سوق القطانين بفاس: فضاء تاريخي نابض يجسد دينامية التجارة وأصالة الصناعات التقليدية

يُعَدّ سوق القطانين (نسبة إلى سيد القطان دفين درب يحمل اسمه في الحي، أو نسبة إلى سوق كان يباع فيه القطن)، ويعرف السوق اليوم في المدينة العتيقة بفاس واحدًا من أبرز الفضاءات الحضرية التي تختزن ذاكرة المدينة العتيقة وتكثّف تحوّلاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عبر قرون طويلة، لقد ارتبط اسم “القطانين” اشتقاقيًا بمادة القطن، وهو ما يحيل مباشرة إلى الوظيفة الاقتصادية الأولى للحي، حيث كان مركزًا لصناعة الغزل والنسيج، وقد ازدهر هذا النشاط بشكل خاص خلال العصر الوسيط، خاصة في القرنين الثالث والرابع عشر الميلاديين، حين بلغت فاس أوجها الحضاري كقطب اقتصادي وعلمي في الغرب الإسلامي. ففي تلك المرحلة، نشأت داخل الحي ورش متخصصة في الطرز وصباغة الأقمشة وغزل القطن والحرير والطباعة الحجرية، إلى جانب منشآت لتربية دودة القز، ما جعل من النسيج قطاعًا مركزيًا في الاقتصاد الحضري، لقد كان حي القطانين عقدة تجارية تربط فاس بمحيطها الإقليمي والدولي، حيث كانت منتجاته تُصدَّر إلى إفريقيا جنوب الصحراء، وإلى المشرق وإلى جنوب أوروبا، وما يزال سوق القطانين يحافظ على وهج حضوره بين أسواق العتيقة في العاصمة العلمية للمملكة، وإن صار اسمه أثرا يذكّر بمرحلة ازدهرت فيها صناعات الغزل والنسيج، حين كانت منتجاته من الأثواب والملابس تُصدَّر إلى إفريقيا والمشرق وجنوب أوروبا. وكان هذا السوق درة ضمن منظومة من الأسواق التي نسّقها نشاط النسيج، فحوّل فاس إلى مقصد بارز تقصده القوافل من أقاصي الجهات، باعتبارها مركزا مرموقا في هذا الفن، لا في الغرب الإسلامي فقط، بل في العالم المعروف آنذاك. فقد شهدت فاس في العصور الوسطى، خاصة خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، قيام منشآت ودور متخصصة في الطرز والتطريز والعقد، إلى جانب ورش النسيج والغزل وصباغة الصوف والقطن والحرير، كما وُجدت دور عنيت بتربية دود الحرير لإنتاج خيوطه الخام التي تُستعمل في حرف متعددة. واستمرت فاس في صدارة هذه الصناعة في الغرب الإسلامي إلى حدود أواخر القرن السابع عشر، حين بدأت المنسوجات الأوروبية تزاحمها في أسواق العالم الإسلامي وإفريقيا. ومع ذلك ظل سوق القطانين وجهة لاقتناء الأثواب والقطن الخام حتى منتصف القرن التاسع عشر، قبل أن تطرأ عليه تحولات مست معالمه مع تراجع تجارة القطن، ليتحول تدريجيا إلى منفذ غربي للأسواق التجارية بوسط المدينة. وقد عرف هذا الفضاء في أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين انتشار دور تجارية كبرى ووكلاء للشركات الأوروبية، وكان أغلبهم من اليهود، إلى جانب وكلاء مغاربة مثل بنجلون الكصعة، الذي مثّل تجارة مانشستر واستورد منها سلعا متنوعة كالأقمشة والسكر والشمع. كما احتضن السوق فروعا لبنوك دولية، وضم أول صيدلية أوروبية في المدينة العتيقة، يملكها فرنسي يدعى كيريو، إضافة إلى محلات بارزة لبيع الطربوش الفاسي الأحمر والبلاغي التي اعتادت النساء ارتداءها سوداء حدادا على الأندلس. وبموازاة النشاط التجاري، نشطت فيه ورش الخياطة التي امتدت من صناعة النسيج، حيث كانت تُفصَّل الملابس التقليدية للرجال والنساء من قفاطين وجلاليب ومنصوريات وفوقيات، إلى جانب الجبادورات ذات الطابع الأندلسي. وظل السوق محتفظا باسم “القطانين” نسبة إلى القطن، شأنه شأن مواقع أخرى عرفت النشاط ذاته مثل واد الصوافين وزنقة الحرارين وسوق الحنبل والقيسارية وغيرها، التي لا يزال كثير منها يحتضن أنواعا من الأثواب والمنسوجات. وفي تداخل لافت، يلتقي سوق القطانين بسوق آخر قديم يسمى “سوق الغزل”، لكنه ارتبط بتجارة لا علاقة لها بالنسيج، إذ كان مركزا لتجارة العبيد التي استمرت نشطة في المغرب، ملبية الطلب الداخلي والخارجي، ومصدَّرة نحو شمال إفريقيا وأوروبا وحتى القارة الأمريكية إلى أن منعتها سلطات الحماية الفرنسية سنة 1923 وأغلقت أسواقها، رغم استمرارها سرا إلى حدود 1930. وفي الجهة الغربية من السوق، يظهر درب وفندق يعرفان باسم “البركة”(مع تسكين الراء من برك يبرك الجمل)  حيث كانت تُجمع العبيد والإماء، كما وُجدت دار مجاورة تؤدي الوظيفة نفسها، وكانت هذه الأمكنة تستقبل أفرادا جرى استعبادهم من إفريقيا أو خُطفوا من مناطق خارج النفوذ المخزني. وقد نشطت آنذاك شبكات خطف وتهريب، بعضها تحت حماية قواد أو بمشاركة قطاع طرق، لبيع النساء والأطفال في الأسواق. وكان من المألوف استعمال العبيد من ذوي البشرة السوداء والبيضاء في بعض القبائل، حتى وإن كانوا مسلمين. ووفق ما أورده روجي لطورنو، كان سوق النخاسة يقام يوميا بسوق الغزل بعد الظهر، حيث يُباع العبيد بالمزاد. وهذه التسمية لم تكن خاصة بفاس، بل وُجدت في مدن أخرى مثل مراكش، كما استُعمل اسم “البركة” في الرباط. وقد أشار عبد الكريم غلاب إلى هذه التجارة في روايته “دفنا الماضي”. وفي مرحلة لاحقة، خضع فندق “البركة” للترميم وفتح للزوار، رغم غموض تاريخ إنشائه، الذي يرجح أنه يعود إلى القرن السادس عشر. كما عرفت بناية مجاورة تحولات وظيفية، إذ كانت بنكا ثم مقرات لمؤسسات مختلفة قبل أن تُعد لتصبح متحفا للعملات.

وفي الجهة الشمالية الغربية من السوق، يوجد حمام بن عباد، أحد أبرز حمامات فاس التاريخية، المشيد في العصر المريني، ويتميز بجمال معماره وتخطيطه الذي يضم فضاءين منفصلين للرجال والنساء. ويُعدّ الحمّام من المعالم التاريخية التي تعود إلى عهد الدولة المرينية في القرن الرابع عشر الميلادي، حيث يجسّد نموذجًا بديعًا لفن العمارة المغربية الأندلسية في أدق تفاصيله. يتميز هذا الحمام بمدخله الأنيق الذي يقود إلى فضاءين منفصلين، خُصّص أحدهما للنساء والآخر للرجال، في تنظيم يعكس تقاليد المجتمع آنذاك.ويرتبط اسم الحمام بمحمد بن عباد النفزي الرندي، الذي وُلد عام 1333 بمدينة رندة بالأندلس، ويُعدّ من أعلام المذهب المالكي في المغرب، كما يُنسب إليه دور بارز في نشر الطريقة الشاذلية والتأسيس النظري لها في المغرب الأقصى. وقد تنقّل بين عدد من الحواضر العلمية مثل تلمسان ومراكش وسلا وطنجة، قبل أن يستقر في فاس، حيث أمضى خمسة عشر عامًا يدرّس ويخطب ويعظ بجامع القرويين إلى أن وافته المنية سنة 1390.ولا تذكر المصادر التاريخية سببًا واضحًا لإطلاق اسمه على هذا الحمام، غير أن بعض الترجيحات تشير إلى أنه كان من مرتاديه نظرًا لقربه من جامع القرويين، رغم وجود حمامات أخرى مجاورة. وقد أحاطت بهذا الفضاء، كما بغيره من حمامات فاس، مجموعة من المعتقدات الشعبية التي تتحدث عن حضور الجن والعفاريت، على غرار حمامات أخرى مثل حمام الجياف) في الأصل حمام الجياد) بحومة البليدة أو حمام الزبالة بفاس الجديد، حيث ارتبطت هذه الأماكن أيضًا بتبجيل بعض الأولياء وطلب البركة منهم.ومع ذلك، احتفظ حمام بن عباد بخصوصية الشعبية، إذ شاع الاعتقاد بقدرة مياهه على شفاء الأمراض الجلدية، خاصة يوم السبت، حين يُقال إن مياهه تمتزج بمياه حامة مولاي يعقوب الكبريتية الواقعة غرب فاس. ولم تقتصر هذه التصورات على الحمام فقط، وإنما امتدت إلى شخصية بن عباد نفسه، حيث تروي بعض الحكايات الشفوية أنه ظل يخطب في جامع القرويين لمدة ستين عامًا، رغم أن عمره لم يتجاوز تسعة وخمسين عامًا، وهو ما يكشف عن طابع المبالغة الذي يميز الروايات الشعبية.وتضيف بعض المصادر، ومنها ما أورده الدكتور عبد الهادي التازي، إشارات إلى ما عُرف بـ”تعاويذ بن عباد”، إذ يُحكى أن زليجة داخل جامع القرويين كُتبت بخطه وتُستعمل كرقية لشفاء أمراض العيون، حيث كان الناس يلجؤون إلى طقوس خاصة مرتبطة بالماء وقراءة ما نُقش عليها. وربما تعود أصول هذه الروايات إلى ما نقله المقري في “نفح الطيب”، حين أشار إلى أبيات وُجدت مكتوبة بخط بن عباد على جدران الجامع، ومنها:
“أيتها النفس إليه اذهبي —– فحبه المشهور في مذهبي”.

كما نسجت حول شخصية بن عباد روايات، منها أنه أوصى ببناء الحمام من أموال جمعها، رغم تناقض ذلك مع معطيات حياته. وامتدت هذه المعتقدات إلى تعاويذ نسبت إليه داخل القرويين، حيث كان الناس يلجؤون إليها طلبا للشفاء، وهكذا يتداخل في سيرة حمام بن عباد البعد التاريخي بالمتخيل الشعبي، ليشكّلا معًا صورة غنية تعكس عمق التراث الثقافي والروحي لمدينة فاس..

وعلى مقربة من الحمام، تبرز الزاوية الكتانية بزخارفها الخشبية، وتعود إلى أسرة فاسية عريقة، عُرف أفرادها عبر الأجيال بالعلم والتقوى والعمل الصوفي والتربوي، إلى جانب مشاركتهم في الجهاد، رجالا ونساء. ومن بين نسائها برزت شخصيات علمية متميزة، مثل فضيلة بنت إدريس بن الطائع. وقد اشتهرت هذه الأسرة بإسهامها الواسع في مختلف العلوم الإسلامية، من فقه وحديث وتفسير ولغة وتصوف، وظلت هذه المكانة العلمية متوارثة إلى العصر الحديث. كما تميزت الزاوية الكتانية، خاصة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بحضور سياسي لافت مقارنة بغيرها من الزوايا.وتُعد هذه البناية أول مركز للطريقة الكتانية في المغرب، وتُعرف بالزاوية الكبرى، إذ أسسها الشيخ محمد بن عبد الواحد الكتاني عام 1855م بسوق القطانين. وخلال فترة خلفه، شهدت الزاوية إشعاعًا علميًا واسعًا، حيث استقطبت علماء من المشرق والمغرب، من بينهم علي بن ظاهر الوتري، ومحمد بن علي الحبشي، وعبد الكريم مراد، وخير الدين التونسي، أحد أعلام الإصلاح في الدولة العثمانية.وبرز أبو الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني كشخصية متعددة الأبعاد، فقد جمع بين الفقه والفلسفة والتصوف والشعر، وكان من أبرز المعارضين للوجود الفرنسي بالمغرب، كما أسس جريدة “الطاعون” التي تُعد من أوائل الصحف المغربية بفاس. وبعد عودته من رحلته إلى المشرق، حيث احتك بكبار العلماء وشهد مظاهر التقدم الأوروبي، دعا إلى إصلاحات سياسية جذرية، شملت تحديث الإدارة وإقامة نظام دستوري ومجالس تمثيلية، إلى جانب الدعوة إلى مقاومة الاستعمار.

وقد شارك الكتاني في مؤتمر مكناس عام 1908، حيث ساهم في توحيد القبائل المغربية على مشروع مقاومة الاحتلال الفرنسي والإسباني. غير أن خلافه مع السلطان عبد الحفيظ حول شروط البيعة والإصلاحات السياسية أثار توجس السلطة من نفوذه المتزايد، خاصة مع انتشار الزوايا الكتانية داخل المغرب وخارجه، حيث تجاوز عددها المئة، وكان لبعضها دور بارز في إشعال المقاومة المسلحة.كما خاض الكتاني مواجهة فكرية مع الجيلالي الزرهوني، المعروف بـ”بوحمارة”، حيث دحض ادعاءه المهدوية في خطبه ومحاضراته. غير أن هذا النفوذ الديني والسياسي أدى إلى اتهامه بالسعي لتأسيس كيان مستقل، ما دفع السلطان إلى التضييق عليه، فاضطر إلى مغادرة فاس عام 1909 نحو قبائل الأطلس، قبل أن يُلقى عليه القبض بتأثير من القنصل الفرنسي.وعقب مناظرة قصيرة جمعته بالسلطان، تم اعتقاله وتعذيبه، إلى أن توفي تحت وطأة الجلد في مارس 1909، وهو في ريعان شبابه، ثم دُفن سرًا في محاولة لطمس معالم الحادثة. وقد خلفت هذه الواقعة أثرًا عميقًا، حتى إن السلطان نفسه أبدى لاحقًا ندمه، بحسب ما ترويه بعض المصادر.ومن أعلام الأسرة كذلك محمد بن جعفر الكتاني( دفين حومة الصفاح)، الذي عُرف بعلمه في الحديث والتاريخ، وبمواقفه الداعمة للمقاومة الريفية بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، حيث كان ملاذًا للمجاهدين. كما برز عبد الحي الكتاني، الذي تلقى تعليمه في القرويين ودرّس في مؤسسات علمية كبرى، من بينها الأزهر والجامع الأموي والسوربون، وخلّف إنتاجًا علميًا غزيرًا في مختلف المجالات.ورغم ما تعرضت له الأسرة من محن، خاصة بعد مقتل محمد بن عبد الكبير، فقد ظل تأثيرها حاضرًا في الحياة العلمية والسياسية. غير أن مواقف عبد الحي الكتاني خلال فترة الحماية الفرنسية أثارت جدلًا واسعًا، خاصة بعد دعمه لمحمد بن عرفة، ما أدى إلى مصادرة ممتلكاته ونفيه إلى فرنسا، حيث توفي ودُفن هناك.

وفي محيط سوق القطانين، تتداخل الذاكرة التاريخية مع المرويات الشعبية، كما في “زقاق البغل”، الذي ارتبط بأسطورة تنسب تسميته إلى الشاعر الصوفي عبد العزيز المغراوي، أحد أعلام فن الملحون. وتروي الحكاية أن كرامة نُسبت إليه أثناء جرّه دابة نافقة أدت إلى انهيار المباني التي مر بها، قبل أن يتوقف في ذلك الزقاق، فيُخلّد اسمه في الذاكرة المحلية، في هذا الزقاق وجد أول سجن للرجال عرفته فاس. أما النساء فكن يحبسن في مكان مستشفى الأمراض العقلية القديم مارستان سيدي فرج. وكان لفاس الجديد سجنها الخاص؛ غير أن الاستعمار الفرنسي استعمل برج النور، الواقع في شمال فاس خارج أسوار المدينة، سجنا مؤقتا لاعتقال رجال الحركة الوطنية والمقاومة بديلا عن سجن زقاق البغل وقبل بناء السجن المدني في عين قادوس قبالة أسوار القصر الملكي من جهة بابا الساكمة. إن الذاكرة الشعبية، وخاصة في أوساط فن الملحون، تتناقل رواية شفهية عن سبب تسمية هذا الممر بزقاق البغل؛ مفادها أن أحد كبار شعراء الملحون وأحد المجددين فيه عبد العزيز المغراوي من القرن السادس عشر وبداية السابع عشر الميلادي، وقد عاصر المنصور السعدي (1549 ـ 1603)، ورثاه حين مات: عام شايب مات الذهبي اخيار لتراب—ما بقى للسعدي باش يرجحو، ومن أشعاره التي يسجل فيها أزمة فقره بعد قدومه من تافلات إلى فاس: دخلت لفاس غريب وقد اويت لصمعا * وقد نتهي خبزا ومن سكسو ما شبعا وقد طبعت ديوانه الشعري الزجلي أكاديمية المملكة المغربة ضمن سلسلة التراث سنة 2008 بمقدمة الدكتور عباس الجراري. لقد كان الشاعر عبد العزيز المغراوي أحد المبدعين الأوائل في شعر الملحون وله في الوسط الملحوني مكانة خاصة، حيث نال لقب أمير شعراء الملحون أو بلغتهم “شيخ الأشياخ” وشجرة الكلام”. في الرواية الشعبية أن المغراوي كان من علماء القرويين وولي من أولياء الله الصالحين. وحيث كان من مهن المهاجرين من منطقة تافيلالت إلى فاس إخراج الحيوانات الميتة في المدينة، من بغال وحمير، إلى ظاهرها، أراد بعض الفاسيين حسدا من عند نفسه التقليل من قيمة المغراوي العلمية ومن انتمائه الجغرافي، فطلب منه إخراج بهيمة ماتت في سوق القطانين إلى خارج أسوار المدينة، فقام عبد العزيز المغراوي يجر الحيوان، وحيث إنه من أولياء الله، كلما مر وهو يجر الميتة على مكان إلا وانهارت الدور والدكاكين، فتبعه الناس يتوسلون إليه أن يتوقف عن جر الحيوان إلى أن بلغ إلى هذا الممر فتوقف، فاعترفوا بقدره وولايته. ولذلك سمي الممر “زقاق البغل”. إن كان شاعر الملحون هو نفسه عبد العزيز المراكشي المغراوي الذي وُلي قضاء فاس بعد أبي مالك عبد الواحد الحميدي كما أورد محمد بن الطيب القادري في “نشر المثاني”؟ أو كما يقول الدكتور عباس الجراري في كتاب القصيدة: “وجدنا في بعض مصادر التراجم المغربية ذكرا لعالم يدعى عبد العزيز المغراوي من تافيلالت كان قاضي الجماعة بفاس وكان يعيش في الفترة نفسها التي عاش فيها شاعرنا الزجال، ولكننا لا ندري إن كان هو أم غيره”.

استمر ازدهار حي القطانين إلى حدود نهاية القرن السابع عشر، حين بدأت التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي تؤثر على بنية الحي. فقد أدى تدفق المنسوجات الأوروبية، نتيجة الثورة الصناعية، إلى تراجع الصناعات التقليدية المحلية، مما انعكس تدريجيًا على مكانة سوق القطانين. ومع ذلك، ظل الحي محتفظًا بوظيفته التجارية، إذ استمر مركزًا لتجارة الأقمشة والقطن إلى حدود منتصف القرن التاسع عشر.خلال هذه المرحلة الانتقالية، شهد الحي تحولات بنيوية عميقة، تمثلت في دخول عناصر جديدة إلى نسيجه الاقتصادي، مثل الوكلاء التجاريين الأوروبيين، الذين كان بعضهم من الطائفة اليهودية، إضافة إلى ظهور مؤسسات حديثة كالأبناك والصيدليات. وقد أسهم هذا التحول في إعادة توجيه وظيفة الحي من مركز صناعي إنتاجي إلى فضاء تجاري متعدد الأنشطة، يشكّل بوابة نحو الأسواق المركزية للمدينة، ومن المعالم الدالة على هذه التحولات، “فندق القطانين”(اليوم يسمى الفندق الجديد)، وهو خان تجاري بُني في أواخر القرن التاسع عشر في عهد السلطانالحسن الأول، وكان مخصصًا لإيواء التجار الوافدين، ما يعكس استمرار الدور التجاري للحي رغم تراجع وظيفته الإنتاجية،كما يشهد وجود حمام بن عباد، الذي يعود إلى العصر المريني، ومع دخول القرن العشرين، وخاصة خلال فترة الحماية الفرنسية، تسارعت وتيرة التحولات داخل الحي، حيث تراجعت الصناعات التقليدية بشكل أكبر، مقابل تعزيز الوظائف التجارية والخدماتية، وحيث تم تأسيس مكتب التلغراف والبريد المخزني( متواجد على يمين النازل  في حي رأس الشراطين، مباشرة بعد مدرسة الشراطين، على اليمين توجد قيسارية مكونة من خمسة دكاكين ما تزال إلى اليوم لافتة بالنقش على الخشب مكتوب عليها “البريد والتلغراف المخزني المغربي”، ثم تأسس أول بنك مخزني مغربي بالحي، الذي تحول إلى مركز للشرطة، (تحول إلى متحف للأوراق النقدية والمسكوكات بداء من عام 2024)، ومركز للبريد الألماني (قبالة الفندق الجديد)، ومدرسة الشعب (أسسها حزب الشورى والاستقلال) وإلى الزاوية الكتانية، وكل هذا يدل على تداخل الوظائف الاجتماعية والدينية مع النشاط الاقتصادي داخل الحي، وهو ما يميز البنية الحضرية التقليدية لفاس.إلى جانب ذلك،  ومع ذلك، ظل حي القطانين محتفظًا بذاكرته التاريخية، سواء من خلال اسمه أو من خلال بنيته العمرانية، التي تعكس مراحل متعددة من تاريخ فاس.

يمكن القول إن حي القطانين يمثل نموذجًا حيًا للتحولات التي عرفتها المدينة الإسلامية التقليدية، من اقتصاد حرفي محلي مزدهر إلى اقتصاد تجاري منفتح على التأثيرات الخارجية. فهو فضاء تختلط فيه الذاكرة بالحاضر، وتتشابك فيه البنى الاقتصادية مع الأبعاد الاجتماعية والثقافية، مما يجعله مادة خصبة للدراسة التاريخية والحضرية، ودليلًا على قدرة المدن العتيقة على التكيف مع التحولات دون أن تفقد هويتها.فهو بالإضافة إلى كونه ممرا تجاريا بنية رمزية نابضة بالحياة، ونقطة التقاء للتجار والخدمات الاجتماعية والاقتصادية، تُجسّد تفاعلات الإنسان الفاسي والزائر مع المكان، وتُترجم قدرته المستمرة على التكيّف وإعادة تشكيل أنماط العيش والإنتاج. وفي هذا الإطار، يُمكن النظر إلى سوق القطانين بوصفه نموذجًا دالًّا على دينامية الأسواق التقليدية في المدن الإسلامية، حيث تتشابك الوظائف الاقتصادية بالرمزية الدينية والاجتماعية في نسيج حضري متكامل. يقع السوق في قلب المدينة العتيقة، قريبًا من جامع القرويين، الذي يُعدّ أحد أقدم المراكز العلمية في العالم الإسلامي، يقصده القاصي والداني من أجل التزود بالمعارف والعلوم والخبرات، مما يضفي عليه بُعدًا روحيًا وثقافيًا خاصًا. وقد مكّن موقعه الاستراتيجي من أن يكون حلقة وصل بين عدد من الأسواق المتخصصة، مثل سوق رأس الشراطين وسوق الشماعين، وسوق السفارين (نسبة إلى تسفير الكتب)، وسوق الكاغد، (كان في حي يسمى اليوم بالسبطريين) وسوق الصفارين)، وقريبا من مدخلي المدينة من جهة الرصيف وبين المدن، فضلًا عن ارتباطه بممرات تؤدي إلى الحرم الإدريسي، المرتبط بذاكرة الدولة الإدريسية ومؤسسها. هذا التشابك المكاني يعكس طبيعة التنظيم الحضري لفاس، حيث تتوزع الحرف والأنشطة وفق نظام دقيق يقوم على التكامل والتخصص.

من الناحية البنيوية، يتخذ سوق القطانين شكل تفرّع ثلاثي يفضي إلى سوق الشماعين وجامعة القرويين، والمدارس العتيقة المحيطة بها( مدرسة رأس الشراطين، مدرية العطارين، مدرسة اللبادين، مدرسة الحلفاويين، مدرسة المصباحية والمدرسة المحمدية) والحرم الإدريسي، وسماط العدول، ورأس الشراطين، وباب السلسلة، وسوق السفارين(الصفارين اليوم)، حيث تتجاور الأنشطة التجارية الحديثة مع الحرف التقليدية كالحياكة والخياطة وصناعة الكاغد(الورق)، ومختلف الصناعات الجلدية والنحاسية، تؤكد هذه التفرعات تعددية الوظائف التي يضطلع بها السوق، بين ما هو تجاري، وما هو ديني، وما هو اجتماعي. تاريخيًا، ارتبط سوق القطانين بحرف تقليدية متجذّرة في الذاكرة الفاسية. فقد كان امتدادالسوق يضم سوق “القزادريين” سيصبح فيما بعد سوق الصفارين الذي كان برحبة الزبيب، المتخصص في صناعة الأواني القصديرية والأواني النحاسية، ومستلزمات تقطير زهر شجرة النارنج/ الخشخاش، وهي حرفة ارتبطت بالطقوس الاحتفالية وبالصناعات الغذائية والعطرية التقليدية بفاس، خاصة في المناسبات الدينية. ومع تحوّل البنية الاقتصادية، عرف هذا الفضاء إعادة توظيف، ليصبح سوقًا لمنتوجات الخياطة وبيع لوازم الخرازة ومعداتها، ما يعكس قدرة السوق على إعادة إنتاج نفسه وفق متطلبات الاستهلاك المعاصر.

ولسوق القطانين امتداد أخر كان يحتضن سوق “القبابين”، الذي اشتهر بصناعة الأدوات الخشبية، مثل “القباب” (دلاء خشبية تستعمل في الحمامات العمومية) ومكاييل الحبوب. وتُعدّ هذه الحرفة امتدادًا للتقاليد الأندلسية التي انتقلت إلى فاس بعد سقوط الأندلس، وهو ما تؤكده دراسات تاريخية عديدة تشير إلى الدور الذي لعبه المهاجرون الأندلسيون في إثراء الحرف والصناعات الفاسية (انظر حسن الوزاني، الحرف التقليدية بفاس، دار الثقافة، 1998). غير أن ما يميّز سوق القطانين ليس فقط تاريخه الحرفي، ولكنه انفتاحه على الحداثة. فقد كان من أوائل الأسواق التي احتضنت مظاهر الاستهلاك العصري، مثل الملابس الجاهزة ومستحضرات التجميل، وشهد افتتاح أول صالون حلاقة نسائي داخل المدينة العتيقة، في خطوة جريئة آنذاك عكست تحوّلًا في الذهنيات الاجتماعية. ويُبرز هذا التحول ما يسميه عالم الاجتماع عبد الكبير الخطيبي بـ”ازدواجية الحداثة التقليدية”، حيث تتعايش القيم التراثية مع أنماط حديثة من العيش (الخطيبي، الاسم العربي الجريح، 1980).

كما عرف السوق حضور مؤسسات اقتصادية حديثة، من بينها فروع بنكية وفنادق تجارية، بلغ عددها سبعة، كانت تستقبل التجار والزوار من خارج المدينة. ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه الفنادق إلى وظائف أخرى، كمدارس أو مستودعات، وهو ما يعكس التحولات الوظيفية التي عرفها النسيج الحضري لفاس في ظل التغيرات الاقتصادية والسياسية. ومن أبرز المعالم التاريخية التي يحتضنها السوق، “فندق اللحم”، الذي كان بمثابة مركز لتوزيع اللحوم الطازجة، أشبه ببورصة محلية تُحدَّد فيها الأسعار وفق العرض والطلب. كما شهد السوق حدثًا مفصليًا في تاريخ المغرب الحديث، تمثّل في تأسيس أول إدارة بريد وطنية سنة 1912، تحت اسم “الإدارة الشريفة للبريد والتلغراف والتليفون”، في سياق السعي إلى تنظيم الخدمات العمومية وتقليص الهيمنة الأجنبية. وقد وثّق المؤرخ عبد الله العروي هذه المرحلة بوصفها بداية تشكّل الدولة الحديثة في المغرب (العروي، مجمل تاريخ المغرب، 1996)، وهكذا ظل سوق القطانين فضاء تتقاطع فيه التجارة والعلم والأسطورة، حيث تتجاور الحكايات الشعبية مع الوقائع التاريخية، مثل قصة زقاق البغل المرتبطة بالشاعر عبد العزيز المغراوي، التي تعكس حضور المخيال الشعبي في تشكيل ذاكرة المكان، وتجعل من هذا السوق سجلا حيا لذاكرة فاس المتعددة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى