قراءة في مسيرة الفنان رشيد بوقطيطية: رحلة كفاح وإصرار من”ألحان الموت”إلى خشبة المسرح


وُلد رشيد بوقطيطية في التاسع من يوليوز عام 1959م، في زمن كانت فيه التحولات الكبرى تُلقي بظلالها على مصائر الأفراد كما على مصائر الأوطان. لم يكد يُفتح وعيه على الحياة حتى كان والده قد عاد من صفوف الجيش الفرنسي، ليُلتحق بعدها بالقوات المسلحة الملكية المغربية، حيث قضى بضع سنوات في خدمة الوطن، قبل أن تُجبره ظروفه الصحية المتدهورة على مغادرة المؤسسة العسكرية بإذنٍ طبي، عندها، لم يكن أمامه سوى العودة إلى الجذور، إلى مدينة فاس، حيث الأهل والأحباب، فاستقر بها عام 1964، واختار حي مولاي عبد الله مقامًا، واكترى حانوتًا بسيطًا يبيع فيه الخضر، باحثًا عن رزق كريم يُعينه على أعباء الحياة. وبعد نحو عامين، برزت فرصة جديدة حين اقترح عمي على والدي شراكةً في بناء منزل بحي أكادير، مستفيدين من بقعة أرضية حصل عليها من عمله. فكان أن تكفل الأب بتشييد البيت من ماله الخاص، حتى اكتمل البناء، وانتقلت الأسرة إليه، حاملةً معها آمالًا جديدة في الاستقرار.

في هذا المناخ، التحق الطفل رشيد بمقاعد الدراسة خلال الموسم الدراسي 1966-1967، بمدرسة الضيعة النموذجية. ومنذ البدايات، أبان عن ذكاءٍ لافت، وحيويةٍ جعلته محط اهتمام أساتذته وزملائه، كان شغوفًا بالأنشطة الموازية؛ يشارك في الغناء والرقص والتمثيل، ويجد في الخشبة فضاءً رحبًا للتعبير عن ذاته. وقد استهواه التمثيل على نحو خاص، فكان يُحاول تقليد بعض الممثلين المشهورين آنذاك، مثل عبد الرؤوف (عبد الرحيم التونسي) وبلقاص، فينمو داخله حلمٌ مبكر، وإن لم تتضح معالمه بعد. ولعل تشجيع المعلمين كان له الأثر الكبير في ترسيخ هذا الميل، حتى حصل على الشهادة الابتدائية، وانتقل بعدها إلى ثانوية ابن الهيثم، المعروفة آنذاك باسم “بوليفالو” بطريق مكناس. غير أن مسار الحياة لا يسير دومًا على وتيرة واحدة؛ فقد هبّت رياحٌ لم تكن في الحسبان، قلبت توازن الأسرة رأسًا على عقب. نشب خلاف عائلي بين الأب وعمّه، انتهى ببيع المنزل وتقاسم المال، ثم الانفصال بين الطرفين. ولم يكن في وسع الأب، بحكم إمكانياته المحدودة، أن يشتري بيتًا داخل المدينة، فاختار منزلًا متواضعًا يبعد عنها بنحو خمسة كيلومترات.كان لهذا التحول أثرٌ بالغ في نفس رشيد؛ إذ بدأ يعاني من صعوبة التنقل اليومي إلى الثانوية، ومع مرور الوقت، بدأ الإهمال يتسلل إلى دراسته. شيئًا فشيئًا، انجرف نحو رفقةٍ سيئة، فتعلّم التدخين، وكثرت غياباته، حتى كانت النتيجة رسوبه في نهاية المرحلة الإعدادية. حاول أن يكتم الأمر لبعض الوقت، لكن الحقيقة لا بد أن تنكشف، ولو بعد حين.

في تلك الفترة، كان الأب قد أصبح مسؤولًا عن أسرة كبيرة تضم ثمانية أبناء، وكان الابن الأكبر يُفترض أن يكون سندًا وعونًا. وذات ليلة، سمع والده يشكو همومه لزوجته، بصوتٍ يملؤه التعب والحزن، متحدثًا عن ثقل الأعباء، وضيق ذات اليد، وقلة المعاش، وتدهور الصحة. كانت الأم تبكي، وهو يستمع في صمتٍ مذهول، وقد تجمّد في مكانه، تعتصره مشاعر الذنب. كيف له أن يُصارحهما بفشله الدراسي، ويضيف إلى همومهما همًّا جديدًا؟، اضطر الأب، رغم حالته الصحية، إلى البحث عن عملٍ إضافي، فاشتغل حارسًا ليليًا، في محاولة يائسة لمواجهة متطلبات الحياة. أمام هذا الواقع، غرق الشاب رشيد في التفكير، حتى قرر السفر إلى مدينة القنيطرة، حيث تقيم خالته، علّه يجد متنفسًا يُخفف عنه وطأة القلق، ويمنحه فرصة للنسيان، ولو مؤقتًا.لكن العطلة لم تدم طويلًا، وسرعان ما بدأ شبح العودة يلوح في الأفق، ومعه مواجهة الحقيقة المؤجلة، كان الخوف ينهش داخله، كيف سيواجه والده؟ ماذا سيكون رد فعله؟ لقد خذله، وخذل الآمال التي كانت معلقة عليه. وبينما هو في حيرته، سمع بخبر فتح باب التجنيد في صفوف الجيش، فتأكد منه بزيارة الثكنة.

عاد إلى فاس على عجل، متسللًا، وجمع أوراقه الإدارية دون أن يلتقي بوالده. أخبرته أمه أن الأب غاضب بعد علمه برسوبه. عندها، صارحها بنيته الالتحاق بالجيش تكفيرًا عن خطئه، فكان وقع الخبر عليها شديدًا، فانفجرت باكية، وبكى معها، ثم ودّعها وعاد إلى القنيطرة. وفي الأول من أكتوبر عام 1977، التحق رسميًا بالقوات المسلحة الملكية، وهو في الثامنة عشرة من عمره.بعد ثلاثة أشهر من التدريبات العسكرية، تم اختيار رشيد، رفقة أربعة آخرين ممن يجيدون القراءة والكتابة، للالتحاق بمركز التدريب على المخابرات السلكية واللاسلكية بمدينة مكناس. أمضى هناك عشرة أشهر في التدريب، قبل أن يعود إلى القنيطرة، ليجد اسمه ضمن لائحة المتوجهين إلى الصحراء المغربية. لم يكن أمامه سوى عشرة أيام، قضاها في وداع أسرته وأصدقائه، وهو يتساءل في قرارة نفسه: هل سيكون هذا الوداع الأخير؟.

في فاتح شتنبر من عام 1979، حطّت به الطائرة في مطار العيون العسكري. هناك، بدأ يواجه واقع الحرب بكل قسوته؛ مستشفى يستقبل يوميًا قتلى وجرحى، وأخبارٌ متواصلة عن المعارك المشتعلة، كان يخرج في المهام وهو يودّع الحياة في داخله، وكأن كل مهمة قد تكون الأخيرة.ومع مرور الوقت، اعتاد هذا النمط من الحياة، وأيقن أن الأعمار بيد الله. أقنع نفسه بأنه جندي، ومن واجبه الدفاع عن الوطن، وأن هذه هي رسالته، فطرد الخوف من مخيلته. حتى إنه بدأ ينظر إلى أصوات القنابل وطلقات الرصاص وكأنها نوعٌ من الموسيقى، لكنه أطلق عليها اسم “ألحان الموت”. فبينما تُنعش الموسيقى الأرواح، كانت تلك الألحان تُرعب القلوب، وتزهق الأرواح، وتمزق الأجساد. ومع ذلك، ظل يؤمن بأن التضحية في سبيل الوطن شرفٌ لا يضاهيه شرف.وفي أوقات فراغه، كان يستثمرها في القراءة والتثقيف الذاتي. كان يرتاد المكتبات، ويقتني الكتب في مختلف المجالات، الأدب، وعلم النفس، والفلسفة، والشعر، والمسرح. قرأ للمنفلوطي، واطّلع على عبقريات العقاد، وسيرة طه حسين، ومسرحيات شكسبير وموليير، وكان يميل بشكل خاص إلى المسرح الذهني عند توفيق الحكيم، ومع تراكم القراءات، بدأ قلمه يتحرك. أخذ يكتب أفكارًا ونصوصًا مسرحية، ويغوص في عوالم الخيال، حيث يجمع بين دور الكاتب والمخرج والممثل، والجمهور. لم يكن يوقظه من تلك العوالم إلا نداء الواجب العسكري. وكان دائم التساؤل، هل سيطول به العمر ليحقق حلمه في أن يصبح ممثلًا ومخرجًا؟ (فنانا) وكان الجواب يتشكل داخله على هيئة وعد، سيكتب، ويواصل الكتابة.

انقضت سبعٌ وعشرون سنة من الخدمة العسكرية، تقلبت فيها أيامه بين مدٍّ وجزر، حتى بلغ الخامسة والأربعين، فاستحق التقاعد عام 2004، بعد مسار طويل اتسم بالانضباط والتضحية. كان يدرك أن هذه اللحظة ليست نهاية بقدر ما هي بداية لمرحلة جديدة، تفرض عليه أن يتوقف قليلًا، وأن يمنح جسده المرهق وعقله المثقل فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة التوازن الذي أرهقته سنوات الواجب الصارم، غير أن الانتقال من حياة منظمة بدقة إلى زمنٍ مفتوح لم يكن أمرًا يسيرًا. فقد وجد نفسه فجأة أمام فراغ واسع، يخلو من الأوامر اليومية والإيقاع العسكري الذي اعتاده، وكأن الزمن أصبح فضاءً بلا حدود. لم يكن ذلك الفراغ راحة خالصة، بل كان سؤالًا وجوديًا يلح عليه، كيف يملأ هذا الامتداد الزمني؟، وأي معنى يمكن أن يمنحه لحياته بعد أن طوى صفحة طويلة من العطاء؟، هكذا بدأ وعيه يتشكل من جديد، وهو يدرك أن التقاعد ليس انسحابًا من الحياة، وإنما دعوة لإعادة اكتشاف الذات، وبحثٌ عن أفق آخر يمنح الأيام قيمة مختلفة ومعنى أعمق.

اعتاد التردد على إحدى المقاهي بفاس، حيث كان يقضي بعض الوقت في التأمل واسترجاع ذكرياته. وهناك، التقى بالصديق المرحوم الفنان عبد الله العلوي المراني، الذي سيشكل نقطة تحول حاسمة في مساره. كان هذا الأخير ذا نظرة ثاقبة، فانتبه إلى ما يختزنه رشيد من طاقات وأفكار، فشجعه على ولوج عالم المسرح. ورغم أن الفكرة بدت مغرية، إلا أنه تردد في البداية، إذ كان يشعر أن سنه لم يعد يسمح له بأن يبدأ من الصفر. غير أن عبد الله العلوي المراني لم يترك له مجالًا للتراجع، بل ألحّ عليه قائلًا: “أنت لديك أفكار، يعني عندك باكاج، ولم تأت من فراغ. حاول أن تلتقي بالمخرجين، واقترح عليهم أعمالك، ولا تيأس، لأن حياة الفنان لا تعرف التقاعد”، كان لهذا الكلام وقعٌ عميق في نفسه، فظل يفكر فيه مليًا، حتى اهتدى إلى قرار خوض التجربة. رافق صديقه لحضور عرض مسرحي من إخراج المرحوم الفنان إدريس المعناوي، وكان ذلك العرض الأخير في حياة هذا المخرج، قبل أن يرحل إلى دار البقاء رحمه الله. شكل هذا اللقاء بداية فعلية لاقترابه من عالم المسرح كمشارك فعلي كما كان يحلم به، انطلق أول عمل مسرحي له من نص للدكتور عبد الرحمان بن زيدان، بإخراج إدريس المعناوي. كان العمل باللغة العربية الفصحى، وقد تميز بجماليته ورصانته، غير أن هذه التجربة لم تستمر طويلًا مع المعناوي، إذ اقتصر عرض المسرحية على مرتين فقط، قبل أن تتوقف، لتظل حبيسة الأوراق، رغم ما كانت تحمله من إمكانات فنية.

بعد ذلك، انتقل إلى تجربة جديدة مع الفنان الخمار المريني، الملقب بـ “شيخ الشباب”، حيث وجد نفسه يعمل إلى جانب شباب في عمر أبنائه، وهو ما أثار في نفسه شيئًا من التردد والانزعاج في البداية. غير أنه آثر الصبر والاستمرار، مؤمنًا بأن الطريق إلى الفن لا يُعبد بسهولة. انخرط في ورشات تكوينية متعددة، وشارك في تدريبات مكثفة، نال عنها شهادات تقديرية، ساهمت في صقل موهبته وتعزيز ثقته بنفسه.وجاءت الفرصة التي انتظرها، حين شارك في عمل احترافي كبير جمع نخبة من ممثلي مدينة فاس، وكان موضوعه فن الملحون، من تأليف المرحوم محمد العلمي، وإخراج حميد الرضواني، شكل هذا العمل محطة مهمة في مسيرته، إذ أتاح له الاحتكاك بتجارب متنوعة، وفتح أمامه آفاقًا جديدة في فهم المسرح وممارسته.ومع مرور الأيام، بدأت فكرة التأليف المسرحي تتبلور في ذهنه. تساءل مع نفسه، لماذا لا يجرب حظه في الكتابة؟ كان يحمل في داخله رصيدًا من الأفكار والمذكرات والقصص القصيرة التي كتبها في فترات سابقة، فقرر أن يمزج بينها، ويضيف إليها خلاصة تجربته الحياتية الطويلة، لينتج نصًا مسرحيًا من صميم ذاته. وهكذا وُلد نصه الأول بعنوان “أعطيني عقلك”، ولأن الإمكانيات كانت محدودة، بحث عن فضاء يحتضن العمل، فوجد ضالته في أحد الأصدقاء الذي كان يترأس جمعية تتوفر على مقر. كان المقر هو الأهم بالنسبة إليه، لذلك أسند لصديقه مهمة الإخراج، رغم قلة خبرته، بينما تولى هو الإشراف على إنجاز العمل بصفته مؤلفًا. ورغم هذه التحديات، خرج العمل إلى النور في صورة جميلة، ولاقي استحسان الجمهور، وإن لم يُعرض سوى مرتين بسبب ضعف الإمكانيات المادية.

لم يتوقف عند هذه التجربة، عاد الفنان رشيد بوقطيطية بعد نحو عام ليخوض مغامرة جديدة في التأليف، ضمن إطار جمعية أخرى، وبصيغة مختلفة. هذه المرة، اختار أن ينهل من أسلوب توفيق الحكيم، خاصة ما يُعرف بالمسرح الذهني، فحاول أن يخلق صراعًا بين شخصيات مجردة، يصعب تجسيدها على الركح. ورغم صعوبة التحدي، بذل ما في وسعه ليمنح هذه الشخصيات حضورًا مسرحيًا ممكنًا. أما المخرج، فكان، كما في التجربة السابقة، محدود الخبرة، وقد اكتفى بوضعه في الواجهة، بينما ظل هو المحرك الحقيقي للعمل.أسفر هذا الجهد عن عرض واحد فقط، لكنه كان عرضًا مميزًا، حضرته شخصيات بارزة مهتمة بالمسرح، وترك صدى إيجابيًا لدى المتلقين. ومع ذلك، ظل النص محفوظًا في الأرشيف، ينتظر فرصة أخرى للظهور، قد تأتي أو لا تأتي.وفي نهاية المطاف، لم يكن يهمه عدد العروض ولا حجم الانتشار، بقدر ما كان يعنيه أنه استطاع أن يضع بصمته في عالم المسرح بصيغته المحلية بفاس، وأن يحقق حلمًا طالما بدا بعيد المنال. لم يكن يتصور يومًا أنه سيعيش ليصل إلى هذه اللحظة، لكن الإصرار والتجربة منحاه فرصة إعادة اكتشاف ذاته.لقد اكتسب من هذه الرحلة خبرة ثمينة، أضافها إلى رصيده الحياتي، وعاش من خلالها تقلبات الوجود بين الحلو والمر. فقد انتقل من موقع المحارب في ساحة القتال، إلى موقع الفنان على خشبة المسرح، حاملاً معه ذاكرة غنية بالتجارب والانفعالات.

لقد شكّل دخول رشيد بوقطيطية إلى عالم الفن لحظة تحوّل حقيقية في مسار حياته، إذ وجد فيه الفضاء الذي طالما افتقده خلال سنوات الانضباط العسكري الصارم. لم يكن الأمر مجرد انتقال من مهنة إلى أخرى، كان تحررًا داخليًا عميقًا، أتاح له إعادة تشكيل ذاته، والتصالح مع ميوله الدفينة التي ظلت حبيسة لأكثر من ثلاثين عامًا. في هذا العالم الجديد، أصبح الفنان رشيد صانع قراره، يختار أدواره على قلتها، وييسر السبل من أجل الوصول إلى منابع المسرح والسينما بما تجود به ظروفه وإمكاناته، ويخوض مغامرة التعبير الحر بكل ما تحمله من مخاطرة وأمل، غير أن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود؛ فقد وجد نفسه في وسط فني متقلب، تتداخل فيه لحظات النجاح القليلة مع إخفاقات قاسية ومتكررة، واجه التحديات بقلب مؤمن وعزيمة صلبة، وصدر رحب يتسع للتجربة بكل تناقضاتها. لم يكن فارق السن عائقًا بالنسبة إليه، غير أنه حولها إلى مصدر قوة، يستند إليه في فهم الأدوار وتغذيتها بخبرة الحياة وعمق التجربة. لقد كان مدفوعًا برغبة صادقة في إثبات ذاته الفنية، واستعادة حلم قديم طال انتظاره.في هذا السياق، بدأ الفنان رشيد بوقطيطية يشق طريقه تدريجيًا داخل الساحة الفنية، مشاركًا في مجموعة من الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي ساهمت في صقل موهبته وتوسيع حضوره. فقد شارك في الفيلم المغربي “المشاوشة” للمخرج الراحل محمد عهد بنسودة عام 2012، وهو عمل أتاح له الظهور في تجربة سينمائية ذات طابع خاص. كما خاض تجربة دولية من خلال مشاركته في فيلم إيطالي للمخرج لوسير فولكي، حيث احتك بثقافة فنية مختلفة، أغنت تجربته ووسعت أفقه، وكان له حضور في فيلم “معركة أنوال” للمخرج جمال بلمجدوب عام 2012، وهو عمل تاريخي استحضر محطة مهمة من الذاكرة المغربية، كما شارك في السلسلة التلفزيونية “مسرح الجريمة” من إخراج محمد السعدوني عام 2014، حيث جسد أدوارًا تعكس قدرته على التلون والتأقلم مع مختلف الشخصيات. وفي عام 2015، ظهر في الشريط القصير “المياوم” للمخرج الهاوي كمال الوالي، وهو عمل مكثف أتاح له التعبير عن حساسية أدائية خاصة في زمن محدود.

وقد تُوّج هذا المسار بحصوله على بطاقة الفنان من وزارة الثقافة المغربية عام 2023، وهو اعتراف رسمي بمكانته داخل الحقل الفني، ودافع إضافي لمواصلة العطاء. بعد ذلك، شارك في المسلسل التلفزيوني “عين الكبريت” للمخرج الراحل محمد عهد بنسودة وتأليف منصف القادري، كما انخرط في مسلسل “حرير الصابرة” للمخرج يزيد القادري وتأليف منصف القادري، حيث واصل تأكيد حضوره وتطوير أدواته التعبيرية.أما في المجال السينمائي، فقد شارك في فيلم “ثريا الشاوي” للمخرج ربيع الجوهري، وهو عمل يستحضر سيرة شخصية نسائية بارزة، ثريا الشاوي رائدة مغربية تُعدّ أول امرأة عربية وإفريقية تقود طائرة. وُلدت في فاس 1936، ونشأت في أسرة وطنية شجعتها على التعلم والطموح في زمن كان تعليم الفتيات محدودًا. تابعت دراستها في الدار البيضاء، وهناك التحقت بمدرسة الطيران، فحصلت على رخصة الطيران وهي في السادسة عشرة، متحدية القيود الاجتماعية والاستعمارية. أصبحت رمزًا لتحرر المرأة المغربية وإرادتها في اقتحام مجالات جديدة. اغتيلت عام 1956 في ظروف غامضة، وهي في العشرين من عمرها، فخلّدت كأيقونة وطنية للجرأة والتفوق ،وقد أتيح لرشيد التفاعل مع موضوعات إنسانية وتاريخية ذات بعد عميق. ولم يغب عن خشبة المسرح، حيث شارك في عرض “نوستالجيا” من إخراج أمين ناسور عام 2026، مستعيدًا بذلك صلته الأولى بالمسرح، الذي كان بوابته إلى هذا العالم.

يمكن القول إن تجربة الفنان رشيد بوقطيطية كانت انتقال عابر بين مجالين مختلفين، ورحلة إنسانية عميقة، عنوانها الكفاح والإصرار وتحدي الذات. فقد خرج من عالمٍ تحكمه الصرامة والانضباط العسكري، حيث تُقاس الحياة بالأوامر والدقة، إلى فضاء رحب تتجلى فيه حرية الإبداع، وتُصاغ فيه الأحاسيس بلغة الفن. هذا التحول تطلب منه شجاعة داخلية، وقدرة على إعادة بناء ذاته من جديد، مستندًا إلى تراكمات تجربة طويلة في الحياة. لقد انتقل من الصمت المفروض إلى التعبير الواعي، ومن أداء الواجب إلى صناعة المعنى، فاختار أن يمنح صوته الداخلي فرصة للظهور، وأن يترجم مشاعره وأفكاره إلى أعمال فنية تنبض بالحياة. لقد سعى رشيد من خلال رحلته إلى إثبات ذاته، وتحقيق حلم قديم ظل يرافقه في الخفاء، حتى آن له أن يرى النور. وبفضل شغف لا يخبو، وإيمان راسخ بأن الإرادة قادرة على تجاوز حدود الزمن، استطاع أن يخط لنفسه مسارًا خاصًا في عالم الفن. وهكذا أصبحت تجربته شاهدًا حيًا على أن الحلم، مهما تأخر، يظل ممكن التحقيق متى اقترن بالعزيمة والصبر.
سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني