تاريخ المدرسة الثانوية الإدريسية بفاس وتأثيرها على المنهاج التعليمي بالمغرب

ارتبط تاريخ التعليم العصري في مدينة فاس بظهور مؤسسات تعليمية حديثة أسهمت في تشكيل نخبة ثقافية وإدارية خلال العقود الأولى من القرن العشرين، ومن أبرز هذه المؤسسات ثانوية مولاي إدريس التي احتلت مكانة متميزة في مسار التعليم بالمدينة. فقد عرفت هذه الثانوية تحوّلات مكانية ووظيفية تعكس بدورها تحولات المشهد الحضري والاجتماعي في فاس خلال فترة الحماية وما بعدها، تشير بعض الشهادات الشفوية الموثوقة إلى جانب مهم من تاريخ ثانوية مولاي إدريس بفاس، وهو جانب ما يزال غائبًا عن معرفة كثير من أبناء المدينة. فقد حدثني في تسعينيات القرن الماضي رجل من أهل الثقة أن جده لوالده كان يشتغل حارسًا بالمقر الأول للمؤسسة، الكائن في نهاية درب المطروح بحي فندق اليهودي. وكان يرافق والده أحيانًا إلى ذلك المكان للمساعدة في بعض الأشغال البسيطة، الأمر الذي مكّنه من الاحتفاظ بذاكرة دقيقة عن تفاصيل ذلك البيت التقليدي الذي احتضن البدايات الأولى للمدرسة.ويصف الراوي المنزل وصفًا يعكس الطابع المعماري الأصيل لدور فاس العتيقة؛ فقد كان بيتًا تقليديًا تتوسطه ساحة داخلية تحيط بها الغرف والمرافق، وفق النسق العمراني المعروف في بيوت المدينة القديمة. وفي هذا الفضاء المتواضع بدأت تجربة تعليمية سيكون لها شأن كبير في تاريخ التعليم الحديث بفاس. في تلك المرحلة كانت المؤسسة تحمل اسمالمدرسة الإدريسية، وهو الاسم الذي عُرفت به في بداياتها الأولى. غير أن الحاجة إلى فضاء أوسع وأكثر ملاءمة للتدريس دفعت إلى نقلها لاحقًا إلى قصر المنبهي بالطالعة الصغرى، وذلك مع بداية الموسم الدراسي 1910. ومع هذا الانتقال اتخذت المؤسسة اسمًا جديدًا هو المدرسة الثانوية الإدريسية، في إشارة إلى تطور دورها التعليمي واتساع وظائفها التربوية. واللافت أن هذا الاسم التاريخي لم يندثر مع مرور الزمن، بل ما يزال شاهدًا حيًا على تلك المرحلة؛ إذ لا تزال عبارة المدرسة الثانوية الإدريسية مثبتة فوق الباب الحالي للثانوية، وكأنها لوحة صامتة تختزن جزءًا من ذاكرة التعليم في المدينة.

إن استحضار هذه التفاصيل هو مساهمة في حفظ الذاكرة الحضرية لفاس، وتذكير بأهمية توثيق المواقع التي احتضنت البدايات الأولى للمؤسسات التعليمية، صونًا للموروث العمراني والثقافي للمدينة، وربطًا للأجيال الحاضرة بتاريخ فضاءاتها التربوية. ففي مطلع عام1910 انتقلت المدرسة الإدريسية إلى مقر جديد اتخذته داخل قصر المنبهي بالطالعة الصغرى، وهو أحد القصور الفخمة التي شُيّدت في أواخر القرن التاسع عشر داخل النسيج العتيق للمدينة. وقد منح هذا القصر للمؤسسة فضاءً رحبًا وبيئة معمارية مميزة تجمع بين الجمالية المعمارية التقليدية والوظيفة التعليمية الحديثة. فالقصر، بما يضمه من ساحات داخلية وأروقة وقاعات واسعة، أتاح إمكانية تهيئة فضاءات للدروس والإدارة ومرافق التلاميذ، الأمر الذي ساهم في ترسيخ مكانة الثانوية كأحد أهم مراكز التكوين العصري في فاس.

غير أن هذا المقر لم يكن البداية الأولى لمسار المؤسسة؛ إذ كانت المدرسة قد اتخذت قبل ذلك مقرًا أوليًا في أحد أحياء المدينة العتيقة، وتحديدًا في درب المطروح الواقع بحي فندق اليهودي، وهو حي عُرف تاريخيًا بحيويته التجارية وبالتنوع الاجتماعي الذي ميّز سكانه، والقريب من المثلث الذهبي للمدينة العتيقة وقلبها النابض، وقد شكّل هذا الموقع الأول مرحلة تأسيسية في تاريخ المؤسسة، حيث احتضن بدايات التعليم النظامي الذي كان في طور التشكل آنذاك داخل المدينة. ومع انتقال الثانوية إلى قصر المنبهي، ظل المبنى القديم بدرب المشروم شاهدًا على مرحلة مبكرة من تاريخ التعليم الحديث في فاس. فبعد أن غادرت المؤسسة فضاءه، تغيّرت وظيفته العمرانية تدريجيًا، ليتحوّل في مرحلة لاحقة إلى مستوصف يخدم سكان الحي ويوفر لهم خدمات صحية أساسية. وهكذا انتقل المكان من وظيفة تعليمية إلى وظيفة اجتماعية صحية، في مسار يعكس قدرة الفضاءات الحضرية في المدينة العتيقة على إعادة التكيّف مع حاجات المجتمع المتغيرة.

وكان لهذا المبنى باب يفتح على حي الزنجفور، وكانت تستخرج من هذا المكان مادة الزجنفر (الزجنفر أو الزنجفر هو اسم عربي قديم لمادة تعرف علمياً باسم كبريتيد الزئبق، ويطلق عليها أيضاً اسم السينابار، وهو معدن طبيعي لونه أحمر مائل للبرتقالي، صيغته الكيميائية HgS، ويعد هو المصدر الأساسي لاستخراج الزئبق، الزجنفر استخدم قديماً كصبغة حمراء في الرسم والزخرفة، كما دخل في بعض الوصفات الطبية التقليدية، واستخدم في الكيمياء عند العلماء القدماء، وكان المغاربة يستعملون مادة الزجنفر لمعالجة العديد من الأمراض الجلدية، كان أشهرها الجدام بحيث كان يضعون حمامات على شكل احواض مائية مليئة بمياه حمراء اللون، خاصة بالأشخاص المصابين بهذا المرض، يستحمون داخلها لوقت معين بغرض الشفاء، وهكذا انتشرت كلمة الزنجفور أو ماء الزنجفور )، وهو ما يدل على اندماجه الكامل في شبكة الأزقة والدروب التي تميز النسيج العمراني التقليدي لفاس. فالمعمار في المدينة العتيقة لا يقوم على الانغلاق التام، بل على ترابط عضوي بين المرافق المختلفة، بحيث تتجاور الوظائف السكنية والتجارية والتعليمية والخدماتية داخل فضاء حضري متداخل. وبذلك تكشف هذه المحطات المكانية في تاريخ ثانوية مولاي إدريس عن جانب مهم من تطور المدينة نفسها؛ إذ تتقاطع فيها تحولات التعليم مع تحولات العمران والوظيفة الاجتماعية للمباني. فمن درب المشروم بحي فندق اليهودي إلى قصر المنبهي، ومن فضاء مدرسي إلى مستوصف يخدم سكان الحي، تتجلى حركية المكان في فاس بوصفها مدينة قادرة على استيعاب التحولات التاريخية دون أن تفقد ذاكرتها العمرانية والثقافية.

تُظهر الصورة الرئيسية باحة قصر المنبهي، التي كانت تُعرف في بداياتها باسم (المدرسة الإدريسية)، أثناء مرحلة إنتقالها من درب المطروح إلى قصر المنبهي حوالي عام 1910. ورغم أن مصدر الصورة غير مؤكد بشكل قطعي، إلا أنه يُرجح أنها التُقطت على يد جوزيف بوحصيرة، المصور الذي أصدر عدة بطاقات بريدية للمدرسة بين عامي 1911 و1912، ما جعلها وثيقة بصرية ثمينة لتاريخ المؤسسة المبكر. ويحمل القصر نفسه قيمة تاريخية كبيرة؛ فقد شُيّد في عهد السلطان مولاي عبد العزيز، على يد الوزير السابق المنبهي، الذي منح المبنى طابع القصور الفخمة في فاس العتيقة. وفي سياق الأحداث الكبرى التي شهدتها المدينة في مطلع القرن العشرين، أقام فيه الجنرال الفرنسي ليوتي بتاريخ 24 مايو/أيار من عام 1912، خلال زيارته الأولى لمدينة فاس، ما يضفي على المبنى بعدًا تاريخيًا سياسيًا إلى جانب أهميته التعليمية، كما اتخذ جانب منه مقرا لحزب الشورى والاستقلال خلال فترة الأربعينيات، كما أن القصر احتضن العديد من المهرجانات المتعلقة بالموسيقى الأندلسية والسماع والمديح النبوي والعروض الثقافية والشعرية والمسرحية، وكان الفنان الموسيقار عبد الوهاب الدكالي( المعطي بوكرن من مواليد عام 1941) قد أدى أول أغنية له داخل القصر ضمن أنشطة شبيبة حزب الشورى والاستقلال في نهاية أواسط الخمسينيات من القرن المنصرم، كما أن الفنان عبد الحق الزروالي أقام العديد من العروض المسرحية في هذا القصر في نهاية الثامنينيات المن القرن المنصرم.

بهذه الصورة، يمكن للباحثين والمهتمين بتاريخ التعليم في فاس الاطلاع على مرحلة تأسيسية للمدرسة، حيث تتجسد فيها معالم العمارة التقليدية للقصور المغربية، مع تداخل الوظائف التعليمية والسياسية والاجتماعية التي ميزت المدينة في تلك الفترة الانتقالية بين السلطنة والحماية الفرنسية.

وتأسيسا على ما سلف تُعدّ ثانوية ثانوية مولاي إدريس من أعرق المؤسسات التعليمية في مدينة فاس تم افتتاحها في صيغتها الحالية يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1914، وهي من المدارسة الوحيدة في المغرب التي بها قاعة المسرح في حلة بديعة بها زخارفة من نقش على الخشب والجبص والزليج الفاسي التقليدي الاصيل وكانت تقام فيها إلى حدود التسعينيات من القرن المنصرم اقصائيات المسرح المدرسي، ونهائياته، وكنت من المشاركين في إحدى الدورات عندما كنت تلميذا بإعدادية اللمطيين بحي عين ازليتن( هي اليوم اعدادية فاطمة الفهرية)، كما كانت قاعة المسرح تحتضن الندوات واحتفالات عيد العرش والمسيرة الخضراء، والقراءات الشعرية والمحاضرات، وبها عرض الفنان المسرحي عبد الحق الزروالي العديد من مسرحياته من بينها( سرحان المنسي، وبرج النور…)، وعند مدخل باب قاعة المسرح توجد سقاية رائعة الجمال على طراز مثيلاتها في المدينة العتيقة أبرز فيها الصناع التقليديون مهاراتهم وصنائعهم في الزليج والجبص والنقش على الخشب، وتوجد بالثانوية خزانة للكتب تحتوي على نفائس ثمينة واسفار قل نظيرها في مثيلاتها، وبها قاعة واسعة للمطالعة، وما تزال تحتفظ بالكتب والرفوف والطاولات والمقاعد كما صنعت أول مرة عام 1914 وهي من التراث المادي الذي تعتز به الثانوية ومدينة فاس ويستحق أن يفرد لها مكانا داخل المؤسسة لتكون متحفا ثريا ليطلع الزوار على هذه المعلمة التاريخية وما تحويه من نفائس ودرر، وقد اضطلعت الثانوية منذ نشأتها بأدوار تعليمية ووطنية وثقافية أسهمت بعمق في تكوين النخب المغربية الحديثة. فقد كانت هذه المؤسسة، منذ بداياتها الأولى حين كانت تُعرف بالمدرسة الإدريسية، فضاءً للتعلم والانفتاح على المعارف الحديثة، ومجالًا لتكوين أجيال من الطلبة الذين جمعوا بين التكوين العلمي والوعي الوطني. على المستوى التعليمي، لعبت الثانوية دورًا محوريًا في إدخال أنماط جديدة من التعليم النظامي إلى البيئة الثقافية التقليدية للمدينة. فقد ساهمت في الجمع بين التعليم العصري وروح الثقافة العربية الإسلامية التي عُرفت بها فاس عبر تاريخها الطويل. وفي هذا الإطار تخرج منها عدد كبير من الطلبة الذين أصبحوا لاحقًا أساتذة ومفكرين وإداريين وأطباء ومهندسين، فأسهموا في بناء مؤسسات الدولة المغربية الحديثة وفي تطوير الحياة الفكرية والثقافية بالمغرب.

ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ هذه المؤسسة العلامة محمد الفاسي، الذي يُعد من رواد الفكر الوطني المغربي في القرن العشرين. فقد نال أول شهادة بكالوريا تمنحها هذه الثانوية، وهو حدث رمزي يعكس المكانة العلمية للمؤسسة في بداياتها. وقد واصل الفاسي مسيرته العلمية والفكرية ليصبح أحد أعلام الثقافة المغربية، مسهمًا في البحث التاريخي وفي خدمة اللغة العربية والتراث المغربي. غير أن دور الثانوية لم يقتصر على الجانب التعليمي فحسب، بل كان لها أيضًا حضور بارز في الحركة الوطنية المغربية. فقد شكّلت فضاءً لتشكل الوعي الوطني لدى كثير من الطلبة الذين تأثروا بأفكار الإصلاح والنهضة، وأسهموا لاحقًا في النضال من أجل الاستقلال وترسيخ قيم الحرية والكرامة. وهكذا تحولت الثانوية إلى مدرسة للوطنية بقدر ما كانت مدرسة للعلم، حيث تخرج منها رجال ونساء حملوا همّ الإصلاح والتحديث.

ونظرا للتطور السريع الذي عرفته الثانوية فقد سارع قدماءها إلى تأسيس جمعية تحت اسم قدماء ثانوية ولاي ادريس بفاس وهي من أقدم الجمعيات التربوية والثقافية في المغرب، وقد ارتبط تأسيسها بتاريخ ثانوية مولاي إدريس ارتباطًا وثيقًا، باعتبارها فضاءً يجمع خريجي هذه المؤسسة العريقة ويوحد جهودهم في خدمة التعليم والثقافة والوطن. فقد تأسست هذه الجمعية عام 1921 في سياق تاريخي دقيق كانت فيه البلاد تعيش تحت نظام الحماية الفرنسية على المغرب، وهو ما جعل من نشاطها يتجاوز الإطار التربوي البحت ليأخذ أبعادًا وطنية وثقافية واضحة.ومنذ نشأتها، عملت الجمعية على توثيق الروابط بين قدماء الثانوية، وتعزيز روح التضامن بينهم، كما سعت إلى دعم المؤسسة الأم والمساهمة في تطوير دورها التعليمي والتربوي. غير أن نشاطها لم يكن سهلًا في ظل الظروف السياسية التي كانت تفرضها الإدارة الاستعمارية، إذ كانت الجمعيات الوطنية تخضع لرقابة صارمة، وتواجه عراقيل إدارية وسياسية تحول دون تطورها الطبيعي.

ورغم هذه الصعوبات، واصل أعضاء الجمعية عملهم بإصرار، مستندين إلى روح الانتماء للمؤسسة وإلى وعي وطني متنامٍ لدى النخبة المتعلمة التي تخرجت من الثانوية. وقد كان هذا النضال المدني والثقافي طويلًا وشاقًا، إذ احتاجت الجمعية إلى سنوات من العمل المتواصل والجهود المتراكمة حتى تنال الاعتراف الرسمي بمكانتها.وفي عام 1944 تحقق هذا الاعتراف حين مُنحت الجمعية صفة المنفعة العامة، وهو إنجاز مهم يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها داخل المجتمع الفاسي والمغربي عمومًا. ولم يكن هذا الاعتراف مجرد إجراء إداري، بل كان ثمرة مسار طويل من الكفاح الثقافي والتربوي في مواجهة القيود التي فرضها الاستعمار.وقد لعبت الجمعية منذ ذلك الحين دورًا بارزًا في الحفاظ على ذاكرة الثانوية وعلى تقاليدها التعليمية والوطنية، كما ساهمت في إبراز الدور الذي لعبه خريجوها في مختلف مجالات الحياة العامة. فكثير من هؤلاء الخريجين أصبحوا لاحقًا من رجال الفكر والإدارة والسياسة، وأسهموا في بناء مؤسسات الدولة المغربية الحديثة.وهكذا تمثل جمعية قدماء ثانوية مولاي إدريس صفحة مهمة من تاريخ المجتمع المدني في فاس، كما تعكس الدور الذي لعبته النخب المتعلمة في الدفاع عن القيم الثقافية والوطنية، وفي ترسيخ تقاليد العمل الجمعوي الذي يجمع بين خدمة المعرفة والالتزام بقضايا الوطن.

كما أدت المؤسسة دورًا تهذيبيًا وتربويًا مهمًا، إذ لم يكن التعليم فيها مجرد نقل للمعرفة، بل كان أيضًا تربية على القيم والأخلاق والانضباط والمسؤولية. وقد ساهم هذا البعد التربوي في تكوين شخصيات متوازنة تجمع بين المعرفة والالتزام الاجتماعي، وهو ما انعكس في المسارات المهنية والوطنية لخريجيها. إن تاريخ ثانوية مولاي إدريس جزء من تاريخ التحول الثقافي والتعليمي في المغرب الحديث. فقد كانت هذه الثانوية إحدى الحواضن التي تبلورت فيها ملامح النخبة المغربية الجديدة، تلك النخبة التي أسهمت في بناء الدولة الحديثة وفي تطوير مؤسساتها الثقافية والإدارية. ومن هنا فإن الحفاظ على ذاكرة هذه المؤسسة وتوثيق مسارها يعدان واجبًا ثقافيًا وتاريخيًا، لما تمثله من قيمة رمزية في مسيرة التعليم والنهضة الوطنية بالمغرب.

منذ الأشهر الأولى لإقامة نظام الحماية عام 1912، عملت الإقامة العامة على إنشاء بعثة مكلّفة بدراسة الحاجات التعليمية وتنسيق العناصر والمؤسسات القائمة. وقد كان تعليم المغاربة يحتل مكانة بالغة الأهمية، إذ إن حسن سير نظام الحماية، ولا سيما فيما يتصل بالجهاز الإداري، كان مرتبطًا إلى حدّ كبير بإيجاد حلّ مناسب لهذه المسألة. وفي ميدان التعليم قسّم نظام الحماية السكان الأصليين إلى ثلاثة أصناف كبرى: الأعيان، وسكان المدن، وسكان الأرياف. واقترح، تفاديًا لاقتلاع الأطفال المنحدرين من أوساط اجتماعية مختلفة من بيئاتهم، إنشاء ثلاثة أنواع من المدارس تمنحهم تعليمًا يتلاءم مع محيطهم الأصلي (أمازيغًا كانوا أم عربًا، حضريين أم قرويين). وهكذا ظهرت مدارس أبناء الأعيان، والمدارس الحضرية، والمدارس القروية. غير أن التمييز بين المدارس الحضرية ومدارس أبناء الأعيان أخذ يتلاشى تدريجيًا نحو عام 1925، إذ أصبحت الأسر المغربية الكبرى ترسل أبناءها غالبًا إلى أقرب مدرسة، سواء أكانت مخصصة للأعيان أم لا، أو تختار لهم تعليمًا خاصًا يقدمه مدرسون مسلمون، أو تلحقهم بمدارس الأوروبيين متى أتيح لها ذلك.

وقد أُسند تكوين النخب المغربية المستقبلية إلى ثانويتين مسلمتين هما، ثانوية مولاي إدريس بفاس التي افتتحت يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1914، وثانوية مولاي يوسف بالرباطالتي التي افتتحت عام 1916. ويرجع تأسيس هاتين المؤسستين في محلهما الآن(2026) إلى الماريشال ليوطي، الذي كان حريصًا على منح النخبة المغربية تعليمًا خاصًا، انطلاقًا من فكرة مفادها أن التلاميذ الذين يتخرجون من هذه المؤسسات سيكونون مؤهلين لتعويض الأطر القديمة التي أصبحت متجاوزة داخل الإدارة الشريفة. فبدل موظفي المخزن القديم الذين بدوا بعيدين عن الأفكار الحديثة، كان ينبغي إعداد عناصر شابة، تبقى مرتبطة بتقاليدها الاجتماعية، لكنها تستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات التطور والتقدم الذي تحقق تحت رعاية فرنسا.وقد أُنيط بالكليات المسلمة تكوين موظفي المخزن في المستقبل، من باشاوات وخلفاء وعلماء وموظفي المالية وغيرهم، كما كان الهدف منها تزويد أبناء الأسر الكبرى القادرين على حكم البلاد بتعليم يتناسب مع مكانتهم الاجتماعية الرفيعة. وبذلك كان نظام الحماية يسعى إلى إيجاد طبقة من الوسطاء المغاربة القادرين ثقافيًا وتقنيًا على أداء أدوار مساعدة إلى جانب الفرنسيين.وكان أبناء الأعيان هؤلاء قد استفادوا في الغالب من مسار دراسي “محمي” خلال تعليمهم الابتدائي. فقد أُنشئت مدارس أبناء الأعيان في أهم المدن المغربية، وكان عدد تلامذتها محدودًا ويتم اختيارهم بعناية. وكانت تستقبل أبناء النخبة الاجتماعية: من موظفي المدن وتجارها الميسورين، وكذلك أبناء القواد وأعيان البوادي. ولم يكن تعليم الفتيات مطروحًا آنذاك. وحتى سنة 1926 كانت هذه المدارس، من حيث المبدأ، مؤدى عنها، غير أن المعلمين واجهوا مقاومة شديدة في تحصيل الرسوم الدراسية، مما أدى إلى إلغائها.

وكان جمع أبناء الأعيان في مؤسسات تعليمية خاصة يستند إلى اعتبارات متعددة؛ فمن الناحية التربوية كان يُعتقد أن أبناء الأسر الميسورة أكثر يقظة واستعدادًا للتعلم، ولديهم وقت أطول للدراسة. كما كان يُفترض أنهم يميلون إلى الحفاظ على المكانة الاجتماعية لآبائهم، وأن يشكلوا نواة نخبة الغد المتشبعة بالقيم الحديثة التي يروج لها نظام الحماية. وهكذا كان يُنظر إلى هذا التنظيم التعليمي باعتباره وسيلة لضمان استقرار النظام الاجتماعي، بحيث يبقى كل فرد في موقعه، بدل اعتماد مدرسة واحدة لجميع فئات المجتمع.وعند نهاية المرحلة الابتدائية العليا، كان التلاميذ الحاصلون على شهادة الدروس الابتدائية يلتحقون بالمرحلة الأولى من الكلية، ثم يواصل أفضلهم الدراسة في المرحلة الثانية التي يُفترض أن تفتح أمامهم أبواب وظائف المخزن ومجالات التجارة الكبرى.وبما أن هؤلاء التلاميذ سيعيشون في وسط مغربي مسلم، فقد تقرر أن يتلقوا ثقافة وتربية مغربية إسلامية. ولذلك كان التعليم يُقدَّم بلغتهم الأم، في حين تُدرَّس اللغة الفرنسية بوصفها أداة للتواصل مع الفرنسيين ووسيلة لاكتساب معرفة دقيقة ومتكاملة بالحضارة الأوروبية. ويمكن القول إن الثقافة العربية الإسلامية في هذا النظام كانت تؤدي أيضًا دورًا كابحًا للإفراط في الاندماج الثقافي، إذ كان يُفترض أن يحول حضورها في البرامج التعليمية دون نشوء تطلعات أو مطالب قد تمسّ الامتيازات التي يتمتع بها الأوروبيون.

وفي هذا السياق، واصلتجامعة القرويين بفاستدريس العلوم الشرعية واللاهوتية، وفتحت أبوابها لطلبة الكلية الراغبين في تلقي تعليم ديني. وقد أُقيمت هذه الصلة عام 1914 بمبادرة من ألفريد بيل، مدير المدرسة الثانوية الإدريسية(ثانوية مولاي إدريس بفاس)، غير أنها انقطعت عام 1916. وهكذا ظلت المدرستان المسلمتان في فاس والرباط تعملان دون تدريس للقانون الإسلامي إلى غاية نهاية عام 1920، وهو وضع مفارق لمؤسسات كان يُفترض أن تُعد قضاة وموظفين مسلمين.وقد نص الظهير الصادر عام 1916، الذي أنشأ رسميًا المدارس المسلمة، على أن تُدرَّس جميع مواد البرنامج، حتى الحديثة منها، باللغة العربية، رغم أن بعضها كان يُدرَّس بالفرنسية في المدرسة الثانوية الإدريسية خلافًا للخطة الأصلية. غير أن هذا القرار لم يحقق نتائج مرضية، إذ لم يكن من السهل العثور على أساتذة، مسلمين أو فرنسيين، قادرين على تدريس العلوم الحديثة بالعربية. كما أن الأساتذة الجزائريين الذين استُعين بهم في الغالب لم يتمكنوا من نقل الكتب الفرنسية إلى العربية أو تكييفها مع حاجات التعليم.ونتيجة لذلك انخفض عدد التلاميذ انخفاضًا ملحوظًا؛ فقد غادر كثير منهم الكلية بحثًا عن عمل يضمن لهم مورد رزق، بينما أخذ الذين بقوا ينصرفون عن الدراسات العربية ويبدون اهتمامًا متزايدًا بالدراسات الفرنسية، مطالبين بتوسيع التعليم باللغة الفرنسية. وكانوا يأملون أن تفتح لهم الثقافة الفرنسية أبواب مهن أكثر ربحًا من تلك التي تتيحها الدراسات العربية، خاصة وأن الوظائف الدينية أو المناصب العليا في المخزن كانت محدودة ولا توفر آفاقًا واسعة للمستقبل.

وفي عام 1918 جرى التراجع عن هذا التوجه، فعادت السياسة التعليمية إلى النهج الذي اتُّبع خلال السنتين الأوليين في فاس، وذلك بإعطاء التعليم العام باللغة الفرنسية. غير أن هذا التوجه الجديد، الذي سيستمر منذ ذلك الحين، لم يكن منسجمًا مع الأسس السياسية لتعليم السكان الأصليين. ومع ذلك كان لا بد من الاستجابة للمطالب التي عبّر عنها التلاميذ، بل وحتى المخزن نفسه. فقد عبّر الصدر الأعظم عن رغبته في أن تكون برامج الكليات المسلمة مماثلة لبرامج الكليات والثانويات في فرنسا، بحيث تسمح للتلاميذ بمتابعة دراساتهم العليا. كما طالب بإلغاء تدريس العلوم الإسلامية (كالقرآن والحديث) في هذه الكليات. وللاستجابة لرغبات المخزن ذهب الماريشال ليوطي أبعد من ذلك، فطالب بأن يُعادل دبلوم نهاية الدراسة في الكليات المسلمة شهادة البكالوريا الفرنسية، غير أن طلبه لم يتلقَّ جوابًا.وفي عام 1919 وُضعت برامج جديدة تُكرّس هذا التوجه نحو الدراسات الفرنسية، فشكّلت قطيعة نهائية مع الهدف الأول الذي كان يرمي إلى تكوين قضاة وموظفين للمخزن. وهكذا أصبحت الكليات المسلمة مؤسسات تعليمية تشبه إلى حد بعيد مؤسسات التعليم الثانوي الفرنسية. غير أن دبلوم نهاية الدراسة الذي تمنحه هذه المؤسسات، رغم قربه من شهادة البكالوريا الفرنسية، لم يكن يتيح للتلاميذ متابعة دراساتهم العليا، الأمر الذي جعله في نظر المسلمين عديم القيمة والفائدة.وأمام هذا المأزق الذي بدت تقود إليه السياسة الجديدة، تقرر عام 1920 منح برامج الكليات المسلمة طابعًا أقل طموحًا. فتم تخفيف برنامج الدراسات الفرنسية بمقتضى قرار وزيري صدر في سبتمبر 1920؛ إذ خُفِّضت برامج الرياضيات والتاريخ، وأُدخل في المقابل تدريس الدين والقانون، بناءً على طلب السلطان نفسه، بعد أن كان المخزن قد أصر قبل عامين على استبعادهما من البرامج.

برامج الدراسة في الكليات المسلمة(1920)
انقسم التعليم في هذه الكليات إلى قسمين: قسم عربي إسلامي وقسم فرنسي.

أولًا: القسم العربي الإسلامي
كانت الفكرة الموجهة لهذا القسم أن يكون التعليم ذا طابع إسلامي، ولذلك طُلب من المدرسين الحرص على إبقاء التلاميذ مرتبطين بالدين والحضارة الإسلامية.

أ- اللغة والآداب العربية:
كان يُدرَّس كبار المؤلفين العرب من مؤرخين وجغرافيين وشعراء، غير أن هذا التعليم الذي يقدمه أساتذة مسلمون مغاربة وجزائريون كان دون المستوى المأمول. فقد ظل المدرسونمرتبطين بالمناهج التقليدية، يفتقرون إلى الإعداد الكافي، ولا يحسنون تطبيق المناهج الحديثة التي استطاعت مصر، بفضل احتكاكها بالحضارة الأوروبية، أن تتبناها سريعًا. ومن جهة أخرى، فإن الأساتذة الفرنسيين، رغم إتقانهم العربية، كانوا أقل كفاءة من زملائهم المسلمين الذين تعد العربية لغتهم الأم. ولذلك برزت مشكلة تدريس اللغة العربية، إذ أصبح من الضروري تكوين جيل جديد من الأساتذة المغاربة أو اللجوء إلى استقدام أساتذة من مصر أو سوريا.

ب- الفقه واللاهوت الإسلامي:
أُدخل تدريس القرآن بناءً على طلب السلطان، لا بغاية تعزيز التعليم الديني بقدر ما كان هدفه معالجة الضعف الواضح لدى التلاميذ في اللغة العربية. وكان هذا التعليم، مثل سابقه، يُقدَّم وفق الأساليب التقليدية التي عُدّت في كثير من الأحيان متجاوزة.

ثانيًا: القسم الفرنسي
كان الهدف من هذا القسم تكوين التلاميذ تكوينًا فكريًا فرنسيًا خالصًا، وقد أُوكل تدريسه إلى أساتذة فرنسيين. ونصت برامج سنة 1919، المعدلة سنة 1920، على أن التلاميذ «يجب أن يكتسبوا معرفة عميقة وعملية باللغة الفرنسية وبالعناصر العلمية الضرورية للحياة».

أ- اللغة الفرنسية:
كانت الفرنسية تُدرَّس باعتبارها لغة أم ثانية لا لغة أجنبية، وذلك للحد من روح المقاومة للتأثير الفرنسي. وكان الهدف «ألا يقتصر الأمر على تعليم التلاميذ التحدث والقراءة والكتابة بالفرنسية بطلاقة، بل أن ينفذوا إلى معناها العميق ويستشعروا، وراء الألفاظ، جوهر العقلية الفرنسية». وهكذا كانت الفرنسية تُعد أداة للتقارب والجذب أكثر من كونها لغة ذات قيمة في ذاتها. وكان يُوصى بدراسة الكُتّاب الفرنسيين الذين كتبوا عن الشرق والمغرب وأبدوا تعاطفًا مع الإسلام.

ب- التاريخ والجغرافيا:
كان تدريس التاريخ يشمل تاريخ الحضارة الفرنسية بوجه عام، وتاريخ العرب، وتاريخ المغرب. أما الجغرافيا فكان التركيز فيها منصبًا على المغرب وشمال إفريقيا والمستعمرات الفرنسية، مع إبراز الروابط التي يمكن أن تنشأ بين المغرب ومختلف المناطق الخاضعة للنفوذ الفرنسي.

ج- العلوم:
كان تدريس الرياضيات محدودًا للغاية ويهدف أساسًا إلى التطبيقات العملية. وينطبق الأمر نفسه على العلوم الفيزيائية والكيميائية والطبيعية، إذ كانت تنطلق من ملاحظة واقعة عملية مباشرة، مع استبعاد أي تأمل فلسفي علمي. ومن الواضح أن روح هذا البرنامج تختلف إلى حد بعيد عن روح برامج الثانويات الفرنسية.

د- الرسم:
كان يُدرَّس في ثلاث صور: الرسم الهندسي، والرسم التقني، والرسم الزخرفي، على أن يُراقَب هذا الأخير حتى لا يخرج التلاميذ عن التقاليد المعروفة.

هـ- التعليم التجاري:
كان الهدف منه تشجيع إقامة علاقات تجارية منتظمة بين المغرب والبيوتات التجارية الفرنسية، من خلال دراسة الوثائق التجارية والكتالوجات ومسك الدفاتر، إضافة إلى مبادئ في الجمارك والبريد والنقل والبنوك وغيرها.

و- التربية البدنية:
كان ينبغي استبعاد كل ما يذكّر بالتدريب العسكري. ولذلك كانت تقتصر على الألعاب والجري والقفز وما شابه ذلك، إذ “إن الغاية من التربية البدنية هي التأثير الإيجابي في الأخلاق أكثر من تنمية العضلات”. وأخيرًا كانت تُلقى محاضرات في موضوعات أخلاقية يقدمها علماء دين أو محاضرون من خارج الكليات، غير أن هذه المحاضرات لم تُطبَّق عمليًا إلا فيكلية مولاي إدريس بفاس.

تشمل برامج الدراسة في الكليات المسلمة دورتين تعليميتين:

الدورة الأولى من التعليم الثانوي ومدتها أربع سنوات، تُختتم بالحصول على شهادة الدراسات الثانوية المسلمة. وتتسم هذه الدورة بطابع عام لا يهدف إلى إعداد مهني مباشر، إذ تتمثل غايتها في تهيئة التلاميذ لمتابعة الدراسات العليا.الدورة الثانيةمن التعليم الثانوي ومدتها سنتان، تُتوَّج بالحصول علىدبلوم الدراسات الثانوية المسلمة. وكان يُفترض أن تُعدّ هذه المرحلة التلاميذ لممارسة مهنة محددة، ولذلك كان من المزمع إضافة شعبة قانونية إلى الشعبتين الأدبية والاقتصادية القائمتين. غير أن هذه الشعبة لم تُنشأ فعليًا، كما أن الشعبة التجارية أو الاقتصادية، بعد سنوات قليلة من الصعوبات، اختفت لعدم وجود عدد كافٍ من التلاميذ. وقد تعرّض هذا الدبلوم لانتقادات عديدة، لأنه – باستثناء منحه خمس عشرة نقطة إضافية في مباراة المترجمين – لا يتيح أي امتياز ذي أهمية، ومن ثم فهو يظل عديم القيمة الحقيقية.ولمحاولة الحد من هذا العزوف عن الكليات المسلمة، تقرر سنة 1921 تغيير تسميتها إلىالمدرسة العليا المسلمة، إذ كان اسم “كلية” لا يلقى استحسانًا. وكان المعهد العالي للغة العربية واللهجات الأمازيغية قد غيّر اسمه في السنة السابقة إلىمعهد الدراسات المغربية العليا، فغدا اسم “المدرسة العليا” متاحًا للاستخدام.وقد أُجري هذا التغيير في التسمية أساسًا لإبراز أن الكليات المسلمة مؤسسات تعليمية ذات طابع أصيل، تتميز عن الكليات الفرنسية في مناهجها وأهدافها، دون أن تكون أقل شأنًا منها. غير أنه بعد سنتين فقط، أي سنة 1923، جرى الرجوع إلى التسمية الأولى: الكليات المسلمة. ويعود ذلك إلى أنه أُنشئت في معهد الدراسات المغربية العليا دروس خاصة للطلبة الحاصلين على دبلوم هذه المدارس العليا، فبدأ يتشكل تعليم عالٍ مسلم حقيقي. ومن ثم بدا اسم «الكلية المسلمة» أكثر توافقًا مع طبيعة هذه المؤسسات ومستواها التعليمي.

وفي سنة 1927 كانت ثانوية مولاي يوسف بالرباط تضم نحو 150 تلميذًا، في حين لم يتجاوز عدد التلاميذ في ثانوية مولاي إدريس بفاس خمسين تلميذًا. وكانت كلية مولاي يوسف تتوفر على داخلية، إذ كان من بين مجموع 150 تلميذًا نحو 98 تلميذًا داخليًا قدموا من مختلف مناطق المغرب. وكان هؤلاء في الغالب أبناء أعيان البوادي الذين يقيمون في مناطق لا تتوفر على مدارس، ولذلك كانوا ينجزون تعليمهم الابتدائي داخل الكلية نفسها قبل أن ينتقلوا إلى المرحلة الثانوية. (غير أن عدد التلاميذ المسجلين فعلًا في مرحلتي التعليم الثانوي بالكلية سنة 1927 لم يتجاوز 53 تلميذًا).أما في فاس، ففي التاريخ نفسه، فقد كانت الأقسام الابتدائية التابعة للكلية تضم 19 تلميذًا، بينما بلغ عدد التلاميذ في الدورة الأولى من التعليم الثانوي 28 تلميذًا، وفي الدورة الثانية خمسة تلاميذ فقط. ولم تتوفرثانوية مولاي إدريسعلى داخلية إلا سنة 1940. إن التردد في اختيار تسمية الكليات المسلمة يكشف عن الحيرة التي أحاطت بتحديد مكانة التعليم الأهلي ودوره في تكوين النخب المغربية المستقبلية. كما أن ضعف أعداد التلاميذ المسجلين بعد نحو خمسة عشر عامًا من إنشاء هذه الكليات يعكس خيبة أمل المغاربة تجاه هذا النمط من التعليم، إذ أخذوا يعترضون على توجهه ويعيدون النظر في الدور الذي أُسند إلى هذه المؤسسات.وقد شجّع مدير التعليم في بعض السنوات تبادل الرسائل بين تلاميذكلية مولاي إدريسوتلاميذ بعض المؤسسات التعليمية في فرنسا، وذلك بهدف إنشاء روابط صداقة بينهم يمكن أن تتحول لاحقًا إلى علاقات تجارية. كما نظم المقيم العام، ابتداءً من سنة 1922، رحلات إلى فرنسا ذات طابع سياسي شارك فيها عدد من تلاميذ الكليات المسلمة. وكانت هذه الرحلات، التي تستغرق نحو خمسة أسابيع، تهدف إلى تعريف نخبة الشباب المغربي بمختلف جوانب النشاط العلمي والفني في فرنسا.

وكان الماريشال ليوطيينظر إلى الشباب المسلمين بوصفهم نظراء له في الكرامة الإنسانية، بل ويعدهم قادة المستقبل في البلاد. ومع أنه عبّر أحيانًا عن بعض المخاوف من الأخطار التي قد تتعرض لها هذه الفئة المتعلمة، فإن قناعاته العميقة كانت تدفعه إلى تبديد تلك المخاوف. فقد قال: “من يستطيع أن يقول من منا على صواب: أنا أم الآخرون؟ إنني أرى أن واجبنا هو أن نقترب من هؤلاء الناس، وأن نفيض على عقولهم من أنوار معرفتنا، وأن نجذبهم إلينا برفعهم إلى مستوانا. أما الآخرون فيقولون: خطر! فاليوم الذي يخرجون فيه من الجهل سيكون يوم أشد الخيبات وأقسى نكران الجميل، بل يوم انهيار عملنا كله”. ومع ذلك أضاف قائلًا: “علينا أن نمارس أقصى درجات المراقبة حتى لا يُفتن هؤلاء الشبان بما يتلقونه من تعليم، فيصبحوا دعاة ثورة واضطراب. فطالما أن المغرب قد حظي بسعادة البقاء بلدًا للتقاليد والنظام، فيجب أن يقتنع الشباب الذي نكوّنه بأن أول واجباته هو مساعدتنا في الحفاظ على هذه النعم”. ويبدو أن مظاهر التردد وعدم الرضا التي رافقت تطور الكليات المسلمة كانت مرتبطة، إلى حد كبير، بمسألة مستقبل التلاميذ بعد نهاية دراستهم؛ فالتعليم المقدم في هذه المؤسسات لم يكن غاية في ذاته، بل كان أداة للاستمالة السياسية، غير أن آفاق المستقبل لم تكن مرسومة بوضوح.ابتداءً من سنة 1919 اتجه بعض تلاميذ الكليات المسلمة نحو الحياة العسكرية، فالتحقوا بالمدرسة العسكرية بمكناس (دار البيضاء) ليصبحوا ضباطًا من الأهالي في سلاحي الفرسان أو المشاة. غير أن المهنة العسكرية لم تكن تجذب كثيرًا من الشباب المغربي، مما فرض التفكير في فتح آفاق أخرى أمامهم. وكان إعداد الباشاوات والقواد المستقبليين عبر الكليات المسلمة قد ورد ضمن الأسس السياسية لتعليم الأهالي التي وُضعت سنة 1916، ثم أعاد الصدر الأعظم طرح هذه الفكرة سنة 1920، فطالب من جهة بجذب مزيد من أبناء أعيان القبائل إلى هذه الكليات، ومن جهة أخرى بإنشاء شعبة خاصة تُسمى الشعبة الإدارية لإعداد القواد، على أن يشمل برنامجها تدريس الفقه الإسلامي والتشريع المغربي والاقتصاد السياسي وغيرها. غير أن هذا المشروع لم تعتمدْه إدارة الشؤون الأهلية.وبالطريقة نفسها لم يكتب النجاح لمشروع قرار وزيري يقضي بإنشاء إطار خاص من الكُتّاب الأهالي في الباشويات والقيادات، يكون مخصصًا لحاملي دبلوم الدراسات الثانوية المسلمة. فقد كان ضمان وظيفة محددة للخريجين أمرًا لا ينسجم مع مقتضيات السياسة الأهلية.

وفي سنة 1921، وهي السنة التي تخرجت فيها أول دفعة من طلاب الكليات (وكان عددهم ثلاثة فقط)، وجد الماريشال ليوطي نفسه عاجزًا عن توظيفهم فورًا، غير أنه حرص على ألا يصيبهم الإحباط، فعين أحدهم في ديوانه المدني، وسعى – بصعوبة – إلى أن تحذو بقية المصالح المقيمية حذوه. وكان الهدف من هذا التدريب إعدادهم للقيام بمهامهم الإدارية في المستقبل.وفي الوقت نفسه كان هؤلاء الملحقون يتابعون بعض الدروس فيمعهد الدراسات المغربية العليالاستكمال تكوينهم. كما جرى التفكير في إنشاء دروس خاصة داخل المعهد لتأسيس تعليم عالٍ مسلم حقيقي موجه إلى الجيل المغربي الجديد، يمتد ثلاث سنوات ويُتوَّج بدبلوم الدراسات المغربية العليا. غير أن هذا التنظيم لم يحتفظ طويلًا بطابعه المستقل، إذ سرعان ما اندمج في نظام معهد الدراسات المغربية العليا.ولم تكن الكليات المسلمة ترمي إلى إعداد الطلبة للدراسات الفرنسية، بل كان هدفها تكوين فئة محددة من المغاربة لشغل وظائف خاصة ومحلية لا يستطيع القيام بها غيرهم، بفضل ثقافتهم المزدوجة. غير أنه في أواخر عشرينيات القرن العشرين لم يكن دبلوم الكليات المسلمة يمنح الحق في وظيفة محددة، كما لم تكن هناك مباريات خاصة مخصصة لخريجي هذه الكليات. وكانت فرص العمل المتاحة أمامهم محدودة للغاية، إذ ظل كثير من المناصب يشغلها مغاربة تلقوا تعليمهم قبل عهد الحماية، أو من الأهالي الجزائريين والتونسيين. وقد أثار هذا الوضع نوعًا من التذمر داخل صفوف الشباب المغربي، وهو التذمر الذي عبّرت عنهجمعية قدماء تلاميذ الكليات المسلمة بفاسالتي تأسست في سبتمبر سنة 1921.

في سنة 1926 صاغت هذه الجمعية جملة من المقترحات الهادفة إلى جعل الكليات الإسلامية أكثر جاذبية للطلبة. فقد جاء في أحد بياناتها: «من أجل تشجيع تلاميذ الكليات الإسلامية على متابعة السلك الكامل للدراسات المقررة، ومن أجل منح دبلوم الدراسات الثانوية الإسلامية قيمة فعلية، يطالب الشباب المغاربة بمعادلة هذا الدبلوم بالبكالوريا الفرنسية، أو على الأقل بشهادة البريفيه الأعلى. فهذه المعادلة وحدها كفيلة بتيسير ولوج تلاميذ الكليات إلى التعليم العالي”.كما أعربوا، من جهة أخرى، عن أسفهم لكون “عدداً كبيراً من الوظائف في إدارة الحماية يشغله جزائريون وتونسيون، بل وحتى سوريون”، وطالبوا بأن تُخصَّص وظائف محترمة وذات أجر مناسب للحاصلين على شهادة أو دبلوم الدراسات الثانوية الإسلامية.ولتمكين الجميع من الولوج إلى التعليم الثانوي وإلى أرقى المناصب، دعوا إلى إلغاء الرسوم الدراسية في جميع المؤسسات التعليمية الإسلامية التابعة لنظام الحماية، كما طالبوا – وهو مطلب أكثر دلالة – بإلغاء نظام الانتقاء الأرستقراطي في القبول. كذلك عبّر قدماء تلاميذ كلية مولاي إدريس عن رغبتهم في أن يتم اختيار أساتذة اللغة العربية مستقبلاً وفق معايير أكثر صرامة، بحيث تتوفر فيهم ضمانات أخلاقية ومهنية جادة.غير أن المطالب التي عبّرت عنها جمعية قدماء التلاميذ لم تُستجب إلا جزئياً. فقد كان من الصعب معادلة دبلوم يتوّج دراسات أدنى مستوى من دراسات الثانويات بالبكالوريا الفرنسية. ومع ذلك سُمح لبعض التلاميذ بالتهيؤ لاجتياز امتحان البكالوريا، غير أن هذا الحل لم يكن واقعياً؛ إذ إن التقدم لهذا الامتحان يقتضي متابعة دراسة ثانوية متينة، في حين أن برامج الكليات، وإن كانت تقترب من برامج الثانويات، فإنها لم تبلغ مستوى التكافؤ معها. لذلك لم يتجاوز عدد الحاصلين على البكالوريا في أواخر عشرينيات القرن العشرين بضعة تلاميذ لا يتعدون العشرة.

أما مجانية التعليم – وهو مطلب عبّر عنه أيضاً مجلس فاس سنة 1926 – فقد أصبحت القاعدة، كما جرى التشكيك جزئياً في نظام الانتقاء الذي كان يقتصر على نخبة ضيقة من أبناء الأعيان والأسر الكبرى. وأصبح القبول يشمل أبناء مختلف الفئات الاجتماعية، من أبناء صغار التجار إلى أبناء القواد وكبار موظفي المخزن. أما فيما يتعلق باختيار أساتذة اللغة العربية، فإن الوضع كان أكثر تعقيداً. فلم يكن الاعتراض مقتصراً على ضعف كفاءاتهم المهنية أو التربوية فحسب، بل إن بعض الاتهامات كانت تشير إلى أن مقتضيات السياسة التي يقوم عليها تعليم الأهالي دفعت إلى توظيف معلمين لا تتمثل مهمتهم الأساسية في التربية بقدر ما تتمثل في جمع المعلومات. وقد كتب أحد الرؤساء السابقين لجمعية قدماء التلاميذ في جريدة”عمل الشعب”في أكتوبر 1933 أن أحد أساتذة العربية “يقضي معظم وقته في ترهيب تلاميذه والحديث إليهم عن السياسة التي ينتهجها نظام الحماية، وخاصة ما يتعلق بالقضية البربرية، محاولاً بطبيعة الحال تبريرها. ألم يغب هذا الأستاذ نفسه عن عدة دروس بعد بداية الموسم الدراسي الأخير ليقضي وقتاً طويلاً مع المدير ومع موظف جهاز الاستعلامات؟ … أما هذا الموظف، فإن زياراته المتكررة والطويلة إلى الكلية الإسلامية تثير الريبة حقاً. لماذا يركب هذه المغامرة مراراً؟ وأي عمل يأتي ليؤديه هناك؟”.

إن تردد المخزن وسلطة الحماية في تجديد الإدارة المغربية التقليدية بسرعة دفع كثيراً من التلاميذ إلى ترك دراستهم قبل الحصول على الدبلوم، وإلى التفكير في التوجه نحو الدراسة في المؤسسات الفرنسية، رغم أنهم غير مهيئين لها بما يكفي، فضلاً عن أن الالتحاق بها كان يُرفض في الغالب. ومن المرجح أنه لو كانت الدراسة في الكليات تقود إلى شهادات ذات قيمة عملية، تسمح لحامليها بمتابعة التعليم العالي أو بالحصول على وظائف مهمة في الإدارة الشريفة أو الفرنسية، لكان عدد المنقطعين أقل وعدد المسجلين أكبر. غير أن هذا الوضع كان يبدو مرضياً للمسؤولين الإداريين والسياسيين؛ إذ إن قلة عدد الخريجين المغاربة تجعل من السهل إدماجهم في الوظائف، في حين كانوا يخشون تضخم أعداد طالبي العمل بما يفوق ما يمكن أو ما يراد توفيره.  وفي الوقت نفسه أدى تغلّب التعليم باللغة الفرنسية على التعليم بالعربية منذ سنة 1918 إلى تقليص الدور الذي كان يفترض أن تؤديه الثقافة العربية الإسلامية في الحد من الإفراط في الاندماج الثقافي لدى التلاميذ. فطلبة الكلية الذين واصلوا دراستهم أصبحوا أقرب إلى الثقافة الفرنسية… لكنهم كانوا أقل اقتناعاً بسياسة الحماية، إذ أخذوا يميلون إلى المطالبة بالحقوق نفسها التي يتمتع بها الفرنسيون، ولذلك بدا الحد من عدد التلاميذ أمراً أكثر راحة للسلطات الفرنسية.

وقد كانت طبيعة التعليم ومضمونه في كلية مولاي إدريس، منذ تأسيسها، مصدر صعوبات بل وصراعات بين الفرنسيين والمغاربة. غير أن هذه الصعوبات طُرحت على نطاق أوسع في ربيع سنة 1933 من خلال مقالات ومنابر نُشرت في جريدة”عمل الشعب”الأسبوعية، المدافعة عن المصالح المغربية، وفي مجلة”المغرب”الشهرية الصادرة في باريس، وهي أول مجلة مغربية في المنفى تأسست سنة 1932. وقد أثارت هذه المقالات قضية تعليم التلاميذ المسلمين في المغرب، بل وطرحت مسألة إلغاء الكليات الإسلامية في فاس والرباط أو دمجها مع الثانويات الفرنسية في هاتين المدينتين. كما تناولت الصحافة الفرنسية هذه المقالات بالنقاش، ولا سيما الأسبوعية”لا ديبيش دو فاس”ذات التوجه الراديكالي الاشتراكي.وفي أواخر سبتمبر 1933 نشر أوجين ريشار، أستاذ العربية في الثانوية المختلطة وأمين صندوق المدارس وعضو الحزب الراديكالي الاشتراكي، رسالة مفتوحة في “لا ديبيش دو فاس” موجَّهة إلى محمد حسن الوزاني، مدير جريدة «عمل الشعب» ومراسل مجلة “المغرب”، على خلفية مقال نشرته هذه المجلة في أبريل 1933 بعنوان”مشكلة التعليم في المغرب”. وقد عاب ريشار على المقال أنه أعاد نشر وثيقة صادرة عن الجمعية الثانوية بفاس دون الإشارة إلى مصدرها. غير أنه لم يشكك في حسن نية الوزاني، بل انتقد تصرف بعض الأشخاص الذين سرّبوا الوثيقة بعد تحريفها للإضرار بأصحابها.

وأكد ريشار أن اقتراحهم لم يكن يهدف إلى إلغاء الكلية الإسلامية، بل إلى دمج المؤسستين الثانويتين في فاس، لما في ذلك – في نظره – من توفير للنفقات وتقريب بين المكونات العرقية للبلاد وتعزيز الاتحاد الفرنسي المغربي. وأضاف متسائلاً: “أليس من المشروع أن نحلم بأن يجلس التلاميذ المغاربة والأوروبيون جنباً إلى جنب في الفصول، يشتركون في ألعابهم ويتبادلون أفكارهم وتطلعاتهم، فيتعرف بعضهم إلى بعض بصورة أفضل من خلال هذا الاحتكاك اليومي؟ ومع ذلك فقد وُجِّهت إلينا تهمتان: الأنانية من طرف المغاربة، وعدم الوطنية من طرف السلطات الفرنسية”.ورد عبد القادر التازي، الرئيس السابق لجمعية قدماء تلاميذ الكليات الإسلامية بفاس، في عدد 7 أكتوبر 1933 من الجريدة نفسها قائلاً: “إننا نتفق معكم تماماً؛ فدمج المؤسستين الثانويتين في فاس يبدو لنا فكرة حسنة، لأن التعليم في كلية مولاي إدريس معروف بضعفه ونقصه، بل إنه يتجه إلى الدسائس أكثر مما يتجه إلى العلم. ولهذا السبب أحاول حالياً تسجيل أبنائي في الثانوية، مقتنعاً بأن تعليمها الحديث أقدر على أن يجعل منهم رجالاً نافعين ومستنيرين”.

وفي العدد نفسه ورد خبر عاجل يفيد بأن نحو عشرين من أبناء أعيان الرباط تقدموا للتسجيل في ثانوية غورو، لكنهم – رغم قبولهم مؤقتاً – طُلب منهم بعد يومين الانتقال إلى الكلية الإسلامية. ولما رفضت أسرهم ذلك، معتبرة أن التعليم في هذه المؤسسة لا يلبي متطلبات الحياة الحديثة، رُفض طلبهم. وقد قررت بعض العائلات إرسال أبنائها إلى المدرسة الإيطالية في طنجة. كما حدث الأمر نفسه في فاس لابني اثنين من الأعيان المعروفين هما عبد القادر التازي وبنجلون.وقد تناولت الأسبوعية”الصرخة المغربية”هذه الحادثة بلهجة ساخرة، مشيرة إلى أن المسؤول عن التعليم الأهلي نجح في “تخليص المغرب من عشرات الشبان المغاربة” الذين اضطر بعضهم إلى متابعة الدراسة في أوروبا، بينما التحق آخرون بالكلية الإيطالية في طنجة.وفي 28 أكتوبر 1933 نشر جورج موريس ديلتواي في “لا ديبيش دو فاس” مقالاً بعنوان”«الكلية الإسلامية في قفص الاتهام”، أكد فيه أن الكليتين الإسلاميتين في فاس والرباط لم تعودا تلبّيان ما يُنتظر منهما، وأنهما في حاجة إلى إصلاح عميق أو إلى دمجهما في الثانويات، وإلا فإن إغلاقهما قد يبدو – على حد تعبيره – “نعمة من السماء حفاظاً على شرف هيئة التعليم”.

وقد أعاد ديلتواي نشر مقتطفات من المقال اللاذع الذي وقعه عبد القادر التازي في “عمل الشعب”. ففي ذلك المقال يرسم التازي صورة قاتمة للكلية الإسلامية، متحدثاً عن مؤامرات وسوء معاملة وعدم كفاءة بل وحتى عن سلوكيات مشبوهة، فضلاً عن تدخل السياسة في شؤون التعليم. كما انتقد مدير الكلية، وهو ضابط في شؤون الأهالي وأستاذ جامعي أقام طويلاً في السنغال واستقدم منها أساليب خاصة في التربية، منها ضرب التلاميذ وحبسهم لأخطاء بسيطة.كما أشار إلى أن تعليم العربية في الكلية ضعيف للغاية، لعدم وجود هيئة منظمة لأساتذتها، إذ يتم التوظيف عشوائياً، كما تُرفض الاستعانة بأساتذة من المشرق ممن يمتلكون خبرة في طرائق التربية الحديثة. وانتقد أيضاً أستاذاً فرنسياً يكثر من الأحاديث العامة مع تلاميذه أكثر مما يقدم لهم دروساً حقيقية.وختم التازي نقده قائلاً إن نتائج الامتحانات تكشف بوضوح ضعف مستوى التلاميذ، ولا سيما في اللغة العربية. وأضاف: “نحن نتمسك بالثقافة العربية الإسلامية، ولكن إذا كنا عاجزين عن تقديمها لأبنائنا على نحو لائق، فلا داعي لإضاعة وقتهم بتعليم مشوَّه لها. ونفضّل أن يتلقوا ثقافة فرنسية إلى أن يصبح من الممكن توفير تعليم عربي حقيقي في المغرب”، واقترح التازي إنشاءبكالوريا مغربيةتعترف بها الجامعات الفرنسية والأجنبية، على أن تُستمد برامجها من برامج الثانويات الفرنسية، مع تخصيص وقت كاف لتعليم العربية. كما اقترح أن تُدرَّس المواد العامة – كاللغة الفرنسية والتاريخ والجغرافيا والعلوم والرياضيات والتربية البدنية – للتلاميذ المغاربة والفرنسيين في فصول مشتركة، بينما يتلقى المغاربة دروس العربية على حدة.بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك، فدعا إلى إنشاء كليات جديدة في كبريات المدن المغربية مثل مراكش ومكناس ووجدة وطنجة والدار البيضاء، كما طالب بالسماح لأبناء المسلمين الذين يرغب آباؤهم في تعليم فرنسي صرف بالالتحاق بالثانويات الفرنسية، وهو مطلب لم تكن سلطة الحماية مستعدة لقبوله دون تحفظ.

لم يكن إدماج الأطفال المسلمين في الوسط التعليمي الأوروبي ضمن الخيارات التي اعتمدتها مصلحة التعليم الثانوي والابتدائي والمهني للمسلمين؛ إذ لم يكن مطروحاً أن يُسمح لتلاميذ الكليات الإسلامية بالسير في طريق البكالوريا، لأن ذلك قد يقودهم إلى متابعة الدراسات العليا في فرنسا، ثم إلى منافسة كبار الموظفين والأطر الفرنسية في إدارة الحماية.وقد ذكّرت عدة دوريات صادرة عن المديرية العامة للتعليم العمومي بين سنتي 1927 و1933 رؤساء المؤسسات التعليمية بأن الأقسام الابتدائية في الثانويات الفرنسية تبقى، من حيث المبدأ، مغلقة في وجه الأطفال الأهالي، أي المغاربة المسلمين واليهود المغاربة. وكان مدير مصلحة التعليم يحتفظ بحق منح تراخيص استثنائية عند الضرورة، معتبراً أن توسيع هذا الاستثناء قد يؤدي إلى زعزعة التنظيم التربوي القائم، في حين أن المطلوب هو تحسينه تدريجياً وببطء (أكتوبر 1929).غير أن مذكرة صادرة عن مديرية التعليم العمومي بتاريخ 16 ماي 1930، وموقَّعة من طرفج. غوتلان، أقرت إنشاء قسم خاص في الكليات الإسلامية لإعداد التلاميذ لاجتياز البكالوريا الفرنسية. وأوضحت المذكرة أن هذا القسم سيقتصر على التلاميذ المنتقين بعناية. كما سيسمح للتلاميذ المسلمين بالالتحاق بالثانويات الفرنسية في المغرب وفق الشروط نفسها المفروضة على الطلبة الأوروبيين من حيث السن والكفاءة الدراسية وحسن السلوك.وبررت مديرية التعليم هذا القرار بقولها إن “ضعف إعداد التلاميذ الأهالي، والصعوبات التي كانوا يواجهونها في التكيف مع تقاليدنا المدرسية، كانا يجعلان من الممكن قبول عدد محدود جداً من المسلمين أو اليهود في الثانويات والكليات، وعلى سبيل الاستثناء فقط. غير أن الوضع قد تغير؛ فقد حصل بعض الأهالي على شهادة البكالوريا، مما برهن على قدرتهم على متابعة التعليم الثانوي الفرنسي، وأصبح آخرون يسعون إلى الاقتداء بهم”. ومن ثم أصبح من الضروري وضع قواعد واضحة لقبولهم في المؤسسات التعليمية الفرنسية.

عملياً، كان هذا القبول مشروطاً بامتلاك المرشحين المؤهلات العلمية المطلوبة للصف الذي يسمح لهم سنهم بالالتحاق به. ولذلك كان عليهم اجتياز امتحان للقبول، إضافة إلى امتحانات الانتقال بين المستويات، شأنهم في ذلك شأن الطلبة الأوروبيين. كما أُخذت بعين الاعتبار شروط النظافة والصحة والسلوك في القرار النهائي الذي يتخذه مدير المؤسسة.ومنحت الإدارة استثناءً مؤقتاً فيما يتعلق بسنّ التلاميذ المسلمين، مراعاة لرغبة كثير من الآباء في أن يتلقى أبناؤهم تعليماً دينياً منذ الصغر، وهو تعليم يتم بالعربية ويؤخر عادة اكتساب اللغة الفرنسية. ولذلك إذا كان الهدف أن يبلغ التلميذ المسلم البكالوريا في سن لا يتجاوز العشرين، فإن أقصى سنّ للالتحاق بالسنة السادسة كان محدداً في ثلاثة عشر عاماً.ومع ذلك كانت الإدارة تخشى أن يؤدي قبول عدد كبير من التلاميذ الأهالي في الثانويات إلى نتائج غير مرغوب فيها، سواء بالنسبة للمؤسسات التعليمية أو للتلاميذ أنفسهم. فقد يُخشى، حسب رأيها، أن “يفقد هؤلاء في الثانوية ثقافتهم الأخلاقية الأصلية دون أن يكتسبوا ثقافة بديلة، كما أنهم إذا وجدوا أنفسهم في جماعة كبيرة من زملائهم المنحدرين من الأصل نفسه فلن يستفيدوا من الاحتكاك الدائم بالعناصر الفرنسية”.

ولتفادي هذه الصعوبات قرر المقيم العام تنظيم الإعداد للبكالوريا داخل الكليات الإسلامية في أقسام خاصة. وكان الهدف من هذا الإجراء إرضاء رغبة بعض الأسر المسلمة في تمكين أبنائها من متابعة الدراسة الحديثة مع الحفاظ على تقاليدهم. كما يسمح هذا النظام للتلاميذ الذين قد لا ينجحون في الدراسة الفرنسية بالانتقال دون ضرر إلى القسم العام في الكلية الإسلامية ومتابعة دراسة تتناسب مع قدراتهم الفكرية.ومع أن مديرية التعليم العمومي اضطرت، تحت ضغط التلاميذ وقدماء تلاميذ الكليات الإسلامية، إلى فتح باب البكالوريا أمام الشباب المغاربة ولو جزئياً، فإنها وضعت عدة قيود تحول دون اتساع هذا الباب. فقد كان على مديري المؤسسات أن يوضحوا للآباء المسلمين ما يلي:

  • أن التعليم الثانوي يتطلب دراسة طويلة وشاقة قد لا يكون أبناؤهم مهيئين لها مثل الطلبة الأوروبيين.
  • أن أبناءهم لن يتلقوا في الثانوية أي ثقافة تقليدية.
  • أن شهادة البكالوريا لا تمنح سوى إمكانية متابعة دراسات عليا طويلة ومكلفة.
  • وأن هذه الشهادة لا تمنح حقاً تلقائياً في الحصول على وظيفة.

وفي المقابل كان عليهم إبراز مزايا الأقسام الخاصة في الكليات الإسلامية، واقتراح تجربة هذه الأقسام أولاً، مع إمكانية انتقال التلاميذ الناجحين لاحقاً إلى الثانويات الفرنسية.وفي 5 أكتوبر 1933 بعث المدير العام للتعليم العموميلالاندرسالة إلى مدير ثانوية فاس يؤكد فيها أنه، نظراً للوضع الخاص للمدينة، فإن كل طلب تسجيل لتلميذ مسلم يجب أن يخضع لدراسة وتحقيق خاصين، وأن القبول لا يتم إلا بقرار شخصي منه بعد تلقي تقرير مفصل عن التلميذ.وقد عُثر على مراسلات بين مصلحة التعليم وثانوية فاس وضابط مغربي متخرج من المدرسة العسكرية بدار البيضاء، حاصل على وسام جوقة الشرف ووسام الحرب، يخدم في صفوف فرسان السبايس. كان هذا الضابط يرغب في تسجيل ابن أخيه في الثانوية الفرنسية، معتبراً أن مسألة التربية الدينية شأن عائلي.وفي مذكرة بتاريخ 17 أكتوبر 1933 كتبلويس برونو، رئيس مصلحة التعليم للمسلمين، تعليقاً على الطلب قائلاً إن قبول ابن أخ هذا الضابط قد يكون “درساً جيداً للمشاغبين”، إذ يمكن إعلان أن ابن ضابط خدم بلده وفرنسا يُقبل في الثانوية، في حين يُرفض ابن التازي الذي اعتبرته الإدارة معادياً لفرنسا. وفي 25 أكتوبر 1933 تقرر بالفعل قبول التلميذ في ثانوية فاس تقديراً لخدمات عمه العسكرية.وتبرز هذه الواقعة أن مبدأ الفصل بين الفئات المدرسية لم يكن قائماً فقط على اعتبارات تربوية أو ثقافية، بل كانت وراءه أيضاً حسابات سياسية واضحة.ومع مرور الوقت، وتحت ضغط أسر الأعيان، اضطرت سلطات الحماية إلى توسيع باب البكالوريا أمام المسلمين، خشية أن يسافر الطلبة إلى باريس أو القاهرة أو فلسطين، حيث قد يتأثرون بالأفكار المناهضة للاستعمار أو يتصلون بالحركات القومية العربية. وكان من الأسهل مراقبة تطورهم داخل المغرب.

وقد أُنشئ بالفعل منذ سنة 1930 قسم خاص في الكليات الإسلامية لإعداد التلاميذ للبكالوريا، حيث يقضي التلميذ ست سنوات في الكلية قبل أن ينتقل إلى الثانوية الفرنسية في السنة النهائية.ومع مرور الوقت أخذ هذا القسم الجديد يتوسع على حساب القسم التقليدي، حتى إن إدارة ثانوية مولاي إدريس ألغت سنة 1936 الدروس المهنية التي كانت تهدف إلى ثني التلاميذ عن التوجه نحو المهن الحرة التي تتطلب البكالوريا. وانخفضت نسبة طلبة القسم التقليدي من نحو ثلث طلبة الكلية سنة 1930 إلى نحو 7٪ فقط سنة 1938.وفي أكتوبر 1937 افتُتح كرسي الفلسفة في الثانوية المختلطة بفاس، حيث كان طلبة ثانوية مولاي إدريس يحضرون دروس الفلسفة إلى جانب طلبة الثانوية، رغم أنهم لم يكونوا مسجلين رسمياً فيها. ومع ذلك ظل عدد الطلبة المسلمين في هذه الثانوية محدوداً؛ ففي سنة 1940 لم يتجاوز عددهم 22 طالباً من أصل أكثر من 600 طالب.بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت الظروف. ففي مارس 1944 أطلقت مديرية التعليم العمومي خطة عشرية واسعة لتعليم المغاربة المسلمين، تضمنت تسجيل مائة ألف تلميذ خلال عشر سنوات، وفتح المؤسسات الفرنسية أمام الطلبة المغاربة، وتنظيم امتحان البكالوريا الفرنسية داخل الكليات الإسلامية التي بلغ عددها آنذاك خمس مؤسسات.كما أنشئت أقسام نهائية تؤهل للبكالوريا، وتحولت الكليات الإسلامية تدريجياً إلى ثانويات حقيقية،مع إدخال برامج تعليمية تكاد تكون مماثلة لبرامج الثانويات الفرنسية، وهو ما شكّل عملياً تخلياً عن نظام “الثقافتين”.وفي أواخر الأربعينيات صدرت قرارات جديدة أعادت تنظيم امتحان البكالوريا، منها الاعتراف بالعربية الدارجة لغةً حية يمكن اختيارها في الامتحان، والسماح للطلبة المقيمين في الخارج أو في المستعمرات بإجراء اختبار في لغتهم الأم، وهو ما شمل العربية في المغرب. ومع هذا الإصلاح أُلغي دبلوم الدراسات الثانوية الإسلامية لأنه لم يكن يسمح بمتابعة التعليم العالي.

يمكن القول إن نظام التعليم في الكليات الإسلامية ظل في تحول دائم استجابة لمطالب جيل من الشباب المغربي لم يعد يقبل بوجود نظامين تعليميين منفصلين: أحدهما للأهالي والآخر للأوروبيين. فقد طالب التلاميذ وقدماء التلاميذ بالمساواة في الحقوق التعليمية مع الفرنسيين. غير أن هذه التحولات جرت في سياق صراع فكري وسياسي؛ ففي الوقت الذي اتجهت فيه سلطات الحماية نحو فرنسة التعليم بالكامل، كان الوطنيون المغاربة يدعون إلى تعليم معرَّب يستند إلى الإسلام واللغة العربية والولاء للعرش. ومع ذلك ظل تلاميذ كلية مولاي إدريس يستفيدون من النظام التعليمي القائم ويستثمرونه في تكوين نخبة مغربية جديدة. وقد انخرط عدد من قدماء تلاميذ الكليات الإسلامية منذ وقت مبكر في الحركة الوطنية، وأسهموا بدور مهم في تنظيمها وتوجيهها، حتى إن قسماً كبيراً من نخب المغرب بعد الاستقلال كان من خريجي كلية مولاي إدريس.

بهذه الصورة، يمكن للباحثين والمهتمين بتاريخ التعليم في فاس الاطلاع على مرحلة تأسيسية للمدرسة، حيث تتجسد فيها معالم العمارة التقليدية للقصور المغربية، مع تداخل الوظائف التعليمية والسياسية والاجتماعية التي ميزت المدينة في تلك الفترة الانتقالية بين السلطنة والحماية الفرنسية. وبذلك تكشف هذه التجربة التعليمية عن تردد واضح في سياسة الحماية بين هدفين متناقضين، الحفاظ على الهوية التقليدية للمجتمع المغربي من جهة، وإعداد نخبة مغربية مرتبطة ثقافيًا بالإدارة الفرنسية وقادرة على خدمتها من جهة أخرى. بهذه الصورة، يمكن للباحثين والمهتمين بتاريخ التعليم في فاس الاطلاع على مرحلة تأسيسية للمدرسة، حيث تتجسد فيها معالم العمارة التقليدية للقصور المغربية، مع تداخل الوظائف التعليمية والسياسية والاجتماعية التي ميزت المدينة في تلك الفترة الانتقالية بين السلطنة والحماية الفرنسية.

الهوامش:

المديرية العامة للتعليم العمومي والفنون الجميلة والآثار:
تاريخ التعليم (1912–1930). مدرسة الكتاب، 1931.

غودفروى-ديمومبين، ر.
العمل الفرنسي في ميدان التعليم بالمغرب. المكتبة الاستشراقية لبول غوتنر، 1928.

مِرّوني، مكي:
«الكلية الإسلامية بفاس: رائدة الكليات في المغرب». مجلة زمان، العدد 44، يوليوز 2014.

فيرميرين، بيير:
تكوين النخب المغربية والتونسية. دار النشر لا ديكوفرت، 2002.
الصحافة المغربية الناطقة بالفرنسية من البدايات إلى سنة 1956. سلسلة الرسائل والأطروحات، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1996.

سعيد العفاسي/ صحافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى