظيمها داخل سرديات رقمية تمنحها معنى وقيمة ثقافية، الأمر الذي يجعله شريكاً في إنتاج المعرفة الاجتماعية وليس مجرد ناقل لها. ومن خلال هذه العملية، يساهم في تشكيل الوعي الجماعي وتوجيه الانتباه إلى قضايا الهوية والذاكرة والانتماء. ومع تنامي تأثير الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في تنظيم الفضاء الرقمي، تبرز الحاجة إلى محتوى ثقافي قادر على مقاومة النزعة الاختزالية التي تحول الإنسان إلى مجرد بيانات أو مؤشرات رقمية. فالقيمة الحقيقية لهذا المحتوى تكمن في حفاظه على البعد الإنساني للثقافة، وفي تأكيده أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، تظل أداة في خدمة الإنسان لا بديلاً عنه. ومن هنا يرتبط مستقبل الأنثروبولوجيا الرقمية بمستقبل المحتوى الثقافي ذاته، باعتباره مجالاً حيوياً لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة، ووسيلة أساسية لصون الذاكرة الجماعية وإنتاج المعنى في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
مراجع أساسية:
- دانييل ميلر & Heather Horst (2012). Digital Anthropology. Berg Publishers.
- كليفورد غيرتز (1973). The Interpretation of Cultures. Basic Books.
- كريستين هاين (2000). Virtual Ethnography. Sage Publications.
- هنري جنكنز (2006). Convergence Culture. New York University Press.
- موريس هالبفاكس (1992). On Collective Memory. University of Chicago Press.
- شوشانا زوبوف (2019). The Age of Surveillance Capitalism. Public Affairs.