أش خصك يا فاس: قاعة للتزلج وثاني أكبر مسجد في المغرب

تعيش مدينة فاس في الآونة الأخيرة نقاشا عموميا متصاعدا حول جدوى بعض المشاريع المعلن عنها، وعلى رأسها مشروع بناء قاعة للتزلج تعتزم الجماعة المحلية إنجازها، ومشروع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لبناء ثاني أكبر مسجد في المغرب. وقد أعاد هذا النقاش طرح سؤال جوهري يتعلق بأولويات التنمية في المدينة، هل تحتاج فاس اليوم إلى مشاريع ذات طابع رمزي وترفيهي، أم أنها في أمسّ الحاجة إلى مشاريع اقتصادية إنتاجية قادرة على خلق فرص الشغل والحد من مظاهر الهشاشة الاجتماعية؟ لا يختلف اثنان على أن فاس تعد إحدى أهم الحواضر التاريخية والحضارية في المغرب والعالم الإسلامي، فهي مدينة العلم والعمران الروحي والثقافي، وموطن جامعة القرويين التي شكلت عبر قرون مركز إشعاع علمي وفكري. غير أن هذه المكانة التاريخية لم تحمِ المدينة من تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، جعلت شريحة واسعة من شبابها تعاني البطالة وصعوبة الاندماج في سوق العمل، في ظل تراجع الاستثمارات الصناعية وضعف المشاريع الاقتصادية الكبرى.

إن مشروع بناء قاعة للتزلج يثير تساؤلات عديدة حول مدى انسجامه مع خصوصية المدينة وحاجيات ساكنتها. فرياضة التزلج على الجليد، رغم قيمتها الترفيهية والسياحية، تبقى نشاطًا محدود الانتشار في السياق المحلي، ويستلزم تكاليف مالية وتقنية مرتفعة سواء في مرحلة الإنجاز أو في تدبير وصيانة المنشأة. كما أن الاستفادة من مثل هذه المشاريع غالبًا ما تظل محصورة في فئات اجتماعية محدودة، وهو ما يطرح إشكالية العدالة المجالية والاجتماعية في توجيه الموارد العمومية. وفي المقابل، يبرز مشروع بناء ثاني أكبر مسجد في المغرب كمبادرة ذات بعد ديني وروحي، يعكس اهتمام الدولة بتعزيز البنية التحتية الدينية والحفاظ على الهوية الإسلامية للبلاد. غير أن هذا المشروع بدوره يثير نقاشا حول الأولويات التنموية، خاصة أن مدينة فاس تزخر أصلا بعدد كبير من المساجد التاريخية والمعاصرة، ما يجعل التساؤل مشروعا حول مدى الحاجة الفعلية إلى منشأة دينية بهذا الحجم في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المدينة. إن جوهر الإشكال لا يكمن في رفض المشاريع الثقافية أو الدينية أو الترفيهية في حد ذاتها، ولكن في ترتيب الأولويات وفق منطق التنمية الشاملة والمستدامة. ففاس، التي عرفت تاريخيا بكونها مركزا للصناعة التقليدية والحرف اليدوية، تشهد اليوم تراجعا في العديد من هذه القطاعات نتيجة التحولات الاقتصادية العالمية وضعف آليات الدعم والتحديث. كما أن المدينة تفتقر إلى مناطق صناعية متطورة قادرة على استقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، وخلق مناصب شغل قارة تستجيب لتطلعات الشباب المتعلم.

وتشير العديد من المؤشرات الاجتماعية إلى ارتفاع نسب البطالة، خاصة في صفوف خريجي الجامعات والمعاهد العليا، وهو ما ينعكس على تفاقم بعض الظواهر الاجتماعية السلبية، من قبيل الهجرة غير النظامية وانتشار بعض أشكال الجريمة المرتبطة بالهشاشة الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، يرى عدد من الفاعلين المحليين أن الأولوية يجب أن تُمنح لمشاريع صناعية وإنتاجية، مثل إنشاء مصانع ومناطق تكنولوجية وحاضنات للمقاولات الناشئة، إلى جانب تطوير البنية التحتية للنقل وربط المدينة بمحيطها الاقتصادي الوطني والدولي. كما أن الاستثمار في التكوين المهني وربطه بحاجيات سوق الشغل يمثل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة معضلة البطالة. فبدل التركيز على مشاريع ذات طابع استعراضي أو رمزي، يمكن توجيه الموارد نحو برامج تأهيل الشباب وتطوير مهاراتهم في مجالات الصناعة الحديثة والاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة، وهي قطاعات واعدة قادرة على إحداث تحول نوعي في النسيج الاقتصادي المحلي.

من جهة أخرى، لا ينبغي إغفال الدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع السياحي في إنعاش اقتصاد فاس، باعتبارها مدينة ذات تراث عالمي فريد. غير أن تطوير السياحة يتطلب مقاربة متكاملة تشمل تحسين البنية التحتية والخدمات السياحية، وتشجيع الاستثمار في المشاريع الثقافية والتراثية التي تعزز جاذبية المدينة وتخلق فرص عمل مستدامة، بدل الاكتفاء بمشاريع قد تفتقر إلى الجدوى الاقتصادية على المدى البعيد. إن النقاش الدائر حول هذه المشاريع يعكس في العمق حاجة المدينة إلى رؤية تنموية استراتيجية تشاركية، تأخذ بعين الاعتبار انتظارات الساكنة ومقترحات الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بحجم المنشآت أو رمزيتها، بل بقدرتها على تحسين جودة حياة المواطنين وتوفير فرص العيش الكريم لهم.

وفي ظل التحديات التي تواجهها فاس اليوم، يبدو أن الرهان الأكبر يكمن في تحقيق توازن بين الحفاظ على الهوية الروحية والثقافية للمدينة، وبين تعزيز ديناميتها الاقتصادية والاجتماعية. فمدينة بتاريخ فاس تستحق مشاريع تنموية تعيد لها دورها الريادي، ليس فقط كحاضرة للعلم والتراث، وإنما كقطب اقتصادي قادر على استيعاب طموحات أجيالها الصاعدة. ويبقى السؤال مفتوحا أمام صناع القرار والفاعلين المحليين، كيف يمكن توجيه الاستثمارات العمومية نحو مشاريع تحقق أثرا تنمويا ملموسا، وتستجيب في الوقت ذاته لخصوصية المدينة وتاريخها العريق؟، إن الإجابة عن هذا السؤال تشكل مدخلا أساسيا لرسم معالم مستقبل فاس، بين رهانات الرمز ومتطلبات التنمية الحقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى