عندما تتغلب الطنجرة على المحبرة يحرف اسم السفارين إلى الصفارين بفاس


يبدو لي أن تسمية ساحة “الصفّارين” بمدينة فاس لا تخلو من تحريف تاريخي، وأن الأصل الأرجح هو “ساحة السفّارين” نسبةً إلى مهنة تسفير الكتب وتجليدها، لا إلى صناعة النحاس. وهذا الرأي لا يقوم على مجرّد افتراض لغوي، بل تسنده جملة من المعطيات العمرانية والتاريخية والوظيفية المرتبطة بالمجال الذي تنتصب فيه الساحة، وبالدور العلمي والحضاري الذي اضطلعت به عبر قرون. تقع الساحة في قلب النسيج العلمي العريق المحيط بجامع جامع القرويين، ذلك المعلم الذي شكّل عبر التاريخ قبلةً للعلماء والطلبة من مختلف جهات المغرب والعالم الإسلامي. ومن الثابت أن المجال المحيط بالمؤسسات العلمية الكبرى يتشكّل عادةً وفق حاجاتها الوظيفية؛ فحيث يوجد الطلبة والعلماء، تنشأ الصناعات والخدمات المرتبطة بالكتاب، نسخًا، وتجليدًا، وبيعًا، وتوثيقًا. ومن هنا تغدو تسمية “السفّارين” أكثر اتساقًا مع طبيعة الفضاء ووظيفته التاريخية.

أجمع المؤرّخون على أنّ تقنية الطباعة بالحروف المتحرّكة، التي أحدثت ثورة معرفية في أوروبا منذ القرن الخامس عشر على يد يوهانس غوتنبرغ، لم تصل إلى المغرب إلا في مرحلة متأخرة نسبيًا. غير أنّ هذا التأخر في اعتماد آلة الطباعة لا يعني أنّ المجال الثقافي المغربي كان بمعزل عن تحوّلات المادة الكتابية وأدواتها؛ إذ إن استعمال الورق وصناعته محليًا سبق ذلك بقرون، وأسّس لبيئة علمية خصبة ازدهرت فيها حركة التأليف والنسخ والتداول المعرفي. في هذا السياق، يبرز عمل المؤرّخ محمد المنوني حول تاريخ الوراقة بالمغرب بوصفه مرجعًا أساسيًا لفهم تطوّر صناعة “الكاغيد”(الورق). فقد أشار إلى أنّ المغرب عرف صناعة الورق منذ العصر المرابطي، أي خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، وهو ما يدلّ على اندماجه المبكر في الشبكات الحضارية التي نقلت تقنية صناعة الورق من المشرق الإسلامي إلى الغرب الإسلامي. ولم يكن الورق مجرّد مادة بديلة عن الرق، بل تحوّل تدريجيًا إلى ركيزة أساسية في إنتاج المعرفة، نظرًا لما يتيحه من سهولة في التصنيع وانخفاض نسبي في الكلفة وإمكانية أوسع في التداول. وتكشف المعطيات التاريخية أنّ مدينة فاس شكّلت في تلك الحقبة مركزًا حيويًا لصناعة الورق، حيث وُجد بها ما يقارب 104 ورشات متخصصة في إنتاجه. ويعكس هذا الرقم كثافة النشاط الحِرفي المرتبط بالكتاب، كما يدلّ على اتساع دائرة الطلب على الورق في مجالات الفقه والحديث واللغة والعلوم المختلفة. لقد أصبح الورق وسيطًا ثقافيًا أساسيًا، تعايش لفترة مع الرق، قبل أن يتفوّق عليه من حيث الاستعمال والانتشار. ولم تقتصر مكانة فاس على كونها فضاءً للإنتاج المادي للورق، وإنما تحوّلت إلى قطب رئيسي للوراقة والنسخ، حيث برز ورّاقون محترفون أسهموا في حفظ التراث العلمي وتداوله. ومن بين هؤلاء عبد الملك اللخمي الشاطبي وعياض بن موسى اليحصبي السبتي، اللذان يمثّلان نموذجًا للعالم الناسخ الذي جمع بين المعرفة والصنعة. وهكذا يتبيّن أنّ تاريخ الكتاب بالمغرب تأسّس منذ وقت مبكر على صناعة ورقية متقدّمة دعمت إشعاعه العلمي والحضاري، وكانت ساحة السفارين الحاضنة الأساس لهذا الورش المفتوح.

تحيط بالساحة مجموعة من المدارس العتيقة التي خُصّصت لإيواء طلبة جامع القرويين، من قبيل مدرسة الحلفاويين بنيت عام 1276 ميلادية، ومدرسة العطارين بنيت ما بين 1323 و1325 ميلادية، المدرسة المصباحية بنيت عام 1344 ميلادية، ومدرسة اللبادين بحي القطانين والتي يجهل تاريخ بناؤها، غير أن الرواية الشفهية تحكي أن المدرسة انتشر فيها اللواط فتم إغلاقها إلى أن أصبحت خربة متداعية، وفي مكانها بني البنك المخزني المغربي والذي تحول اليوم إلى متحف للنقود والمسكوكات، عام مدرسة رأس الشراطين 1670 ميلادية. إن هذا الطوق من المدارس لا يمكن فهمه خارج سياق الحركة العلمية الكثيفة التي كانت تعرفها المنطقة، وهو ما يستدعي وجود شبكة مهنية متكاملة لخدمة الكتاب وطلابه. كما أن الساحة تنتصب قبالة خزانة القرويين، وهي من أعرق خزائن المخطوطات في العالم الإسلامي، مما يعزّز فرضية ارتباطها بمهن النسخ والتجليد. فحيث توجد الخزانة والمخطوط، توجد ضرورة الصيانة والتسفير والإصلاح. وليس من المنطقي، من منظور تاريخي-وظيفي، أن تُنسب الساحة إلى مهنة النحاس بينما كل محيطها يؤكد صلتها بعالم الكتاب. ويزيد هذا الترجيح قوةً قرب الساحة من حي السبطريين (كلمة السبطريين تحريف لكلمة الحذاء بالإسبانية) الذي عُرف ببيع الكاغد ولوازم الكتابة والكتب، ومن حي سماط العدول، حيث كان العدول الموثقون يتولّون تحرير عقود البيع والشراء والزواج وسائر المعاملات. إن وجود العدول في الجوار يعني حركة توثيق كثيفة، وهي بدورها تحتاج إلى كتبة ونسّاخ وورّاقين. كما أن قرب الساحة من فندق الرقاصة (سعاة البريد) عرف باسم فندق الأكباش، واليوم للأسف أطلقوا عليه ظلما وبهتانا اسم جنان القفطان) بحي بين المدن، هذا الفندق كان مخصصا لإيواء سعاة البريد ومركزا لجب وأخذ الرسائل وتويعها مشيا على الأقدام من طرف الرقاصة، وهو محل يدل على ارتباطه بشبكة تداول الرسائل والوثائق.

ولا يغيب عن هذا السياق موقع الساحة بين عدوتي الأندلس والقرويين، وما يجاورها من أحياء عريقة مثل درب سبع لويات ودرب بن حيون، التي سكنها علماء وفقهاء ووجهاء. إن هذا التمركز داخل الحقل الاجتماعي-العلمي للنخبة يعزّز الطابع الثقافي للساحة، ويجعل نسبتها إلى مهنة علمية-حرفية كالتسفير أكثر انسجامًا من نسبتها إلى صناعة معدنية، مهما كانت أهميتها. تشير الروايات المتداولة إلى أن الدكاكين القائمة بالساحة كانت تضم نسّاخًا متعددين في المحل الواحد، يتولّون نسخ الكتب والمخطوطات بحسب طلب الزبائن. وكانت عملية النسخ تقتضي مهارة لغوية وخطية عالية، يعقبها عمل السفّار الذي يجمع الأوراق ويجلّدها ويزيّنها. وهكذا تشكّلت منظومة إنتاج معرفي متكاملة، من بيع الورق إلى النسخ، فالتجليد، ثم التداول عبر الطلبة والعلماء.

كانت الساحة قريبة من سوق عريق لبيع الكتب المستعملة بحي السبطريين في فاس، وهو سوق ظل صامدًا إلى حدود نهاية تسعينيات القرن الماضي، محتفظًا بروحه العلمية وطقوسه الخاصة. كان هذا السوق يوجد في أحد مرافق جامع القرويين، الأمر الذي أضفى عليه قدسية وهيبة؛ إذ كان الداخل إليه يخلع حذاءه احترامًا لكونه متواجدًا داخل فضاء المسجد. هناك، بين أروقة العلم وعبق المخطوطات، كانت الكتب تُعرض وتُباع بنظام “الدلالة”، حيث يتنافس المشترون في مزاد تقليدي يضفي على العملية طابعًا احتفاليًا ومعرفيًا في آن واحد. وقد كان السوق قبلةً لكبار التجار والمهتمين بالكتب من مختلف المدن والبلدان، يقصدونه بحثًا عن النوادر والطبعات القديمة والمخطوطات القيمة. غير أن هذا المعلم الثقافي أُغلق للأسف، فانطفأ معه جزء من ذاكرة فاس العلمية، ولم يبقَ اليوم سوى بائع كتب وحيد يعرض ما تيسر عند الباب، شاهدًا صامتًا على زمن كانت فيه للكتاب سوقٌ عامرة وروّاد لا ينقطعون. كما كانت الساحة قريبة مندار الدبغ شوارةودار الدبغ سيدي موسى، وهما من أشهر المعامل التقليدية لدباغة الجلود فيفاس،في هذين الفضاءين كانت الجلود تُدبغ بطرق علمية تقليدية متوارثة، تقوم على مراحل دقيقة من التنظيف والنقع والصباغة والتجفيف، بما يضمن جودة عالية وصلابة تدوم طويلًا. ولم تكن هذه العملية مجرد حرفة يدوية تتوارثها الأجيال وإنما معرفة تقنية متراكمة أسهمت في دعم صناعات متعددة، من أبرزها صناعة المجلدات الخاصة بالمخطوطات والكتب، إضافة إلى اللباس التقليدي والأحذية ومختلف الحاجيات المرتبطة بالجلد. إن هذا القرب الجغرافي بين فضاء الدباغة وفضاء تسفير الكتب يعزز الترابط الوظيفي داخل النسيج الحرفي للمدينة، حيث تتكامل المهن وتتقاطع في خدمة المعرفة والعمران معًا.
أما “ساحة الصفّارين” المرتبطة بصناعة الطناجر الكبيرة من النحاس للطبخ، فكانت في ساحة رحبة الزبيب، قبل أن تتغير موازين المهن مع دخول آلات الطباعة إلى المغرب. فقد أدى انتشار الطباعة الحديثة إلى تراجع مهنة النسخ اليدوي وانكماش نشاط التسفير التقليدي، الأمر الذي دفع الحرفيين إلى البحث عن فضاءات أوسع وأكثر حيوية. ومع الزمن، انتقل بعض مهنيي النحاس إلى ساحة السفّارين، فغلب حضور الطنجرة على المحبرة، وغلب الصوت المعدني على همس الورق، وتكرّس في الوعي العام اسم “الصفّارين” بدل “السفّارين”.
إنّ هذا التحوّل الدلالي في تسمية الساحة لا يمكن قراءته باعتباره مجرّد تبدّل لغوي عابر، ولكن هو في جوهره انعكاس لتحوّل أعمق مسّ البنية الثقافية والاجتماعية للمدينة. فقد انتقلت فاس، عبر مسار تاريخي طويل، من مركزية المخطوط بوصفه عماد المعرفة وأداتها، إلى هيمنة المطبوع باعتباره الوسيط الغالب في تداول الأفكار. وهذا الانتقال مسّ اقتصاد المعرفة ذاته؛ إذ تحوّل من اقتصاد تقليدي يقوم على شبكة من الحِرَف الدقيقة – من صناعة الورق، ونسخ الكتب، وتجليدها، وبيعها – إلى اقتصاد حديث تتراجع فيه تلك الحِرَف أمام آليات الإنتاج الصناعي. ومن ثمّ، فإن تغيّر دلالة الاسم يعكس، بصورة رمزية، هذا التحوّل من عالم الصنعة اليدوية إلى عالم الطباعة والنسخ الآلي. غير أنّ تغيّر الوظيفة لا ينبغي أن يستتبع محو الذاكرة. فالأسماء في المدن التاريخية ليست علامات اعتباطية تُلصق بالأمكنة كيفما اتفق، بل هي أوعية تختزن طبقات من المعنى والتاريخ. إن اسم الساحة، في مدينة عالِمة مثل فاس، ليس مجرد إشارة جغرافية، وإنما وثيقة ثقافية حيّة تُحيل إلى وظيفة، وإلى جماعة مهنية، وإلى سياق حضاري محدّد. ومن ثمّ، فإن تحريف الاسم ، يُمثّل طمسًا لطبقة من تاريخ فاس العلمي، وإضعافًا لذاكرة جماعية تشكّلت حول الكتاب وصنّاعه.
من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى بحث تاريخي ولساني رصين يستند إلى الوثائق الوقفية، وكتب النوازل، وسجلات الحِسبة، وخرائط المدينة العتيقة، من أجل التثبّت من الأصل الحقيقي لتسمية الساحة وتطوّرها عبر الزمن. فالتاريخ الحضري لا يُبنى على الرواية الشفوية وحدها، وإن كانت ذات قيمة، ويتطلّب تحقيقًا علميًا يقارن بين النصوص ويُخضعها لمنهج نقدي دقيق. كما أنّ الدراسة اللسانية قادرة على تتبّع التحوّلات الصوتية والدلالية التي قد تفسّر انتقال الاسم من صيغة إلى أخرى، أو انزياحه عن معناه الأصلي بفعل الاستعمال الشعبي أو الإداري. ولا يقف الأمر عند حدود البحث الأكاديمي، ولكن يتطلّب أيضًا التفاتًا جادًا من الجهات المعنية بصون التراث العمراني والثقافي، من أجل تثبيت اسم ساحة السفارين في لافتة رسمية ليصبح خطوة رمزية ذات دلالة عميقة في إعادة الاعتبار للذاكرة الحضرية. وإن تعذّر الجزم بصيغة واحدة، فإن وضع لوحات تفسيرية تُعرّف بتاريخ الساحة وتشرح تحوّل وظائفها عبر العصور كفيلٌ بأن يُصالح الزائر مع تاريخ المكان، ويُعيد إدماج الوعي التاريخي في التجربة اليومية للمدينة.
إن إعادة الاعتبار لساحة السفّارين ليست مسألة شكلية تتعلّق بلافتة تُبدَّل، ولا باسم يحرف، إنه استعادة لروح فاس العالِمة، المدينة التي جعلت من الكتاب محور عمرانها، ومن المعرفة أساس مجدها. ففي فضائها كان صوت الناسخ يتجاور مع درس الفقيه، وكانت رائحة الجلد المصقول المنبعثة من حوانيت المجلّدين تعانق عبق الحبر المتسرّب من دواة الخطاط. هناك تداخلت الحِرفة بالعلم، والصنعة بالفكر، ليولد نموذج حضري فريد يقوم على تكامل المادة والمعنى. وحين نُصحّح الاسم أو نُعيد إليه دلالته الأولى، فإننا لا نُغيّر علامة إرشادية فحسب، وإنما نُعيد وصل الحاضر بماضٍ حيّ في الذاكرة، ونُنصف حِرفة أسهمت في صيانة التراث ونقله عبر الأجيال. إنّه فعل رمزي يُجدّد العهد مع تاريخ المدينة، ويُذكّر بأنّ الهوية بناءٌ مستمرّ يتطلّب وعيًا نقديًا وصونًا أمينًا لذاكرة المكان.
سعيد العفاسي