قراءة في مسيرة الفنان سعيد الودغيري: رحلة البحث والتجريب بين المسرح والسينما والجسد

بدأت الرحلة الفنية للفنان سعيد الودغيري، (من مواليد عام 1984) مبكرًا، حيث تعود البدايات الأولى إلى عام 1996 من خلال المسرح المدرسي، الذي شكّل فضاءه الأول لاكتشاف عالم الفن والتعبير، فوق خشبة المسرح، خاض تجاربه الأولى، متلمسًا ملامح شغفه ومؤسسًا لعلاقة حميمة مع الأداء الفني. في تلك المرحلة، أخذت ميوله نحو التمثيل تتضح تدريجيًا، مدفوعة برغبة داخلية في التواصل مع الجمهور والتأثير فيه. وقد أسهمت هذه التجارب المبكرة في صقل حسه الفني، إذ شكلت قاعدة أولية متينة، قائمة على الانضباط والالتزام بروح العمل الجماعي. ومن خلال الاحتكاك بزملائه والتفاعل مع مختلف الأدوار، بدأ وعيه الفني يتبلور، متجهًا نحو فهم أعمق لطبيعة المسرح بوصفه فعلًا إبداعيًا وتواصليًا في آن واحد، وبهذا كانت بداياته المدرسية بمثابة اللبنة الأولى في مسار فني واعد، حيث تداخلت التجربة بالتعلم، والشغف بالممارسة، ليضع خطواته الأولى بثبات نحو عالم الفن.

في عام 2002، انتقل سعيد إلى تجربة المسرح الجامعي، التي شكّلت منعطفًا حاسمًا في مساره الفني، إذ أتاح له هذا الفضاء الجديد إمكانات أوسع لصقل مهاراته وتعميق وعيه الجمالي، حيث أصبح المسرح عنده مجالًا للتكوين المنهجي والاشتغال الواعي على تقنيات الأداء، من حيث التحكم في الجسد والصوت، وفهم أبعاد الشخصية الدرامية وبنيتها النفسية. وقد أسهم هذا التحول في ترسيخ رؤية فنية أكثر نضجًا، قائمة على الانفتاح والتجريب، والسعي إلى تجاوز الأشكال التقليدية في التعبير المسرحي. وخلال هذه المرحلة، انخرط في تجارب متعددة، أتاحت له الاحتكاك بمقاربات إخراجية مختلفة، ما ساعده على توسيع مداركه الفنية، وتطوير حسه النقدي تجاه العمل المسرحي. كما أضحى أكثر وعيًا بوظيفة المسرح بوصفه فعلًا ثقافيًا وجماليًا يتجاوز حدود الفرجة إلى مساءلة الواقع والتفاعل معه. وقد انعكس ذلك على أدائه، الذي بدأ يتسم بقدر أكبر من العمق والاتزان، جامعًا بين الحس الإبداعي والانضباط التقني. وفي عام 2004، كانت مشاركته الأولى بمدينة فاس محطة بارزة في هذا المسار من خلال مسرحية “قوارب حياة مجنونة” تأليف وإخراج نجيب الشيخ عن فكرة المرحوم مصطفى الشيخ، شخصها كل من هشام الوردي، ولبنى الزويشي وسعيد الودغيري، حيث حصد جائزة “أحسن كوريغراف”، إلى جانب تنويه خاص عن أدائه كممثل. وقد شكّل هذا التتويج اعترافًا مبكرًا بموهبته، ودافعًا قويًا لمواصلة الاشتغال والتقدم بثقة أكبر نحو آفاق أرحب، تحول هذا الإنجاز إلى محفّز حقيقي لتعزيز حضوره الفني، وتأكيد اختياراته الإبداعية التي تجمع بين التمثيل والتعبير الحركي. وبالتوازي مع اشتغاله المسرحي، انفتح على فنون التعبير الجسدي، وخاصة الرقص التعبيري و”البريكدانس”، حيث وجد في الجسد أداة أساسية للتعبير، تتجاوز اللغة المنطوقة إلى فضاء أكثر حرية ومرونة. ومن خلال هذا الانفتاح، عمل على تطوير لغة حركية خاصة، تمزج بين الإحساس الجسدي العميق والبعد الدرامي، ما أتاح له بناء أسلوب فني متفرد، يقوم على التفاعل العضوي بين الحركة والمعنى.

كانت أول تجربة لسعيد الودغيري على خشبة المسرح مع فرقة المسرح الشعبي، تحت إشراف الفنان الحاج محمد خشلة، من خلال مسرحية “الجمل المسروق” للراحل أحمد الطيب العلج. جاءت مشاركته في هذا العمل على نحو غير متوقع، إذ كان صديقه أمين غوادة، الذي رافقه في الدراسة بكلية الآداب ظهر المهراز، قد قدّم له أساسيات الفن المسرحي عبر تمارين التكوين داخل المحترف الجامعي. وقد اضطر فريق العمل إلى البحث عن بديل للممثل الرئيسي الذي التحق بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، مما جعل استكمال العرض تحديًا حقيقيًا. وبعد اختبار أداء، تم اختياري لتعويضه. كانت تلك اللحظة الأولى التي تذوق فيها سعيد نشوة الوقوف أمام الجمهور، حيث يلتقي الممثل بالخشبة في تجربة مهيبة تتجاوز الوصف، خاصة وأنه كان قد شاهد فوق نفس الركح أعمالًا لرواد المسرح المغربي مثل عبد الحق الزروالي. (آنذاك، عام 2004، كانت قاعة العروض بدار الشباب القدس هي الفضاء المسرحي الوحيد تقريبًا بمدينة فاس). لاحقًا، التحق بنادي القدس بدار الشباب نفسها تحت إشراف الفنان والأستاذ محسن مهتدي، الذي اعتبره أستاذه الروحي، لما كان له من أثر عميق في تعليمه معنى التعبير الجسدي وتحويل الحركة إلى خطاب مسرحي. هناك بدأت ملامح تحوله من الرقص إلى التعبير الجسدي المسرحي، وهو ما شكل نواة مساري الفني. ومن أبرز تجاربه التي خاضها مع محسن مهتدي مسرحية “بنسلك”، المقتبسة من “حنظلة” للكاتب السوري الراحل سعد الله ونوس، حيث انتقل من المسرح التقليدي إلى آفاق المسرح المعاصر. شارك في العمل ثلة من الشباب، من بينهم رضا الناده، أنوار الحيرش، محمد الوادي، قيس خيري ومنية الحكيم، بإخراج محسن مهتدي وسينوغرافيا الفنان التشكيلي حسن صابر. وقد تُوج العمل بعدة جوائز ضمن مهرجان مسرح الشباب 2005، منها جائزة التشخيص الذكوري لرضا الناده، وجائزة الإخراج لمحسن مهتدي، وجائزة السينوغرافيا لحسن صابر.

لقد خرجت سعيد الودغيري من تجربته الأولى على يد الفنان والمخرج محمد خشلة، ثم من خلال العمل مع الفنان والمخرج محسن مهتدي، برصيد معرفي وتجريبي مهم في الفعل المسرحي، تكوّن لديه وعي أعمق بأساسيات الأداء والتعبير الجسدي داخل الفضاء المسرحي. كما اكتسب أدوات فنية ومنهجية مكنته من مقاربة أدوار مختلفة بثقة أكبر. وأصبح بإمكانه خوض تجارب مسرحية متعددة بوعي ناضج ورؤية أكثر اتساعًا. لقد مكنه هذا التداخل بين المسرح والرقص من إعادة تشكيل أدواته التعبيرية، بحيث لم يعد الأداء قائمًا فقط على الكلمة، بقدر ما أصبح الجسد ذاته حاملًا للدلالة ومصدرًا للإيحاء، وهكذا، تبلورت ملامح مشروع فني يجمع بين التمثيل والكوريغرافيا في بنية متكاملة، حيث تتعانق الحركة مع الفعل الدرامي في انسجام دقيق، يعكس وعيًا متقدمًا بجمالية الأداء المركّب، ويمكن اعتبار هذه المرحلة الجامعية لحظة تأسيس حقيقية لوعيه الفني، إذ انتقل فيها من التجربة الأولى إلى التشكّل الواعي، ومن الممارسة العفوية إلى بناء أسلوب شخصي، قوامه البحث والتجريب، وغايتُه تحقيق تعبير فني متجدد ومفتوح على احتمالات متعددة.

شكل المهرجان الجامعي بمدينة فاس عام 2028 آخر محطة له في تلك المرحلة، حيث شارك بمسرحية“عبدة الصمت”من تأليف نجيب الشيخ وإخراج لبنى الزويشي، وهي تجربة كانت ثمرة جهد طلابي خالص على مستوى التأليف والإخراج والأداء. وقد لقي هذا العمل استحسانًا ملحوظًا في مختلف التظاهرات التي عُرض فيها، غير أنّه فوجئ، خلال الدورة ذاتها، بإقصاء العرض من طرف لجنة التحكيم، دون أي تنويه أو تقدير يُوازي حجم الجهد المبذول. شكّل ذلك صدمة عميقة لديه، إذ شعر بأن طاقة جماعية كبيرة قد أُهدرت دون اعتراف، في لحظة كان ينتظر فيها دعمًا معنويًا يوازي اندفاعه. وبفعل قلة التجربة والنضج آنذاك، وتحت تأثير عنفوان الشباب، اتخذ سعيد الودغيري قرارًا بالابتعاد عن المسرح، ظنًّا منه أنه قرار صائب، بينما كان في عمقه تعبيرًا عن جرح داخلي. غير أن هذا الابتعاد خلّف فراغًا قاسيًا، لأن المسرح كان بالنسبة إليه متنفسه الوحيد ومصدر توازنه. ومع تصاعد توترات شخصية وأسرية، وجد نفسه في حالة من التيه، دفعت به إلى البحث عن واقع مغاير، لا لكونه أفضل، بل لأنه مختلف.كانت أولى محطاته خارج الوطن نحوتركيا، حيث سافر رفقة أصدقاء كانوا يتخذونها معبرًا نحو أوروبا. هناك، وفي شارع تقسيم، تعرّف على مجموعة من الشباب العرب الذين يمارسون فنون الشارع، فانخرط معهم لمدة ستة أشهر، مؤديًا رقصات تعبيرية في الفضاء العام. غير أن هذا المسار لم يُنهِ حالة التيه، فانتقل بعدها إلىليبيا، حيث اشتغل في مطعم لمدة تسعة أشهر، متزامنًا مع أحداثالربيع العربي، التي جعلت الظروف أكثر تعقيدًا، فاضطر إلى العودة إلى المغرب لفترة وجيزة.

سرعان ما غادر مجددًا نحوغينيا الاستوائية، في إطار مشاركة ضمن وفد غير رسمي لتمثيل المغرب في قمة إفريقية، مستفيدًا من إتقانه للغة الإسبانية. وبعد قرابة ثلاثة أشهر، عاد إلى ليبيا من جديد، حيث اشتغل في مدينة غدامس، متنقلًا بين وظائف متعددة، إلى أن التحق عام 2014 بالعمل في مطار طرابلس الدولي بعد تكوين خاص. غير أن اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا أدخله في واحدة من أصعب مراحل حياته، إذ عاش شهورًا قاسية كغريب دون أوراق أو مأوى، فاقدًا الأمل في العودة.لكنّ العناية الإلهية تدخّلت، حيث تمكّن من مغادرة ليبيا سرًا نحوتونس، قبل أن يعود إلى المغرب عام 2015. وبعد فترة قصيرة، سافر إلىالإمارات العربية المتحدة، حيث كانت هذه الرحلة نقطة تحوّل حاسمة، إذ التقى هناك بمسرحيين هواة، ليكتشف أن شغفه بالفن لم يخمد.وفي عام 2016 إلى وطنه المغرب بقرار واضح، العودة إلى الفن لا إلى الماضي. فكانت المصالحة مع الذات بداية لمصالحة أعمق مع أسرته، التي شكّلت سندًا أساسيًا له. ومن هذه اللحظة، بدأت مرحلة جديدة في مساره، أكثر وعيًا ونضجًا، تُوّجت ببداية ثانية من خلال مسرحية تُوّجت ببداية ثانية من خلال مسرحية “الهواوية” التي كتبها وأخرجها الراحل محمد فراح العوان، وفي اعتقاده وقد شكّلت هذه التجربة محطة تأسيسية في مساره الفني. داخل هذا العمل، اشتغل على صياغة رؤية حركية متكاملة، تُزاوج بين التعبير الجسدي والبناء الدرامي، بما يمنح العرض بعدًا بصريًا ودلاليًا متماسكًا. وقد تُوّج هذا الاشتغال بحصوله، في مهرجان الإسكندرية الدولي للمسرح التجريبي، على جائزة أحسن كوريغرافيا، وهو تتويج أكد على تميّز مقاربته الفنية التي تقوم على استثمار الجسد بوصفه لغة قائمة الذات داخل الفعل المسرحي، وفي عام 2017، التقى بالفنانة سهام لحلو ضمن الفريق الجامعي للمسرح تحت إشراف الدكتورسعيد الناجي، حيث دُعي للانضمام إلى الفرقة رغم انتهاء مساره الدراسي، في تجربة جسّدت انفتاح الجامعة على الطاقات الفنية خارج أسوارها، ومهّدت لمرحلة جديدة من التألق امتدت خلال أعوام 2018 و2019 و2021. بعد هذه التجربة، عاد إلى فضاء المسرح الجامعي، لكن هذه المرة برؤية أكثر وضوحًا وطموحًا، حيث أسّس فرقة مسرحية حملت اسم “صوطوفوتشي”(أي الصوت الخافت)، في إشارة رمزية إلى الأصوات الهامشية والوجود الإنساني المقموع الذي يسعى المسرح إلى إبرازه. ومن خلال هذه الفرقة، انخرط في مشروع فني جماعي، يقوم على البحث والتجريب، ويهدف إلى بناء خطاب مسرحي معاصر يستند إلى التداخل بين الأداء الدرامي والتعبير الحركي.

في عام 2018، شارك رفقة فرقته في مهرجان طنجة الدولي للمسرح الجامعي، وكذلك مهرجان أكادير الدولي للمسرح الجامعي، من خلال مسرحية”أرض مجهولة”، التي شكّلت محطة فارقة في مساره الإبداعي. وقد حاز هذا العمل على الجائزة الكبرى، إلى جانب جوائز أحسن تشخيص إناث وأحسن تشخيص ذكور، وهو ما عكس تكامل الرؤية الفنية داخل العرض، سواء على مستوى الإخراج أو الأداء أو الاشتغال الجماعي. لقد بدا واضحًا أن العمل تجربة جمالية متكاملة، تُجسّد تفاعل العناصر المسرحية في بنية واحدة منسجمة.وفي عام 2019، عاد للمشاركة في الدورة الموالية لنفس المهرجان، بنفس الروح الإبداعية والطموح الفني، حيث تمكنت الفرقة من حصد الجائزة الكبرى مرة أخرى، في إنجاز متتالٍ يؤكد استمرارية التميز. ولم يقتصر التتويج على هذه الجائزة، وإنما شمل أيضًا جائزة الكوريغرافيا، وجائزة السينوغرافيا، وجائزة البحث العلمي، وهو ما يعكس عمق الاشتغال على مختلف مستويات العرض، من حيث البنية الجمالية والفكرية. لقد رسّخ هذا التتويج المتكرر مكانته كفاعل مسرحي يجمع بين الحس الإبداعي والرؤية المنهجية، ويؤمن بالمسرح كمجال للبحث والتجريب.وفي عام 2021، وبعد فترة الانقطاع التي فرضتها جائحة كورونا على المشهد الثقافي، عاد إلى خشبة المسرح من جديد، من خلال مشاركته في مهرجان طنجة بمسرحية”غشية” تأليف وإخراجرضا التسولي،وقد شكّلت هذه العودة لحظة قوية في مساره، حيث استطاع العمل أن يحصد جميع جوائز المهرجان، بما في ذلك الجائزة الكبرى، في إنجاز يعكس نضج التجربة واستمرارية العطاء رغم التحديات. وقد تميزت هذه المسرحية برؤية إخراجية متماسكة، واشتغال دقيق على الجسد والفضاء، مما منحها طابعًا بصريًا ودراميًا لافتًا.ولم يتوقف صدى هذا العمل عند حدود المهرجان، حيث حظي بدعم وزارة الثقافة، مما أتاح للفرقة القيام بجولة وطنية شملت ستة عروض في عدد من المدن، وهو ما ساهم في توسيع دائرة التلقي وتعزيز حضور العمل على الساحة المسرحية. ومن بين أبرز هذه المشاركات، عرضها ضمن فعاليات مهرجان “أمناي” بمدينة ورزازات، حيث تمكنت الفرقة من انتزاع جائزة السينوغرافيا (تصور جماعي)، وجائزة أحسن إخراج للمخرج رضا التسولي، وجائزة أحسن تشخيص إناث للممثلة كنزة فركاك، في تأكيد جديد على تميز التجربة وتكامل عناصرها.وبهذا المسار المتراكم، يكون سعيد قد رسّخ لنفسه تجربة فنية قائمة على الجمع بين الكوريغرافيا والتمثيل، وعلى الانفتاح المستمر على أشكال التعبير المختلفة، في أفق بناء مشروع مسرحي متجدد، يتجاوز الحدود التقليدية، ويؤسس لخطاب جمالي معاصر ينبع من عمق التجربة ويخاطب الإنسان في أبعاده المتعددة.

من هذا الأفق، دخل سعيد الودغيري مرحلة الاحتراف، وهي المرحلة التي مثّلت امتدادًا طبيعيًا لتراكماته السابقة، لكنها في الآن ذاته شكّلت انتقالًا نوعيًا نحو فضاءات أوسع من الاشتغال الفني. فقد تميزت هذه الفترة بانخراطه في تجارب متعددة، توزعت بين المسرح والسينما والتلفزيون، حيث أتيح له العمل إلى جانب أسماء بارزة في الساحة الفنية، مما أسهم في تعميق خبرته وتوسيع رؤيته الإبداعية. حيث أصبح فاعلًا في مختلف الوسائط التعبيرية، مستثمرًا رصيده في الأداء الجسدي والدرامي على حد سواء، ففي المجال السينمائي، سجّل مشاركات لافتة في أعمال حملت تنوعًا على مستوى الرؤى والاختيارات الجمالية. من بين هذه الأعمال، فيلم”حبوب منع الحمل”، من تأليف السيناريست هيشام الغفولي وإخراج عصام دوخو، حيث انخرط في تجربة سينمائية تطرح قضايا إنسانية واجتماعية ضمن قالب درامي معاصر. وقد أتاح له هذا العمل اختبار أدواته التمثيلية في سياق بصري مختلف عن المسرح، يتطلب دقة أكبر في الأداء، ووعيًا خاصًا بلغة الكاميرا وإيقاع الصورة.كما شارك في فيلم”أغنية البجاع”، من تأليف السيناريست منصف القادري وإخراج يزيد القادري، وهو عمل آخر أضاف إلى رصيده تجربة جديدة، من حيث الاشتغال على الشخصية ضمن بنية سردية مركبة، تجمع بين البعد الواقعي والرمزي. وقد مكّنته هذه التجربة من تعميق فهمه للفعل التمثيلي في السينما، حيث تتداخل التفاصيل الدقيقة مع البنية العامة للعمل، في بناء دلالة متكاملة.ومن أبرز محطاته أيضًا، تعاونه مع المخرجحسن بنجلونفي فيلم”جلال الدين”، حيث شارك من خلال أداء رقصات الدراويش داخل العمل، مستثمرًا خبرته في التعبير الجسدي والكوريغرافيا. وقد شكّل هذا الحضور إضافة نوعية، وكانت مشاركته انخراطًا في بناء البعد الروحي والجمالي للفيلم، بما يحمله من رمزية صوفية وإيحاءات دلالية عميقة.إن هذه المرحلة الاحترافية، بما تميزت به من تنوع في التجارب وتعدد في أشكال الاشتغال، قد أسهمت في ترسيخ مكانته كفنان متعدد الأبعاد، قادر على الانتقال بسلاسة بين المسرح والسينما، وعلى توظيف الجسد والصوت في خدمة رؤية فنية متكاملة. وهكذا، واصل مساره بثبات، منفتحًا على تجارب جديدة، ومؤكدًا حضوره في المشهد الفني من خلال أعمال تجمع بين الحس الجمالي والوعي الإبداعي.

على مستوى المسرح، واصل سعيد الودغيري مساره الاحترافي من خلال الانخراط في تجارب نوعية عززت حضوره كفنان يجمع بين التمثيل والكوريغرافيا. فقد اشتغل إلى جانب الفنانأمين ناسورفي مسرحية”تاكنزا”، حيث تولّى مهمة الكوريغرافيا، واضعًا تصورًا حركيًا ينسجم مع الرؤية الإخراجية العامة للعمل. وقد سعى، من خلال هذا الاشتغال، إلى بناء لغة جسدية دقيقة تُسهم في تعميق البعد الدرامي، وتمنح العرض طاقة تعبيرية تتجاوز حدود الكلمة، نحو فضاء بصري نابض بالحركة والإيحاء، كما شارك في مسرحية”الخيمة”ضمن فعالياتمهرجان الشارقة للمسرح الصحراويبدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث جمع بين الأداء كممثل وتصميم الكوريغرافيا. وقد مثّلت هذه التجربة فضاءً مميزًا للاشتغال على خصوصيات المسرح الصحراوي، بما يفرضه من شروط جمالية وبيئية تقتضي توظيفًا مختلفًا للجسد والفضاء.داخل هذا العمل، استطاع أن يزاوج بين البعدين الدرامي والحركي في تناغم لافت، حيث الحركة كانت عنصرًا مكمّلًا وجزءًا أصيلًا من بنية العرض، يسهم في إنتاج المعنى وتكثيف الدلالة. كما أبان عن قدرة على التكيف مع طبيعة الفضاء المفتوح، واستثمار عناصره في خدمة الرؤية الفنية.وبذلك، رسّخ حضوره كفنان قادر على الاشتغال ضمن سياقات مسرحية متعددة، مستثمرًا خبرته في التعبير الجسدي لبناء عروض تتسم بالانسجام والتكامل، وتؤكد وعيه العميق بجمالية الأداء المركّب.

ويبقى في أعماق الفنان سعيد ذلك الأثر الخفي الذي يوقظ العاطفة ويستدعي الحنين، حيث تتقاطع التجربة الفنية مع الإحساس الإنساني في لحظات نادرة من الصفاء. فبرغم تعدد إنجازاته وتنوع محطاته، يظل أجمل ما اختبره فنيًا مرتبطًا بتلك اللحظة التي بدأ فيها يتجه بوعي وشغف نحو الكوريغرافيا، بوصفها أفقًا جديدًا للتعبير. في تلك المرحلة، التقت تجربته بتجربة الفنانة سهام، التي شكّلت حضورًا مميزًا في مساره، كشريكة فنية وروح مبدعة تتقاطع معه في الرؤية والإحساس.لقد نشأت بينهما علاقة فنية قائمة على التفاهم العميق والانسجام الإبداعي، حيث عملا معًا على تطوير تجارب كوريغرافية لاقت استحسان الجمهور، وأسهمت في ترسيخ اسميهما كثنائي فني متميز على المستويين المحلي والوطني، لقد تجاوز اشتغالهما معا على تنسيق الحركي إلى بناء خطاب تعبيري قائم على الجسد، يمزج بين الحس الجمالي والبعد الدرامي، ويؤسس لأسلوب خاص في الرقص التعبيري، يتميز بالصدق والتلقائية والقدرة على التأثير. وقد فتحت لهما هذه التجارب آفاقًا واسعة للمشاركة في عدة تظاهرات فنية، حيث قدّما عروضًا جسّدت هويتهما الإبداعية، وأبرزت خصوصية لغتهما الحركية.وإلى جانب هذه التجربة الغنية، عاش لحظات فنية وإنسانية مفعمة بالحب من خلال مشاركته في مسرحيتي”“حياة المأمون”و “من زاوية أخرى”، من تأليف وإخراج السيناريستهشام الغفولي. وقد شكّلت هاتان المسرحيتان فضاءً للتعبير عن قضايا إنسانية عميقة، حيث امتزج فيهما البعد الجمالي بالرسالة الفنية، في محاولة لملامسة وجدان المتلقي وإثارة تساؤلاته.داخل هذين العملين، تجاوز الأداء التمثيلي إلى الانخراطً الوجداني في التجربة، قائمًا على التفاعل الحي مع الجمهور، والسعي إلى إيصال الفكرة بلغة صادقة ومؤثرة. وقد وجد في نصوص هشام الغفولي ما ينسجم مع تطلعاته الفنية، إذ تتميز كتاباته بقدرتها على الجمع بين العمق الدلالي والبساطة التعبيرية، مما يمنح الممثل مساحة واسعة للاشتغال على الشخصية واستكشاف أبعادها المختلفة.وبالنسبة إليه، تظل هذه التجارب من أجمل ما مارسه مسرحيًا لما تختزنه من دفء إنساني وشغف مشترك. فهو يرى في أعمال هشام الغفولي امتدادًا لرؤية مسرحية واعية، استطاعت أن تفرض حضورها في الساحة الفنية، سواء في المسرح أو التلفزيون، بفضل ما تتميز به من احترافية في الكتابة وصدق في الطرح.وهكذا، تتداخل في مساره لحظات الإنجاز مع لحظات الوجد، ليبقى الفن بالنسبة إليه أكبر من مجرد ممارسة، حيث يعتبرها تجربة حياة تتغذى من الحب، وتزدهر بالتلاقي، وتستمر بالسعي الدائم نحو التعبير الأصدق والأعمق.

كما تميّز مساره الفني الواعد بالمشاركة في عرض”نوستالجيا”بمدينةفاس، في نسختيه لسنتي 2025 و2026، تحت إدارة المخرجأمين ناسور، وهي تجربة شكلت إضافة نوعية إلى رصيده الفني. فقد أتاح له هذا العمل فضاءً جديدًا للتفاعل مع أنماط إخراجية مختلفة، والاشتغال ضمن رؤية جمالية تستحضر الذاكرة وتعيد صياغتها بلغة مسرحية معاصرة.داخل هذا العرض، عزّز حضوره كفنان قادر على التكيّف مع تعدد الأساليب والتجارب، مستثمرًا خبرته في الأداء الجسدي والدرامي لخلق توازن دقيق بين التعبير الحركي والبنية السردية. كما أسهمت هذه المشاركة في توسيع دائرة اشتغاله داخل الساحة الثقافية، وترسيخ موقعه ضمن تجارب مسرحية تسعى إلى التجديد والانفتاح، بما يعكس وعيه المستمر بتطور أدواته الفنية وحرصه على ملامسة آفاق إبداعية متجددة.

بعد أن سعى الفنان سعيد الودغيري إلى إبراز ذاته الفنية ككوريغراف، عمل جاهدًا على اختزال سنوات من الانضباط والتدريب اليومي المكثف، حتى وصل صدى جهوده إلى الدكتور محمود الشاهدي، الفنان المسرحي ومدير مركز “نجوم علي زاوا” بمدينةفاس. وقد دعاه للعمل بالمركز كأستاذ للرقص منذ تأسيسه، حيث خاض تجربة مهمة في تأطير محترفات الرقص لفائدة المراهقين والكبار.وخلال فترة اشتغاله التي امتدت لثلاث سنوات، قام بتصميم عروض استعراضية متنوعة، أسهمت في صقل تجربته وتعزيز حضوره الفني. غير أنه، ومع شعوره بأن الالتزام المؤسسي بدأ يحدّ من فضاء الإبداع لديه، قرر إنهاء تجربة التدريس، متجهًا نحو آفاق فنية جديدة أكثر انفتاحًا وتحررًا، تتيح له استعادة مساره الإبداعي بشكل أوسع.

لقد امتد المسار الفني لسعيد الودغيري لأكثر من عقدين من الزمن، في تجربة غنية بتعدد مراحلها وتراكم منجزاتها، حيث تشكّلت ملامح مشروعه الإبداعي عبر محطات متتالية من البحث والتجريب. فقد استطاع، منذ بداياته، أن يرسم لنفسه مسارًا متفردًا يجمع بين المسرح والسينما والرقص، منفتحًا على مختلف أشكال التعبير، وساعيًا إلى بناء لغة فنية خاصة تتجاوز الحدود التقليدية بين الفنون، حيث لم يكن هذا المسار مجرد انتقال بين مجالات فنية متعددة، وإنما نهجا ومشروعًا واعيًا يقوم على التكامل بين هذه الحقول، حيث يتقاطع الأداء الدرامي مع التعبير الجسدي، وتتداخل الصورة السينمائية مع الحس المسرحي، في أفق إنتاج تجربة مركبة تنبض بالحياة والدلالة. وقد مكّنه هذا التداخل من تطوير أدواته التعبيرية، بحيث أصبح الجسد لديه عنصرًا محوريًا في بناء المعنى، لا يقل أهمية عن الكلمة أو الصورة.وعلى امتداد هذه الرحلة، ظلّ وفيًّا لروح البحث والتجديد، منفتحًا على التجارب المعاصرة، ومستثمرًا كل ما من شأنه أن يثري رؤيته الفنية، مواصلا سعيه نحو آفاق أرحب، مستندًا إلى وعي جمالي يتغذى من التجربة ويعيد تشكيلها باستمرار. وقد انعكس هذا التوجه في أعماله التي اتسمت بالتنوع والعمق، سواء على مستوى الموضوعات أو على مستوى الاشتغال التقني.وفي خضم هذا المسار المتراكم، حافظ الفنان سعيد الودغيري على هوية فنية خاصة، تتجلى في قدرته على المزج بين الجسد والركح، في علاقة عضوية تجعل من الحركة امتدادًا للفعل الدرامي، ومن الفضاء المسرحي مجالًا حيًا للتعبير. هكذا، تبلورت تجربته كحضور فني متعدد الأبعاد، يجمع بين الحس الإبداعي والانضباط المهني، ويؤكد مكانته كفاعل ثقافي يسهم في إغناء المشهد الفني برؤية متجددة ومتوازنة.

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى