الحداء بين المعجم والتراث الشفهي: قراءة لغوية ثقافية في أحد أشكال الإنشاد العربي القديم

منذ وصولي إلى قرية كفرقرع، (أصبحت اليوم مدينة) أخذت أسمع في المجالس والاحتفالات الشعبية لفظة “الحدا” تتردد على ألسنة الناس، خصوصًا في سياق الحديث عن الأعراس والمناسبات الاجتماعية. وكثيرا ما كنت أسأل عن معنى الكلمة، وكل الأجوبة كانت تدل على الشخص الذي ينشط الحفلات بالأشعار والكلمات الموزونة مع موسيقى معروفة” بالدحية”، دون الغوض في التفاصيل، غير أن فضولي اللساني واقتفاء أثر الكلمات وجذورها قادني إلى أن كلمة”الحدا” ما هي إلا تحريف أو اختصار لكلمة “الحداء” المعروفة في التراث العربي. وكان المقصود بها ذلك الشخص الذي ينهض بدور تنشيط الأعراس بإنشاده للأشعار الشعبية واستحضاره للموروث اللغوي والثقافي، مستعينًا بذاكرة ثرية ومخيال واسع قادر على الارتجال والتأثير في الحضور، حيث يحتل الحداء في الأعراس التقليدية، مكانة محورية في طقوس الاحتفال، إذ يتولى مهمة بثّ الحماسة في النفوس وإحياء المجلس بالكلمات المنغمة والأبيات الموزونة التي تمجّد العروسين وتستحضر فضائل العائلتين. وهو في ذلك يعتمد على رصيد غني من الأشعار الشعبية والحكم والأمثال، كما يستند إلى مهارة في الأداء الصوتي تجعل إنشاده أقرب إلى الغناء الجماعي الذي يتفاعل معه الحاضرون بالتصفيق أو الترديد. وهكذا يتحول المجلس بفضل حضوره إلى فضاء نابض بالحياة، تختلط فيه الكلمات بالإيقاع وتتعانق فيه الذاكرة الشعبية مع لحظة الفرح.

للأسف لم تسعفني الظروف باللقاء بأخر الحداة (جمع الحداء) الشاعر الشعبي والزجّال يوسف صالح أبو ليل، المعروف بلقب “أبو ليل” ( ولد عام 1936)، ابن بلدة كفر قرع في منطقة المثلث، إذا توفي في الرابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2019، ورغم انتمائه الجغرافي إلى هذه البلدة، فقد سكن صوته وموهبته قلوب الآلاف من أبناء شعبنا في الجليل والنقب والساحل والمثلث، وكذلك في المناطق 1967 وفي الشتات، وقد نال هذه المكانة بفضل صوته العذب وإتقانه لفن الزجل والموال باللغة الشعبية الفلسطينية، التي أضفى عليها لمساته الإبداعية الخاصة، ليغدو أحد أبرز وجوه الإبداع الشعبي إلى جانب شعراء وزجالين مميزين مثل أبو سعود الأسدي وأحمد هيبي وتوفيق الريناوي. عرفه الناس من خلال حضوره الدائم في الأعراس والمناسبات الاجتماعية، حيث كان يحيي الليالي بصوته وإبداعه، فيرافقه أحيانًا زجالون آخرون مثل المرحوم أبو نازك ابو عدنان، وفواز محاجنة وموسى حافظ حفظهما الله تعالى، أو غيرهم من زجالي الجليل والمثلث. ومع مرور الزمن تجلّت شخصيته أيضًا في تواضعه وقربه من الناس؛ فقد كان يرى نفسه ابنًا للكادحين والعمال، وظلّ وفيًا لهموم مجتمعه وقضاياه. تميّز أبو ليل بمضامينه الشعرية التي انحازت للوطن والحرية، واحتفت بالعامل والفلاح وبجغرافيا البلاد من سهولها ووديانها إلى جبالها. كما دعا في أشعاره إلى التمسك بالقيم الاجتماعية الأصيلة مثل الكرم والشهامة ومقاومة الظلم. ومن ابتكاراته اللافتة إدخاله بعض العبارات العبرية في الزجل عندما يحضر ضيوف يهود إلى الأعراس، فيحيّيهم بلغتهم ضمن الإيقاع الزجلي، فيقدّم صورة عن الكرم العربي وروح التفاهم والسلام. وفي ختام السهرات كان يقف على مرتفع ليحكي قصصًا شعبية ملحمية تمزج الحب بالبطولة، فتشدّ الحضور من مختلف الأعمار. وهكذا ظلّ أبو ليل رمزًا من رموز الحداء والزجل الفلسطيني، بصوته وشخصيته وذاكرته الشعبية الغنية.

غير أنّ اهتمامي بجذور الكلمات وأصولها اللسانية دفعني إلى التساؤل عن الأصل الحقيقي لهذه اللفظة المتداولة في البيئة المحلية. فبدأت رحلة بحث في المصادر اللسانية وكتب التراث العربي، محاولًا تتبع دلالة كلمة الحداء في سياقها اللساني والتاريخي والثقافي. وقد كشفت لي هذه القراءات أن الحداء في أصله فن قديم ارتبط بحياة العرب في الصحراء، وكان يتمثل في إنشادٍ خفيف يردده الحادي لسوق الإبل أثناء السفر، فيحثها على السير بإيقاع صوتي خاص ينسجم مع حركة القافلة، ومع تطور المجتمعات العربية عبر العصور، لم يبق الحداء محصورًا في وظيفته الأولى المرتبطة بالقوافل، وأخذ يكتسب أبعادًا ثقافية واجتماعية أوسع. فقد أصبح الحادي حاملًا للأخبار والقصص والأشعار، وناقلًا للذاكرة الشفوية بين القبائل والبلدان، كما صار صوته وسيلة لإحياء المجالس وإضفاء روح الجماعة على اللقاءات البشرية. ومن هنا يمكن فهم كيف انتقلت هذه الممارسة الصوتية القديمة إلى فضاءات اجتماعية أخرى، ومنها الأعراس والاحتفالات الشعبية، حيث ظل الحداء محتفظًا بروحه الإيقاعية وإن تبدلت سياقاته ووظائفه.إنّ لفظة “الحدا” التي سمعتها في كفرقرع ليست إذن مجرد تعبير عابر في اللهجة المحلية، بل هي امتداد حيّ لذاكرة ثقافية عميقة تضرب جذورها في التراث العربي القديم. فهي تختزن في طياتها تاريخًا طويلًا من التفاعل بين الصوت والكلمة والاحتفال الجماعي، وتكشف في الوقت نفسه عن قدرة المجتمعات على إعادة توظيف تراثها في سياقات جديدة. ومن هذا المنطلق جاء هذا المقال محاولةً متواضعة لتسليط الضوء على فن الحداء، واستجلاء وظائفه المتعددة عبر التاريخ، بدءًا من دوره في حياة القوافل الصحراوية، وصولًا إلى حضوره في المناسبات الاجتماعية المعاصرة. ففهم هذه الظاهرة يتطلب أيضًا قراءة في أبعادها الثقافية والاجتماعية، بوصفها جزءًا من التراث الشفهي الذي حافظت عليه الذاكرة الشعبية عبر الأجيال.

يُعَدُّ الحداء من الألفاظ العربية العريقة التي ارتبطت بالحياة البدوية وبثقافة الأسفار في الصحراء، وهو في أصله تعبير صوتي يجمع بين الوظيفة العملية والجمالية في آن واحد. وقد شغل هذا اللفظ حيّزًا معتبرًا في معاجم اللغة العربية وكتب الأدب والحديث، لما يحمله من دلالة على أحد أقدم أشكال الأداء الصوتي المرتبط بحركة الإنسان في الفضاء الصحراوي. ومن هنا فإن دراسة كلمةالحداءمن منظور لغوي تكشف عن تداخل الدلالة الصوتية والوظيفية في الثقافة العربية القديمة، ويرجع أصل الكلمة إلى الفعلحَدَا يَحدو، ويقال: حَدَا الحادي الإبلَ يَحدوها حُداءً، إذا ساقها بالغناء والترجيع في الصوت. ويُسمّى من يقوم بذلكالحادي، وهو الذي يرفع صوته بنغمة مخصوصة أثناء سير القافلة لتحريك الإبل وتنشيطها على المسير. وقد أجمع اللغويون على أن هذا الصوت الموزون كان ذا أثر واضح في حركة الإبل، إذ كانت تستجيب له فتسرع في السير أو تنتظم خطاها وفق الإيقاع الذي يردده الحادي.وقد تناولت المعاجم العربية هذا اللفظ بالشرح والتفصيل، ومن أبرزها كتاب لسان العرب لابن منظور وكتاب تاج العروس للزبيدي. ففي هذه المصادر نجد أن الحُداء بضم الحاء هو الاستعمال الأشهر، ويقصد به الغناء للإبل عند سوقها في السفر، وهو أشهر الاستعمالات في اللسان العربي، ويعني غناء الإبل أو سوقها بالصوت والترجيع، وكان العرب إذا ساروا بالإبل في السفر رفعوا أصواتهم بنغمات مخصوصة لتحريك الإبل وتنشيطها، فيُقال:حَدَا الحادي الإبلَ يَحدوها حُداءً، إذا ساقها بالغناء والصوت.الحادي: هو الذي يغني للإبل في السفر، وقد عُرف هذا الفن منذ الجاهلية واستمر في صدر الإسلام، وكان له تأثير عجيب في حركة الإبل، حتى قيل إن الإبل تسرع إذا سمعت الحداء.

 أما الحِداء بكسر الحاء فقد يُستعمل للدلالة على الصوت أو اللحن الذي يُؤدَّى به ذلك الغناء، وهو بمعنى قريب من الضم، لكنه يُستعمل في بعض المعاجم للدلالة على:الصوت نفسه أو النغمة التي يُحدَى بها، اللحن أو الطريقة التي يُنشَد بها الحداء، أي أن الفرق الدقيق بينهما عند بعض اللغويين هو: الحُداء: الفعل أو العملية (غناء الإبل)، أما الحِداء فهي النغمة أو الصيغة الصوتيةالتي يقع بها ذلك الغناء.وقد جاء في معاجم اللغة مثللسان العرب وتاج العروس، أن الكسر والضم قد يتعاقبان في الاستعمال، لكن الكسر يُستعمل أحيانًا للدلالة علىالصوت أو اللحن. في حين أن الحَداءبفتح الحاء قد يرد بمعنى السوق أو الحثّ على السير، وإن كان هذا الضبط أقل شيوعًا في الاستعمال، أماالحَداءبالفتح فله معانٍ أقل شيوعًا، منها:السوق والدفع إلى السير.وقد يأتي بمعنىالدعاء أو النداءفي بعض الاستعمالات القديمة.ويستعمل أحيانًا مصدرًا من الفعلحَدَابمعنى ساق أو دفع.أي أنالفتح أقرب إلى معنى الحثّ والدفع، بينما الضم والكسر مرتبطان بالصوت والغناء.والكلمة مشتقة من الفعل:حَدَا – يَحدو – حَدْوًا / حُداءً، ومعناه:السوق برفق مع الصوت، ومن مشتقاته:الحادي: من يغني للإبل /الحداةجماعة الحادين/ الحدوسوق الإبل بالغناء. ورد ذكر الحداء في الشعر العربي القديم والحديث بوصفه صوت السفر وإيقاع القوافل في الصحراء، وقد استعمله الشعراء للدلالة على الغناء للإبل أو على النغم الذي يبعث الحركة في القافلة، قال امرؤ القيس تلميحا إلى صوت الحادي وإيقاع السير:

وقد أغتدي والطيرُ في وكناتِها

  بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكــــــــلِ

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِــــــلٍ مُدبِرٍ معًـــــا

  كجلمودِ صخرٍ حطَّهُ السيلُ من علِ

ويستشهد اللغويون بهذه الأبيات لأن حركة الفرس فيها شُبِّهت بإيقاع السير الذي يشبه إيقاع الحداء في القوافل.فيما أشار عنترة بن شدادفي بعض شعره إلى صوت القافلة والسوق في الصحراء:

هلا سألتِ الخيلَ يا ابنةَ مالـــــكٍ
إن كنتِ جاهلةً بما لم تعلمـــــــي

يخبركِ من شهد الوقيعة أننــــي
أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنمِ

وقد ورد في روايات الشرح أن أصوات القافلة وحداء الحداة كانت تُشبَّه بأصوات الحرب أو صهيل الخيل.وقال جرير بن عطية(العصر الأموي):

إذا حدَتِ الحُداةُ بنا المطـــــايا
تجاوبَ في الفلاةِ لنا الحُــــداءُ

كأنَّ الصوتَ بين الرملِ لحـــنٌ
ترددهُ الرياحُ مع الصَّـــــــــداءِ

وقال ذو الرمة وهو من أكثر الشعراء وصفا للصحراء والقوافل:

إذا حدَا الحادي المطايـــــــــا تجاوبت
بأعناقها نحـــــــــو الفــــــلاةِ الرَّحابــــــةِ

كأنَّ صدى الأصواتِ في البيدِ نشوةٌ
تُحرِّكُ قلبَ السائــــــــرينَ وصَاحِبِـــــــه

واستعاد الشعر الحديث صورة الحداء بوصفها رمزًا للترحال، حيث قال أحمد شوقي:

يا حاديَ العيسِ عرّجْ كي نودّعَها
فالقلبُ بعدَ فراقِ الدارِ مكتئـــــــبُ

وغنِّ للركبِ لحنًا من حدائِــــــــهمُ
فالروحُ باللحنِ بعدَ البينِ تنتحــــبُ

يلاحظ أن الشعراء استخدموا الحداء في سياقات متعددة، أهمها: وصف القوافل والأسفار الصحراوية، الإيحاء بالإيقاع والحركة المنتظمة في الصحراء، التعبير عن الشوق والحنين أثناء الرحلة، تحويل صوت الحادي إلى صورة شعرية موسيقية ترمز للحياة البدوية. فالحداء في الشعر أصبح رمزًا للإيقاع الصحراوي ولروح الترحال العربية. ولا تقتصر أهمية الحداء على المجال اللغوي فحسب ليمتد إلى المجال الثقافي والاجتماعي أيضًا. فقد كان الحداء جزءًا من الحياة اليومية للقوافل العربية، ووسيلةً لتخفيف مشقة السفر الطويل عبر الصحاري. وكان الحادي في كثير من الأحيان صاحب صوت جميل وقدرة على الارتجال، فينشد عبارات قصيرة أو مقاطع شعرية تتناسب مع إيقاع سير الإبل. ومن هنا يرى بعض الباحثين أن الحداء يمثل أحد الجذور الإيقاعية الأولى للغناء العربي، بل وربما كان له تأثير في تشكّل الإيقاع الشعري في مراحله المبكرة. وقد ورد ذكر الحداء كذلك في التراث الإسلامي، مما يدل على حضوره في المجتمع العربي في صدر الإسلام. ومن أشهر الروايات في هذا الباب ما ورد عن الصحابي أنجشة الذي كان يحدو بالإبل في إحدى الأسفار، فطلب منه النبي محمد أن يرفق في حدائه حتى لا تسرع الإبل فيؤذي ذلك النساء الراكبات، في إشارة إلى قوة تأثير الصوت في حركة الدواب. ومن الناحية اللغوية الصرفية، تُشتق من الجذر “ح د و ” عدة ألفاظ ذات صلة بالحداء، مثل الحادي وهو المنشد)، والحداة (جمع الحادي)، والحدو وهو المصدر الدال على سوق الإبل بالصوت. وتُظهر هذه الاشتقاقات ثراء الجذر اللغوي وقدرته على توليد معانٍ مرتبطة بفعل الصوت والحركة معًا. وخلاصة القول إن الحداء هو ظاهرة ثقافية وصوتية تعكس جانبًا مهمًا من حياة العرب في بيئتهم الصحراوية. فهو يجمع بين الوظيفة العملية، إذ يُستخدم لتنظيم سير القوافل، وبين الوظيفة الجمالية التي تتجلى في الإيقاع والنغمة. ومن خلال هذا التداخل بين الصوت والحركة يتجلى الحداء بوصفه أحد الأشكال الأولى للتعبير الموسيقي في الثقافة العربية، وأحد المفاتيح التي تساعد الباحث على فهم العلاقة بين اللغة والإيقاع في التراث العربي القديم. وقد حفظت المعاجم العربية وكتب الأدب الشعبي قدرًا كبيرًا من الحكايات والمرويات المتعلقة بالحداء، كما وثّقت نماذج عديدة من أحديات العرب في البادية.

ومن الدراسات الحديثة التي تناولت هذا الموضوع كتاب”الرجز والحداء”الذي جمع فيه الباحث إبراهيم الخالدي نماذج متعددة من هذا الفن، متتبعًا تطوره التاريخي من بداياته القديمة إلى مراحله المتأخرة. وتكشف هذه الدراسات عن العلاقة الوثيقة بين الحداء وبحر الرجز، وهو ما أتاح لهذا الفن أن ينتشر بين عامة الناس وأن يتحول إلى جزء من ثقافة القوافل والأسفار، وتذكر كتب التراث عددًا من الروايات التي تُبرز قوة تأثير الحداء في الإبل. ومن الطرائف التي تُروى في هذا السياق أن الخليفة العباسيأبو جعفر المنصورسأل أحد الحداة عن مدى تأثير صوته في الإبل، فأجابه بأنه يستطيع أن يمنعها من شرب الماء رغم شدة عطشها؛ إذ تُعطّش الإبل ثلاثة أيام ثم تُقرّب من الماء، فإذا بدأ الحادي بالإنشاد تبعته الإبل مأخوذة بصوته حتى تنصرف عن الماء. وتدل هذه الرواية ــ وإن كانت مبالغًا فيها ــ على الاعتقاد السائد في الثقافة العربية القديمة بقوة تأثير الصوت والإيقاع في سلوك الإبل.

لقد شكلت الإبل من أبرز المكوّنات الحضارية التي رسمت ملامح الحياة في الشرق الأوسط منذ أقدم العصور، فقد ارتبطت بالإنسان العربي ارتباطًا وثيقًا، حتى غدت جزءًا لا يتجزأ من نظامه المعيشي والثقافي والاقتصادي. فالإبل كانت عنصرًا محوريًا في منظومة الحياة الصحراوية، إذ مثّلت رمزًا للثراء والجاه، ومصدرًا للرزق والعطاء، ورفيقةً دائمة في الأسفار والترحال عبر الفيافي والقفار. ومع تعاقب الأزمنة تحولت هذه المكانة العملية إلى قيمة رمزية وثقافية عميقة، فأصبحت الإبل أيقونة من أيقونات التراث العربي الأصيل، وشاهدًا حيًّا على تاريخ طويل من التفاعل بين الإنسان وبيئته الصحراوية.ومن رحم هذا التفاعل نشأ فنّ شعبي مميّز عُرف في الثقافة العربية باسمالحداء، وهو لون من ألوان التعبير الشفهي ارتبط أساسًا بسوق الإبل أثناء السفر. ويُعد الحداء نوعًا من الإنشاد الخفيف أو الشعر القصير الذي يردّده الرعاة والحداة بصوتٍ موزون لإطراب الإبل وحثّها على السير، وقد تطوّر هذا الفن عبر الأجيال حتى صار تقليدًا متوارثًا تتناقله المجتمعات البدوية، ويعبّر عن جانب من ذاكرتها الثقافية وخبرتها الطويلة في التعامل مع الحيوان والبيئة.

ويمثل الحداء في جوهره وسيلة تواصل خاصة بين الإنسان والإبل، إذ تعتمد الإبل على سماع أصوات معيّنة اعتادت عليها عبر الزمن، فتستجيب لها بالحركة أو التجمع أو الإسراع في السير. ولهذا كان الرعاة يبتكرون عبارات صوتية وإيقاعات خاصة يتناقلونها جيلاً بعد جيل، فتتحول مع الزمن إلى نماذج تقليدية معروفة داخل المجتمع البدوي. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى الحداء بوصفه أحد أشكال التواصل الصوتي بين الإنسان والحيوان، كما أنه في الوقت ذاته نمط من أنماط التعبير الشعري الشعبي الذي يجمع بين الوظيفة العملية والمتعة الجمالية.وتشير بعض الروايات التراثية إلى أن أصل الحداء يعود إلى قصة رمزية ارتبطت بمضر بن نزار بن معد، إذ يُروى أنه كان أول من حدَا للإبل. وتذكر الرواية أنه سقط ذات يوم عن بعيره فانكسرت يده، فأخذ يصرخ متألمًا وهو يقول: “وا يداه! وا يداه!”، وكان حسن الصوت، فاستجابت الإبل لصوته وسارت مسرعة. ومن هذه الحادثة ــ وفق ما ترويه المصادر ــ نشأت فكرة استخدام الصوت المنغّم في سوق الإبل. وقد ذهب بعض الدارسين إلى أبعد من ذلك حين افترضوا أن الإيقاعات الصوتية المرتبطة بالحداء ربما أسهمت في إلهام علماء اللغة، ومنهمالخليل بن أحمد الفراهيدي، في اكتشاف أوزان الشعر العربي وقواعد علم العروض.

ويبدو أن البدايات الأولى للحداء كانت في صورة أصوات بسيطة أو نداءات قصيرة تُعرف في بعض المصادر باسم “الدُّوّاة” أو “التدوِيَة”. وكان الراعي يطلق هذه النداءات بصوت مرتفع ليستحث إبله على الحركة أو يجمعها من المرعى. ومن أشهر هذه الأصوات ما كان يُقال على هيئة مقاطع قصيرة مثل: “هيد هيد” أو “هي دو هي دو”، أو “ده ده”، أو “داه داه”، ومع مرور الزمن تطورت هذه النداءات البسيطة إلى صيغة غنائية أكثر تركيبًا، فأخذت تتضمن عبارات شعرية قصيرة وأشطرًا موزونة تحمل معاني تتصل بحياة البادية وشؤون الرعاة اليومية.وهكذا تحوّل الحداء تدريجيًا من مجرد نداء وظيفي إلى لون من الغناء الشعبي الذي يجمع بين جمال الصوت وسحر الإيقاع. وقد امتاز هذا الفن بخفة وزنه وبساطة ألفاظه، مما جعله قريبًا من بحر الرجز الذي يتميز بسهولة نظمه وسرعة إيقاعه. ولهذا السبب استطاع كثير من غير الشعراء أن يشاركوا في إنشاد الحداء دون حاجة إلى مهارة شعرية كبيرة، فصار الحداء أشبه بأغنية جماعية يرددها أفراد القافلة أثناء الرحلة.

ومن الناحية الأدائية يتخذ الحداء غالبًا شكل مقاطع قصيرة تُنشد بصوت واضح يتردد صداه في الصحراء. وقد يردده شخص واحد أو يتناوب على إنشاده اثنان أو أكثر، خاصة في الأعمال الجماعية مثل سحب الدلاء الكبيرة من الآبار أو قيادة القوافل الطويلة. وفي هدوء الليل الصحراوي قد يمتد صدى هذه الأصوات لمسافات بعيدة، فيمنح الرحلة طابعًا إيقاعيًا مميزًا يخفف عن المسافرين مشقة الطريق.كما تنوعت موضوعات الحداء تبعًا لمناسباته المختلفة، فهناك حداء الرحيل الذي يُقال عند الانتقال من موضع إلى آخر، وحداء السفر الذي يرافق القوافل في مسيرها الطويل، وحداء السقي المرتبط بإيراد الإبل إلى الماء أو استخراج الماء من الآبار، إلى جانب حداء العودة الذي يُنشد عند جمع الإبل وإعادتها إلى مراحها. وتعكس هذه الأنواع المختلفة جوانب متعددة من حياة البادية، إذ تتضمن كلمات الحداء إشارات إلى قوانين الرعي وطرق السقاية وأهداف الرحلات، فضلاً عما يعبّر عنه الرعاة من هموم وأشواق وأحاسيس شخصية.ومع تطور المجتمعات العربية وانتقال كثير من سكانها إلى المدن، شهد الحداء تحولاً في لغته وأسلوبه. فقد تراجعت اللغة الفصيحة التي كانت تُستعمل في بعض أشكاله القديمة، وحلّت محلها لهجات محلية متنوّعة تعكس خصوصيات البيئات المختلفة. ومع ذلك ظل الحداء محتفظًا بجوهره بوصفه تراثًا شفهيًا حيًّا ينتقل من جيل إلى جيل، يخضع للحذف والإضافة والتعديل تبعًا لاحتياجات المجتمع الذي يمارسه. وفي العصر الحديث اكتسب هذا الفن اهتمامًا متزايدًا بوصفه جزءًا من التراث الثقافي غير المادي. فقد أدرجت منظّمة اليونسكو فن حداء الإبل ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، بعد ملف مشترك تقدمت به كل منالسعوديةوسلطنة عمانوالإمارات، ويعكس هذا الاعتراف الدولي أهمية الحداء بوصفه تعبيرًا ثقافيًا يعكس علاقة الإنسان العربي ببيئته الصحراوية وتراثه العريق.

لقد نشأ الحداء في البيئة العربية القديمة بوصفه ممارسة صوتية بسيطة ارتبطت بسوق الإبل في الأسفار، غير أنّ هذه الوظيفة شهدت مع مرور الزمن تطورًا ملحوظًا جعل الحداء يتجاوز حدود الغناء للإبل ليغدو عنصرًا فاعلًا في الحياة الاجتماعية والثقافية للقوافل العربية، فقد كان الطريق الصحراوي فضاءً واسعًا للتواصل وتبادل المعارف، وكان الحادي في قلب هذه الحركة المستمرة، إذ لم يكن مجرد منشِد يطرب الإبل بصوته، بل كان في كثير من الأحيان حاملًا للخبر، ووسيطًا لنقل الرسائل والمعارف بين الأمصار والقبائل.ومع ازدياد أهمية القوافل التجارية والرحلات الطويلة عبر الصحاري، أخذت وظيفة الحداء تتسع لتشمل نقل الأخبار والرسائل الشفوية والمكتوبة بين المجتمعات المتباعدة. فالحادي، بما يملكه من حضور دائم في مسالك السفر، كان شاهدًا على أحوال القبائل والبلدان، ومطّلعًا على ما يجري في الحواضر والبوادي. ولهذا أصبح صوته لا يقتصر على إنشاد الأبيات الخفيفة التي تحث الإبل على السير، بل صار يحمل في طياته أخبار الناس، وقصص الرحلات، ومقتطفات من الأشعار والحكم والأمثال التي تناقلتها الألسن عبر الطريق الصحراوي.

وقد أسهم هذا الدور المتنامي في صقل شخصية الحادي وتوسيع معارفه، إذ أصبح مطالبًا بالإلمام بالشعر وفنون الأداء الصوتي، وبحفظ قدر كبير من المتون والأشعار والمرويات التي يتداولها المسافرون. ولم يكن ذلك الحفظ مجرد ترف ثقافي، بل كان جزءًا من مهارات المهنة، لأن الحداء يقوم في جوهره على الإيقاع اللفظي والنغم الصوتي الذي يجذب السامعين ويكسر رتابة السفر الطويل. ومن هنا تحوّل الحادي إلى ما يشبه الراوي الشعبي الذي يحتفظ في ذاكرته بقدر كبير من التراث الشفهي، ويعيد بثّه في الطريق بصيغ مختلفة.ولم تقتصر معارف الحادي على الشعر والأخبار، بقدر ما شملت جوانب متعددة من الحياة اليومية في الصحراء. فقد كان على دراية بأنواع المأكولات التي تصلح للمسافرين، وبطرق إعدادها في ظروف الترحال، كما كان ملمًّا بعادات البدو في الضيافة والمعيشة، وبقوانين الرعي والتنقل بين الموارد المائية. ومع مرور الوقت صار الحادي مرشدًا للقافلة، يعرف مسالك الصحراء ومساراتها المتشابكة، ويدلّ الركب على موارد الماء ومنازل القبائل. وكان هذا الدور بالغ الأهمية في الفيافي الواسعة التي قد يضل فيها المسافر إن لم يكن على دراية بطبيعتها.

كما اكتسب الحادي خبرة أمنية بحكم احتكاكه الطويل بالطرق الصحراوية، فقد كان يعرف المواضع التي قد يختبئ فيها اللصوص وقطاع الطرق، ويُحسن اختيار المسالك الآمنة للقوافل. وبفضل هذه الخبرة أصبح أشبه بالمفوّض أو الحارس الذي يُعهد إليه بحماية القافلة وممتلكاتها، إذ يجمع بين المعرفة الجغرافية واليقظة الدائمة. وكان إنشاده المتواصل جزءًا من هذه الحراسة غير المباشرة، إذ كان يرفع صوته بالحداء طوال الطريق، فيغني ويرتجل الأشعار ويثير الحركة في القافلة، فيوهم المتربصين بأن أهلها مستيقظون يقظون لا ينامون، فيتردد اللصوص في الاقتراب منها أو مهاجمتها. ومع التحولات الكبرى التي شهدتها المجتمعات الحديثة، ولا سيما بعد تطور وسائل البريد والمواصلات وظهور الطرق الحديثة، أخذت الوظائف التقليدية للحداء تتراجع شيئًا فشيئًا. فقد فقدت القوافل دورها المركزي في نقل الأخبار والرسائل، وانتقلت هذه المهمة إلى وسائل الاتصال الحديثة. وبذلك تضاءلت الحاجة العملية إلى الحادي بوصفه ناقلًا للرسائل ومرشدًا للقوافل، وانحصر حضوره تدريجيًا في المجال التراثي والثقافي.

ومع ذلك لم يختف الحداء من الذاكرة العربية، ولكنه استمر بوصفه جزءًا من التراث الشعبي الذي يحتفظ به الناس في مناسباتهم واحتفالاتهم. فقد بقيت مهارة إنشاد الحداء حاضرة في بعض البيئات البدوية، وأصبحت تُستدعى في المناسبات الاجتماعية، ولا سيما في الأعراس والاحتفالات الجماعية. وفي هذه المناسبات يظهر الحادي بوصفه منشِدًا يجيد الارتجال والتغني، فيمدح العروسين ويذكر محاسن العروس وأهلها، ويعدد فضائل العريس وكرم قبيلته، مستعيدًا بذلك روح التراث القديم في قالب احتفالي يضفي على المناسبة طابعًا من البهجة والحنين إلى الماضي. وهكذا يمكن القول إن الحداء انتقل عبر تاريخه الطويل من وظيفة عملية مرتبطة بحياة القوافل إلى وظيفة رمزية وثقافية تحفظ الذاكرة الشعبية. فرغم انحسار دوره في الحياة اليومية، ظل هذا الفن شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ العرب، حين كان الصوت والإيقاع وسيلة للتواصل، ورفيقًا للسفر، وجسرًا ينقل الأخبار والأشعار بين آفاق الصحراء الواسعة.

بهذا المعنى يمثل الحداء واحدًا من تلك الأصوات العميقة التي صاغت جانبًا مهمًا من الذاكرة الثقافية العربية، إذ يجمع في بنيته بين الكلمة والإيقاع والحركة، ويعكس علاقة الإنسان ببيئته وبجماعته عبر قرون طويلة من التفاعل التاريخي. ولم يكن الحداء مجرد غناء عابر ارتبط بسوق الإبل في الصحراء أو القوافل، لقد كان في جوهره ممارسة ثقافية واجتماعية متكاملة، تؤدي وظائف متعددة تمتد من تنظيم حركة القوافل إلى بث روح الجماعة بين المسافرين، ومن نقل الأخبار والأشعار إلى إحياء المجالس والمناسبات. ومن خلال هذا التداخل بين الصوت واللغة والحياة اليومية، استطاع الحداء أن يتحول مع مرور الزمن إلى عنصر من عناصر التراث الشفهي الذي حفظته الذاكرة الشعبية وتناقلته الأجيال. غير أن التحولات الكبرى التي شهدها العالم في العصر الحديث، ولا سيما في ظل تسارع التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية، قد أثرت في حضور هذا التراث وفي طرائق انتقاله بين الناس. فقد تراجعت البيئات التي نشأ فيها الحداء بوصفه ممارسة يومية، كما أخذت وسائل الاتصال الحديثة وأنماط الحياة الجديدة تحلّ محل كثير من الممارسات التقليدية التي كانت تشكل جزءًا من النسيج الثقافي للمجتمع. ومع هذا التراجع التدريجي يبرز خطر حقيقي يتمثل في ضياع جزء من هذا الموروث، أو تحوله إلى مجرد ذكرى بعيدة لا تعرفها الأجيال الجديدة إلا من خلال الإشارات العابرة في الكتب أو المقالات.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى الالتفات الجاد لهذا التراث وتوثيقه توثيقًا علميًا وثقافيًا يليق بقيمته التاريخية. فالموروث الشفهي، بطبيعته، أكثر عرضة للاندثار إذا لم يُحفظ ويُدوَّن في الوقت المناسب. لذلك فإن مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث تقع على عاتق الباحثين والمؤرخين فحسب، وعلى مسؤولية جماعية يشترك فيها المثقفون والمهتمون بالتراث والمؤسسات الثقافية والإعلامية. ويأتي التوثيق في مقدمة الوسائل القادرة على حماية هذا الفن من الضياع، سواء عبر الكتابة والدراسة والتحليل، أو من خلال التسجيلات الصوتية والمرئية التي قد تكون محفوظة لدى الأفراد والعائلات، أو ما بقي في ذاكرة كبار السن ممن عايشوا هذا الفن وسمعوه في مناسباته المختلفة.إن جمع هذه الشهادات وتوثيقها يهدف إلى مجرد حفظ الماضي، ويسهم أيضًا في تعريف الأجيال الحاضرة والقادمة بجانب مهم من تراثها الثقافي وهويتها التاريخية. فالأمم التي تحافظ على تراثها الشفهي إنما تحافظ في الوقت ذاته على جزء من ذاكرتها الجماعية، وعلى القيم والتجارب التي صاغت مسيرتها عبر الزمن. وإذا كان الحداء قد ارتبط في الماضي بإيقاع القوافل وصوت الصحراء، فإنه اليوم يمكن أن يستمر بوصفه رمزًا ثقافيًا يذكّرنا بتلك المرحلة من التاريخ العربي التي كان فيها الصوت حاملًا للخبر، ورفيقًا للطريق، وصانعًا للفرح في المجالس والاحتفالات.ولعل أخطر ما يمكن أن يواجه هذا التراث في عصرنا الحاضر هو أن تبتلعه موجة التقنيات الحديثة التي أخذت تعيد تشكيل أنماط التعبير الثقافي وتدفع كثيرًا من الفنون التقليدية إلى الهامش. فالتكنولوجيا، على الرغم مما تقدمه من إمكانات هائلة للتوثيق والحفظ، قد تصبح في الوقت ذاته عاملًا في تذويب الموروث إذا لم يُحسن توظيفها في خدمة الثقافة. ومن هنا فإن توظيف هذه الوسائل الحديثة في تسجيل الحداء وأشكاله المختلفة يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو صونه من النسيان.

وإذا لم تبادر الأجيال الحاضرة إلى هذا العمل التوثيقي، فقد يأتي يوم لا يُعرف فيه الحداء إلا من خلال ما تبقيه الوثائق والكتابات المتفرقة والتي غالبا لن يهنم بها أحد في ظل تنامي ظاهرة العزوف عن الرقاءة والاكتفاء بمشاهدة الأشرطة القصيرة المبثوثة على مختلف المنصات الإجتماعية، والتي تبقى مهددة بالمسح والزوال مع التقدم التكنولوجي. وحينها سيغيب الصوت الحي الذي كان يصدح في الفضاء الرحب، ليبقى مجرد أثر محفوظ في الكتب. لذلك فإن صون هذا التراث هو في جوهره وفاء لذاكرة جماعية تستحق أن تبقى حية في الوجدان، وأن يستمر صداها في الأسماع كما كان يومًا صوتًا جهوريًا يملأ الفضاء بالحياة والإيقاع. لأن الحداء ظاهرة ثقافية ولغوية تعبّر عن عمق العلاقة بين الإنسان العربي والصحراء. فهو يجسد تلاقي الصوت بالحركة، والشعر بالوظيفة، والتقاليد بالحياة اليومية، ليظل شاهدًا حيًّا على أحد أقدم أشكال التعبير الإنساني في البيئة العربية.

سعيد العفاسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى