الذكرى الـ 50 لتأسيس البوليساريو: بين رمزية الاحتفال وتحديات الواقع وتحولات المسار الدولي

في مشهد يختلط فيه الرمزي بالسياسي، احتفلت جبهة البوليساريو، أمس الأربعاء ، بالذكرى الخمسين لإعلان ما تسميه “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، التي أُعلن عنها لأول مرة في 27 فبراير /شباط من عام 1976 على الأراضي الجزائرية. ويأتي هذا الحدث في ظرف إقليمي ودولي دقيق، حيث تتقاطع التحولات الجيوسياسية مع تعقيدات الملف الصحراوي، لتضفي على هذه المناسبة أبعادًا تتجاوز طابعها الاحتفالي. واختارت الجبهة تنظيم الاحتفالات في مخيم أوسرد، أحد مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف بالجزائر، بدل إقامتها في المناطق التي تصفها بـ”المحررة”. هذا الاختيار، الذي لم يعد استثناءً منذ سنوات، يعكس تحولات ميدانية فرضتها معطيات عسكرية جديدة، خاصة بعد تكثيف القوات المسلحة الملكية المغربية لاستخدام الطائرات المسيرة منذ 13 نونبر/تشرين الثاني من عام 2020، ما دفع الجبهة إلى إعادة تموضع أنشطتها الكبرى داخل الأراضي الجزائرية، بحثًا عن هامش أوسع من الأمان.

غير أن أجواء الاحتفال لم تحجب أصواتًا متزايدة داخل صفوف الجبهة، تنتقد ما تعتبره “تبذيرًا للموارد المالية في مناسبات رمزية، في وقت تواجه فيه المخيمات أوضاعًا إنسانية صعبة”. وتفيد معطيات متقاطعة بأن ميزانيات مهمة خُصصت لتنظيم هذه الفعاليات، بما في ذلك استقبال وفود أجنبية في مخيمات تندوف، إضافة إلى تمويل أنشطة ممثليات الجبهة في الخارج، والتي تُقام في بعض الأحيان داخل فنادق فاخرة، وهو ما يثير تساؤلات حول أولويات الصرف وتدبير الموارد. في هذا السياق، برزت مواقف معارضة من داخل التيار المنشق عن قيادة الجبهة، خاصة من شخصيات تختلف مع توجهات زعيمها إبراهيم غالي. ويرى هؤلاء أن “توجيه الموارد نحو الاحتفالات الخارجية لا يعكس حجم التحديات اليومية التي يواجهها سكان المخيمات”، داعين إلى إعادة ترتيب الأولويات بما يخدم الاحتياجات الأساسية للسكان. ومن بين أبرز هذه الأصوات، يبرز سعيد زروال، الذي دعا بشكل صريح إلى تخصيص الموارد المالية لمساعدة المتضررين من الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت مخيم الداخلة قرب تندوف. وتشير التقديرات إلى أن نحو 1500 عائلة تضررت بشكل مباشر من هذه الكارثة، ما فاقم من هشاشة الأوضاع الإنسانية في المنطقة، في ظل محدودية الإمكانيات وضعف البنية التحتية.

ويطرح هذا التباين بين مظاهر الاحتفال ونداءات الاستغاثة الإنسانية تساؤلات جوهرية حول طبيعة الخطاب الذي تتبناه الجبهة، خاصة في ظل استمرارها في طلب الدعم من الدول المانحة والمنظمات الدولية لمواجهة الأزمات داخل المخيمات. وهو ما يراه منتقدون تناقضًا بين السلوك المالي والاحتياجات الواقعية للسكان. وفي موازاة هذه الانتقادات، نظمت الجبهة عرضًا عسكريًا في مخيم أوسرد، في محاولة لإبراز جاهزيتها العسكرية وإعادة التأكيد على حضورها الرمزي في المشهد. غير أن هذا العرض، بدوره، لم يسلم من الانتقادات، حيث اعتبره البعض رسالة سياسية موجهة للخارج أكثر من كونه تعبيرًا عن واقع ميداني فعلي.

تبدو الذكرى الخمسون لإعلان “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” مناسبة تعكس، أكثر من أي وقت مضى، التباينات داخل جبهة البوليساريو، بين خطاب الاحتفال الرسمي وتحديات الواقع الإنساني، وبين رهانات السياسة وإكراهات الميدان. وهي تباينات مرشحة للتفاقم، في ظل استمرار الضغوط الإقليمية والدولية، وتنامي الأصوات المطالبة بإعادة النظر في أولويات الجبهة واستراتيجياتها المستقبلية.

وفي السياق تستعد الأمم المتحدة لعقد مشاورات مغلقة خلال أبريل/نيسان الجاري، في اجتماع يُنظر إليه داخل الأوساط الدبلوماسية كاختبار حقيقي لمآلات هذا التحول، خصوصا أنه يأتي في سياق دينامية سياسية وقانونية جديدة لم يعد فيها النزاع يُقرأ بنفس الأدوات التقليدية التي حكمته لعقود. هذا التحول يجد أساسه المباشر في القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2025 الذي لم يكتف بتجديد ولاية بعثة “المينورسو” بل حمّل المنظمة الأممية مسؤولية إجراء تقييم استراتيجي شامل لمستقبلها في إشارة واضحة إلى أن استمرار البعثة بصيغتها الحالية لم يعد مسلّما به. غير أن ما تغيّر منذ ذلك القرار لا يتعلق فقط بالأمم المتحدة، بل بالبيئة الدولية التي تتحرك داخلها حيث برز تطور نوعي في مواقف عدد من الفاعلين الدوليين وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، الذي شهد لأول مرة اصطفافا جماعيا لعدد من دوله الأعضاء حول دعم المسار الذي يقوده مجلس الأمن في تحول لافت مقارنة بمواقفه السابقة التي كانت تُؤطر بصرامة قانونية تُبقي على مسافة واضحة من أي تأويل سيادي للنزاع.

هذا التحول الأوروبي، الذي عبّرت عنه مواقف منسجمة داخل مؤسسات الاتحاد ومن خلال توافق بين 27 دولة عضو يعكس إعادة قراءة جماعية للملف لم تعد تُختزل في منطق القانون الدولي الكلاسيكي المرتبط بتقرير المصير بل بدأت تتجه نحو مقاربة براغماتية تُعطي الأولوية للاستقرار الإقليمي والحلول الواقعية، وهو ما يُفهم منه ضمنيا انتقال تدريجي نحو قبول الامتداد السيادي المغربي كأرضية للحل. فقد أصدر الاتحاد الأوروبي، نهاية يناير  بيانا مشتركا صدر عن الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس ووزير الشؤون الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، عقب انعقاد الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب نص بشكل صريح على دعم قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797 الداعي للتفاوض بشأن قضية الصحراء على أساس مقترح الحكم الذاتي. وحمل البيان دعوة صريحة من الاتحاد الأوروبي إلى “أطراف” نزاع الصحراء من أجل المشاركة في المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة دون شروط مسبقة وهي الصيغة التي تشمل ضمنيا الجزائر فووفق ما ورد في البيان، فقد ذكَّر الاتحاد الأوروبي بتمسكه بتسوية نزاع الصحراء استنادا إلى مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف، وفقا لميثاق الأمم المتحدة.

سعيد العفاسي: صحافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى