تصنيف البوليساريو ضمن قائمة المنظمات الإرهابية… ورقة ضغط أمريكية أم بداية مواجهة مع الجزائر؟


تشير المعطيات المتداولة إلى أن التوتر في العلاقات بين الجزائر وواشنطن آخذ في التصاعد، حتى وإن لم يصرّح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بذلك بشكل مباشر في خطاباته أو مواقفه الرسمية. وفي هذا السياق، لفت الانتباه غياب رد رسمي جزائري على المبادرة التي طرحها السيناتور الجمهوري تيد كروز، والتي تهدف إلى إدراج جبهة البوليساريو ضمن قائمة المنظمات الإرهابية. غير أن هذا الصمت لم يدم طويلاً، إذ اختار عبد العزيز رحابي، الوزير السابق والدبلوماسي، أن يعبر عن موقف مغاير من خلال مقال تحليلي كسر به حالة التحفظ الرسمي. ويُنظر إلى رحابي، بحكم قربه من دوائر القرار، ولا سيما المؤسسة العسكرية، باعتباره صوتاً غير مباشر للسلطة الجزائرية في القضايا الحساسة. فقد سبق له أن لعب أدواراً مماثلة خلال أزمات دبلوماسية مع دول أوروبية مثل إسبانيا وفرنسا، حيث تدخل بآرائه ومواقفه في لحظات التوتر دون أن تضطر الدولة إلى إعلان موقف رسمي واضح. ومن هذا المنطلق، تكتسي تصريحاته الأخيرة أهمية خاصة، إذ تعكس توجهاً سياسياً ضمنياً أكثر مما تمثل مجرد رأي شخصي.
يرى رحابي أن المبادرات التي يقودها كل من تيد كروز والنائب جو ويلسون لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من التحركات داخل الحزب الجمهوري الأمريكي، والتي تسعى إلى ربط جبهة البوليساريو بإيران، تمهيداً لتصنيفها كتنظيم إرهابي. ويُحذر من أن مثل هذا التوجه قد يفتح الباب أمام استهداف الجزائر نفسها بعقوبات محتملة، على اعتبار أنها تُقدَّم في هذا الطرح كداعم مباشر أو غير مباشر لهذه الجبهة. وفي قراءته لدوافع هذه المبادرات، يؤكد رحابي أن الجهات التي تقف وراءها تخضع لتأثير جماعات الضغط داخل الولايات المتحدة، في إطار تقاليد سياسية قائمة على المساومات والصفقات، وهي ممارسات يرى أنها تعمقت بشكل أكبر في ظل الإدارة الأمريكية الحالية. ويشير إلى أن هذه الديناميات الداخلية الأمريكية تُسهم في توجيه السياسات الخارجية، بما يخدم مصالح متشابكة لا تقتصر على الاعتبارات الاستراتيجية فحسب. ومن زاوية أخرى، يربط الوزير السابق هذه التحركات بمحاولة الضغط على الجزائر من أجل دفعها إلى تعديل موقفها التقليدي من قضية الصحراء الغربية. فالجزائر، كما هو معروف، تتمسك بمبدأ تقرير المصير وفق قرارات الأمم المتحدة، وترى في ذلك أساساً لأي حل سياسي عادل. غير أن المبادرات الأمريكية، بحسب رحابي، تستهدف إضعاف هذا الموقف، وإجبار جبهة البوليساريو على تقديم تنازلات في سياق دولي يتسم بحذر وترقب، خاصة بعد الحوارات التي جرت في مدريد وواشنطن بمبادرة أمريكية.
ويذهب رحابي إلى اعتبار أن تزامن هذه المبادرات من حيث مضمونها وتوقيتها ليس أمراً عرضياً، بل يعكس تنسيقاً واضحاً يرمي إلى ممارسة ضغط سياسي مكثف على الجزائر. ويضيف أن الإدارة الأمريكية تسعى، من خلال هذه الأدوات، إلى تسريع التوصل إلى تسوية في ملف الصحراء الغربية، حتى وإن كان ذلك على حساب توازنات إقليمية حساسة. وفي هذا السياق، يشير إلى أن الجزائر وجدت نفسها مضطرة للمشاركة في مشاورات غير معلنة حول هذا الملف، عُقدت في سفارة الولايات المتحدة بمدريد ثم في واشنطن خلال الأشهر الماضية، وهي مشاركة التزمت السلطات الجزائرية الصمت حيالها. ويُفهم من هذا المعطى أن الجزائر تحاول الموازنة بين الانخراط في المسار الدبلوماسي الدولي والحفاظ على خطابها الرسمي الثابت. وعلى صعيد آخر، يتطرق رحابي إلى مسألة تصنيف المنظمات الإرهابية داخل النظام السياسي الأمريكي، موضحاً أن القرار النهائي في هذا الشأن يعود إلى وزارة الخارجية، وليس إلى الكونغرس بشكل مباشر. غير أن هذا الطرح، وإن كان صحيحاً من الناحية القانونية، يظل نسبياً، إذ يلعب أعضاء الكونغرس دوراً مؤثراً من خلال تقديم مشاريع قوانين وممارسة ضغوط سياسية على السلطة التنفيذية، بما يساهم في توجيه قراراتها.
ولتعزيز هذا الطرح، يمكن استحضار سوابق مماثلة، حيث سبق أن قُدمت مبادرات تشريعية داخل الكونغرس لتصنيف بعض الحركات كتنظيمات إرهابية، قبل أن تتبناها الإدارة الأمريكية لاحقاً. وهو ما يدل على أن المبادرات البرلمانية، حتى وإن لم تكن حاسمة بذاتها، فإنها تشكل جزءاً من عملية صناعة القرار وتوجيهه. في المقابل، لم تقف الجزائر مكتوفة الأيدي، إذ حاول سفيرها في واشنطن، صبري بوقادوم، التأثير على بعض أعضاء الكونغرس، من بينهم النائب الديمقراطي جيمي بانيتا، من أجل سحب دعمه لمشاريع تستهدف البوليساريو. وتبرز هذه التحركات حجم الرهانات المرتبطة بنشاط جماعات الضغط داخل الولايات المتحدة، ومدى تأثيرها في رسم السياسات. وتزامنت مواقف رحابي مع تحركات موازية على مستوى منظمات دولية، حيث وجه “المركز العالمي للمراقبة” رسالة إلى رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، دافع فيها عن جبهة البوليساريو ونفى وجود أي صلة لها بإيران أو بوكلائها في المنطقة. وقد سبق لهذه المنظمة أن قامت بخطوات مشابهة في سياقات سابقة، ما يعكس وجود شبكة من الفاعلين غير الحكوميين الذين يسعون للتأثير في مسار هذا الملف.
تكشف هذه التطورات عن تعقيد متزايد في تفاعلات الملف الصحراوي على المستوى الدولي، حيث تتقاطع الاعتبارات الجيوسياسية مع ضغوط داخلية في الولايات المتحدة، في مقابل تمسك جزائري بمواقفها التقليدية. وبين هذا وذاك، يبقى مستقبل العلاقة بين الجزائر وواشنطن مرهوناً بمدى قدرة الطرفين على إدارة هذا التوتر ضمن حدود المصالح المشتركة، دون الانزلاق إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة.

