وسط تصاعد الخلافات السياسية: الجزائر تنهي اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات

أعلنت الجزائر، اليوم السبت، شروعها في إجراءات إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية المبرمة مع دولة الإمارات، في خطوة تأتي ضمن سياق توتر دبلوماسي متصاعد بين البلدين منذ عام 2023. ويعكس هذا القرار تحوّلًا لافتًا في طبيعة العلاقات الثنائية، التي شهدت في السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا على المستويات السياسية والاقتصادية. وأفادت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية بأن السلطات المختصة شرعت في اتخاذ التدابير القانونية اللازمة لإلغاء الاتفاقية المتعلقة بالخدمات الجوية بين البلدين، والتي تم توقيعها في العاصمة الإماراتية أبوظبي بتاريخ 13 ماي 2013، قبل أن تتم المصادقة عليها لاحقًا بموجب مرسوم رئاسي صدر في 30 دجنبر 2014. وتعد هذه الاتفاقية أحد الأطر التنظيمية التي كانت تضبط حركة النقل الجوي والتعاون التقني والتجاري في قطاع الطيران بين الطرفين.

وبحسب المصدر ذاته، فإن تفعيل قرار الإلغاء يستند إلى أحكام المادة الثانية والعشرين من الاتفاقية، والتي تنص على ضرورة إشعار الطرف المتعاقد الآخر بالرغبة في إنهاء العمل بها عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية. كما يتطلب الإجراء ذاته إخطار الأمين العام لمنظمة الطيران المدني الدولي، المعروفة اختصارًا بـ”إيكاو”، من أجل استكمال المساطر التنظيمية المرتبطة بإنهاء الاتفاقية على المستوى الدولي، وضمان احترام الالتزامات القانونية ذات الصلة. ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه العلاقات الجزائرية الإماراتية توترًا متزايدًا، تغذّيه جملة من الخلافات السياسية والإقليمية التي برزت إلى العلن خلال السنوات الأخيرة. ويربط مراقبون قرار الجزائر بسلسلة من المؤشرات التي توحي بتدهور مستوى الثقة المتبادلة، خاصة منذ صيف عام 2023، حين برزت خلافات حادة عقب انعقاد قمة مجموعة “البريكس” في جنوب إفريقيا.

ففي تلك القمة، تقدمت الجزائر بطلب رسمي للانضمام إلى التكتل الاقتصادي الصاعد الذي يضم عددًا من القوى الدولية والإقليمية، غير أن طلبها لم يحظَ بالموافقة، وهو ما اعتبرته الجزائر انتكاسة دبلوماسية لجهودها الرامية إلى توسيع شراكاتها الدولية وتعزيز حضورها داخل التكتلات الاقتصادية الكبرى. وعلى الرغم من أن الإمارات نفسها لم تنضم إلى المجموعة إلا خلال القمة ذاتها، فإن الجزائر رأت أن أبوظبي لعبت دورًا مؤثرًا في إعاقة مساعيها للالتحاق بالتكتل، وفق ما تداولته أوساط سياسية وإعلامية جزائرية. وتفاقمت حدة التوتر كذلك بسبب تباين مواقف البلدين إزاء عدد من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية، التي تمثل أحد أبرز محاور الخلاف في السياسات الخارجية المغاربية. إذ تتهم الجزائر الإمارات بتبني مواقف داعمة للمغرب في هذا الملف، وهو ما تعتبره الجزائر مساسًا بمواقفها السياسية التقليدية التي تؤيد حق تقرير المصير في المنطقة.

ويرى متابعون أن قرار إلغاء اتفاقية النقل الجوي لا يقتصر على أبعاده التقنية أو الاقتصادية، بل يحمل دلالات سياسية واضحة تعكس رغبة الجزائر في إعادة تقييم علاقاتها مع شركائها الإقليميين وفق معطيات جديدة. كما قد ينعكس هذا القرار على حركة السفر والتبادل التجاري بين البلدين، خاصة في ظل الدور الحيوي الذي يلعبه قطاع الطيران في تسهيل العلاقات الاقتصادية والسياحية. ومن جهة أخرى، يطرح هذا التطور تساؤلات حول مستقبل العلاقات الثنائية وإمكانية احتواء الخلافات عبر قنوات الحوار الدبلوماسي، خصوصًا أن العلاقات بين البلدين كانت قد شهدت مراحل من التعاون الاقتصادي والاستثماري خلال العقد الماضي. غير أن استمرار التباينات في المواقف السياسية قد يدفع نحو مزيد من التباعد، ما لم تُبذل جهود لإعادة بناء جسور الثقة بين الطرفين.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة سيناريوهات، تتراوح بين استمرار التصعيد الدبلوماسي أو العودة إلى مسار التهدئة عبر الوساطات الإقليمية والدولية. ويبقى قرار الجزائر الأخير مؤشرًا على حجم التحولات التي تشهدها خريطة التحالفات في المنطقة، في وقت تتزايد فيه المنافسة الجيوسياسية بين القوى الإقليمية على النفوذ والتأثير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى