الانهزامية الهوياتية: حين يصبح الآخر مرآتنا الوحيدة

تُعدّ الانهزامية الهوياتية من أخطر الأزمات التي تعاني منها المجتمعات في مراحل التحول الحضاري والثقافي، وهي حالة نفسية وثقافية تتجلى في شعور جماعي بالدونية تجاه الذات الحضارية، يقابله تعظيم مبالغ فيه لإنجازات الآخر، ولا تقف هذه الظاهرة عند حدود الإعجاب المشروع بثقافات الأمم ومنجزاتها، وإنما تتجاوز ذلك إلى تحقير الذات ورفض إنتاجها الفكري والأدبي والعلمي، وصولًا إلى عزوف الأفراد عن قراءة ما ينتجه أبناء مجتمعهم، مقابل الانبهار شبه المطلق بما ينتجه الآخر، هذه الظاهرة تثير تساؤلات عميقة حول أسبابها وتجلياتها وتأثيراتها على الوعي الجمعي، فضلًا عن سبل تجاوزها. فالانهزامية الهوياتية ليست مجرد موقف نقدي من الذات، فالنقد الذاتي عنصر ضروري لأي نهضة فكرية أو ثقافية، لكنها تتحول إلى حالة مرضية عندما تفقد الذات ثقتها بإمكاناتها التاريخية والحضارية، فتتبنى رؤية ترى فيها أن الآخر هو المصدر الوحيد للمعرفة والجمال والتقدم. في هذه الحالة، يتحول الانفتاح الثقافي إلى تبعية معرفية، ويتحول الإعجاب إلى اغتراب عن الذات.

وترتبط هذه الظاهرة غالبًا بتاريخ طويل من التحولات السياسية والاستعمارية والاقتصادية التي تفرض على المجتمعات نماذج ثقافية مهيمنة، فتتشكل لدى الأفراد قناعة ضمنية بأن الإبداع لا يكتسب قيمته إلا إذا كان صادرًا عن الآخر أو مصادقًا عليه من قبله، ويحق لنا أن نطلق سؤال عميقا بحجم الإشكالية، لماذا لا نقرأ لبعضنا البعض؟، يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال مجموعة من العوامل المتشابكة، التي تتداخل فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية، حيث يعاني كثير من القراء من تصور مسبق بأن الإنتاج المحلي أقل جودة أو أقل حداثة من الإنتاج القادم من الخارج، هذا التصور لا يستند دائمًا إلى تقييم موضوعي، بقدر ما يتغذى من تراكمات تاريخية وإعلامية ترسّخ فكرة تفوق الآخر. ومع مرور الوقت، يصبح هذا الاعتقاد جزءا من الوعي الجمعي، فيتجه القارئ إلى النص الأجنبي بحثًا عن الجودة المفترضة، حتى قبل الاطلاع على النصوص المحلية. تلعب المؤسسات النقدية دورًا أساسيًا في توجيه الذائقة الثقافية، لكن في كثير من المجتمعات تعاني هذه المؤسسات من ضعف أو تسييس أو تحيزات شخصية، مما يفقد القارئ الثقة في التقييم المحلي، وعندما تغيب المرجعيات النقدية المهنية، يصبح القارئ أسير الدعاية الإعلامية أو السمعة العالمية، فيميل إلى القراءة لما يحظى بالانتشار العالمي.

ساهمت العولمة الثقافية في انتشار الإنتاج الثقافي العالمي بشكل واسع، مدعومًا بوسائل إعلام قوية ودور نشر ضخمة، هذا الحضور الكثيف يجعل الإنتاج المحلي يبدو محدود الانتشار، فيتجه القارئ إلى ما يراه أكثر حضورًا وتأثيرًا. ومع الزمن، يتحول الانتشار إلى معيار للجودة، رغم أن القيمة الفنية أو الفكرية لا تقاس بالانتشار وحده. بينما يعاني بعض القرّاء من ضعف في الارتباط بالبيئة الثقافية المحلية، نتيجة تغيّر أنماط التعليم والإعلام، حيث تتراجع دراسة التراث المحلي والآداب الوطنية لصالح نماذج معرفية مستوردة. وهذا يؤدي إلى فقدان القدرة على التفاعل مع النصوص المحلية التي تستند إلى سياقات ثقافية وتاريخية قد تبدو بعيدة عن وعي القارئ المعاصر.

لماذا نحقر منجزاتنا ونمجّد منجز الآخر؟، لقد ترك الاستعمار آثارًا عميقة في البنية النفسية للمجتمعات، حيث لم يكن مشروعه سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيا فقط، وإنما سعى إلى ترسيخ فكرة التفوق الحضاري للمستعمِر. هذه الفكرة استمرت حتى بعد زوال الاستعمار، فبقيت المجتمعات تنظر إلى ذاتها من خلال معايير الآخر، مما أدى إلى شعور دائم بالنقص الحضاري. في كثير من الأحيان، لا يُحتفى بالإنجاز المحلي إلا إذا حصل على اعتراف خارجي، هذه الظاهرة تعكس أزمة في تقدير الذات الجماعية، حيث يصبح الاعتراف الدولي بمثابة شهادة جودة، بينما يُنظر إلى التقدير المحلي بوصفه مجاملة أو تحيزًا. تسهم وسائل الإعلام الحديثة (منصات التواصل الاجتماعي) في تعزيز ثقافة الاستهلاك السريع، حيث يميل الأفراد إلى متابعة ما هو رائج عالميًا بدل البحث عن الإنتاج المحلي الذي قد يحتاج إلى جهد في الاكتشاف والتفاعل. ومع تكرار هذا السلوك، تتراجع مكانة الإنتاج المحلي في الوعي الجمعي. بينما تميل بعض الخطابات الثقافية إلى التركيز على إخفاقات المجتمع بشكل مبالغ فيه، تحت شعار النقد الذاتي، ومع غياب التوازن بين النقد والاعتزاز بالمنجزات، يتحول النقد إلى جلد للذات، ويترسخ شعور عام بأن كل ما ينتجه المجتمع فاقد للقيمة.

ما هي آثار الانهزامية الهوياتية؟، تُخلّف الانهزامية الهوياتية آثارًا عميقة تتجاوز حدود الشعور النفسي إلى بنية الثقافة والمجتمع معًا، إذ تتحول من موقف ذهني عابر إلى منظومة قيم تُعيد ترتيب الأولويات وتُعيد تعريف معايير الجودة والنجاح. وأولى هذه الآثار تتجلى في إضعاف الحافز الإبداعي لدى المثقف والمبدع. فعندما يشعر الكاتب أو الفنان أو الباحث بأن مجتمعه لا يثق بنتاجه ولا يمنحه التقدير المستحق، تتزعزع ثقته بجدوى ما يصنع، ويتسلل إليه إحساس بالعزلة أو العبث. وفي ظل هذا المناخ، قد ينكفئ عن الإنتاج، أو يتجه إلى محاكاة النماذج الخارجية طلبًا للاعتراف، ولو كان ذلك على حساب خصوصيته الثقافية وصوته المتفرد. وهكذا يُستبدل الإبداع الأصيل بالتقليد، وتُستبدل الجرأة في التعبير بالحرص على التشبه، فتخسر الثقافة أحد أهم شروط ازدهارها، التنوع. كما تؤدي الانهزامية الهوياتية إلى اختلال دقيق في معادلة الانفتاح والخصوصية، فالانفتاح على تجارب العالم ضرورة حضارية لا غنى عنها، غير أن فقدان الثقة بالذات يحوّله من تفاعلٍ متكافئ إلى تبعية غير واعية. ومع استمرار هذا الخلل، تتشكل هوية ثقافية هجينة تنبع من استهلاك غير نقدي لنماذج مستوردة، تصبح المرجعيات الفكرية والجمالية مستعارة بالكامل، وتفقد الثقافة قدرتها على إنتاج معرفة متجذرة في سياقها التاريخي والاجتماعي. وبدل أن تُسهم في إثراء الحضارة الإنسانية من موقعها الخاص، تتحول إلى صدى لخطابات الآخرين، تُعيد إنتاجها دون مساءلة أو إضافة. ومن أخطر ما تخلّفه هذه الظاهرة أيضًا تراجع القراءة المتبادلة داخل المجتمع الواحد. فالقراءة بقدر ما هي فعل فردي، هي ممارسة اجتماعية تُسهم في بناء وعي مشترك وصياغة أفق ثقافي جامع. وعندما يعزف الأفراد عن قراءة نتاج بعضهم البعض، يضعف الحوار الداخلي وتتآكل جسور التواصل بين التيارات الفكرية والفنية. في هذه الحالة، يتفكك المشهد الثقافي إلى جزر معزولة، ويغيب النقاش الحيوي الذي يُنضج الأفكار ويُصحح المسارات. ومع غياب هذا الحوار، يتراجع دور الثقافة في تشكيل الوعي الجماعي، ويخسر المجتمع إحدى أهم أدواته في نقد ذاته وتطوير رؤاه. كما تمتد آثار الانهزامية الهوياتية إلى المجال الاجتماعي الأوسع، حيث تُرسّخ شعورًا عامًا بالدونية الحضارية. وعندما يصبح الاعتراف الخارجي هو المعيار الوحيد للقيمة، تتراجع ثقة المجتمع بذاته، وتضعف قدرته على المبادرة والمساهمة. ويتحول الطموح إلى بحث دائم عن تصديق الآخر، بدل أن يكون تعبيرًا عن مشروع ذاتي مستقل. إن خطورة الانهزامية الهوياتية تكمن في كونها أزمة صامتة، تتسلل إلى الوعي دون ضجيج، لكنها تعيد تشكيله ببطء، فهي تدمّر الثقافة بضربة واحدة، ثم تُفرغها تدريجيًا من روحها، حتى تغدو قادرة على الاستهلاك أكثر من قدرتها على الإبداع. ومن ثمّ، فإن مواجهة هذه الظاهرة ليست ترفًا فكريا، ولكنها ضرورة حضارية لحماية الهوية الثقافية وضمان استمرارية الإبداع في سياقه الأصيل والمتجدد.

لكن كيف يمكن تجاوز هذه الظاهرة؟ إنّ تجاوز الانهزامية الهوياتية لا يتحقق بشعارات عاطفية أو ردود فعل آنية، وإنما يتطلب مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يعيد للذات ثقتها دون أن يعزلها عن العالم، فالمسألة ليست صراعًا بين الانغلاق والانفتاح، بقدر ما هي بحث عن توازن واعٍ يضمن للهوية أن تتفاعل مع الآخر من موقع الندّية لا التبعية. أولى خطوات هذا المسار تكمن في إعادة الاعتبار للمنجز الثقافي المحلي، عبر إبراز نجاحاته وتجلياته التاريخية والمعاصرة في آن واحد. غير أن هذا الإبراز ينبغي أن يتحرر من الخطاب الدعائي المبالغ فيه الذي يُحوّل الاعتزاز إلى تمجيد أجوف، فالثقة الحقيقية تُبنى على استدعاء الماضي والنهل من نجاحاته، ثم على رعاية الحاضر واستثمار طاقاته الإبداعية، إن الاحتفاء بالموروث الحضاري مهم، لكنه يظل ناقصًا إن لم يُقترن بدعم جاد للمبدعين المعاصرين، وتوفير بيئة حاضنة لأفكارهم وتجاربهم. فالإبداع الحيّ هو البرهان الأقوى على حيوية الهوية واستمراريتها. وفي هذا السياق، يبرز الدور الحاسم لحركة نقدية مهنية ومستقلة، قادرة على تقييم الإنتاج الثقافي بمعايير علمية وجمالية واضحة، بعيدًا عن المجاملات أو الاصطفافات الشخصية. فالنقد الموضوعي البناء آلية تصحيح وتوجيه تُسهم في ترسيخ ثقافة الجودة، وعندما يثق القارئ بموضوعية الخطاب النقدي، يكتسب أدوات تمكّنه من قراءة الإنتاج المحلي بعين فاحصة، لا بعين الشك المسبق أو الإعجاب غير المشروط. إن بناء مشهد نقدي نزيه يعيد ترتيب العلاقة بين المبدع والمتلقي، ويمنح الثقافة المحلية شرعية تستند إلى القيمة لا إلى الانتماء وحده. ولا يمكن إغفال الدور المركزي للتعليم في تشكيل الوعي الثقافي، فالمناهج الدراسية بالإضافة إلى أنها وسيلة لنقل المعرفة، يجب أن تكون إطارا لتكوين الذائقة وتعريف الأجيال بهويتهم الفكرية والأدبية. ومن ثمّ، فإن إدماج نصوص وأعمال من الإنتاج المحلي ضمن البرامج التعليمية يُسهم في ترسيخ شعور بالانتماء الثقافي، دون أن يتعارض ذلك مع الانفتاح على الآداب والفنون العالمية. إن المطلوب ليس إقامة حدود فاصلة بين المحلي والعالمي، ولكن صياغة رؤية تعليمية تُظهر التفاعل الخلاق بينهما، بحيث يتعلم الطالب أن يقرأ ذاته في سياق العالم، ويقرأ العالم من موقع ذاته.

كما يشكّل دعم حركة النشر ركيزة أساسية في هذا المسار. فالإنتاج الثقافي، مهما بلغت قيمته، يظل محدود الأثر إن لم يجد قنوات فعّالة للتوزيع والترويج. إن تعزيز دور النشر المحلية، وتوفير آليات تمويل مستدامة، يسهمان في توسيع دائرة حضور الكتاب والأعمال الفنية داخل المجتمع، وفي المقابل، فإن ترجمة الأعمال المحلية إلى لغات أخرى تمنحها فرصة العبور إلى فضاءات أوسع، وهو ما ينعكس إيجابًا على تقديرها في بيئتها الأصلية، فكثيرًا ما يُعاد اكتشاف القيمة المحلية حين تحظى بتقدير عالمي، الأمر الذي يعزز الثقة ويكسر حلقة الارتهان للاعتراف الخارجي. وتظل الفعاليات الثقافية، من ندوات ومعارض وأمسيات، فضاءات حيوية لإحياء الحوار الداخلي. إن لقاء المبدعين بالقرّاء في سياقات تفاعلية يرسّخ جسور الثقة، ويعيد للثقافة دورها كمساحة مشتركة للنقاش والتأمل، فالحوار المباشر يُبدد الصور النمطية، ويحوّل الإنتاج الثقافي من نصوص معزولة إلى تجربة جماعية نابضة بالحياة. إن تجاوز الانهزامية الهوياتية ليس مهمة آنية، ولكنها مسار طويل يتطلب وعيا نقديا وإرادة مؤسسية ومجتمعية. وحين تتكامل هذه الجهود، تستعيد الهوية توازنها، فتغدو قادرة على الانفتاح بثقة، والإبداع بحرية، والمشاركة في الحضارة الإنسانية من موقع الفاعل لا التابع.

إن الانهزامية الهوياتية هي حالة يمكن تجاوزها عبر بناء وعي ثقافي متوازن يجمع بين الانفتاح على الآخر والاعتزاز بالذات، فالحضارات لا تتقدم بالانغلاق ولا بالتبعية، بل بالحوار الخلاق بين الثقافات. وعندما يقرأ المجتمع لنفسه بقدر ما يقرأ للآخر، فإنه يعزز ثقته بذاته، ويساهم في إثراء المشهد الثقافي العالمي بتجربته الخاصة من خلال مشاركتها مع المجتمع وداخله، لتصبح استعادة الثقة بالمنجز المحلي أكثر من مسألة ثقافية، وإنما خطوة أساسية نحو بناء مجتمع قادر على الإبداع والمشاركة الفاعلة في الحضارة الإنسانية.

سعيد العفاسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى