أنشودة الحنين إلى علّونة

سعيد العفاسي: شاعر مغربي مقيم في مدينة كفرقرع بأكناف بيت المقدس
أيا نسيمَ الـــرُّبى من نحوِ عَلُّــــونَةٍ
هَلْ مِنْ حديثٍ يُداوي القلـبَ مكتئِبُ
أمِنْ ثراكِ جــرى ذاكَ الحـــنينُ دماً
في مهجتي شذا الذكرى هو السَّبَبُ
أشتاقُ داراً بها أمضيتُ مُقتبـــــلـي
والعمـــرُ غضٌّ، وأيامُ الصِّبـــا لَعِبُ
حيثُ الوجـوهُ التي كـــانت تُؤانسُنا
كأنّها البـــدرُ لا يعتـورها شَـــــحَبُ
وحيثُ أهــــلٌ إذا استُـغْثوا لنـــائبةٍ
هَبُّـوا، كأنّهمُ للســـــــائلِ السُّـــحُبُ
قومٌ إذا ذكــــِرَ الإحســــانُ كان لهم
في كلِّ مكـــــرمةٍ ذِكــــــرٌ ومُنتسَبُ
لا يُضمرونَ أذىً، بل قلـبُ واحدِهم
روضٌ من البشـرِ المأمـولِ ينسكبُ
كم مجلـــسٍ ضمَّنا في ظــــلِّ داليـةٍ
والودُّ غـضٌّ، ولا ضــغنٌ ولا رِيَــبُ
وكم سرينا على الآجـــامِ نقطــــعها
والصبحُ من خلفِ آكــامِ الرُّبى يثِبُ
واليومَ أقفُ مشدوهًـــا فأبصـــرُ ما
أحدثتِ الدهرُ، واستولى به العَجَـبُ
أينَ الوجــــوهُ التي كـــانت تُبشّرُنا؟
وأينَ ذاكَ الندى؟ أينَ السَّنا العَذِبُ؟
قد غيَّرَ الناسَ إيقـــاعُ الزمانِ، فما
عادَ التلاقي كما كـــانتْ به الحُــقُبُ
واستبدلتْ بسكونِ الأمسِ ضوضاءُ
ألهتهمُ عن صفـــاءِ الروحِ مُنــقَلَبُ
لكنّ عهـــــدَكِ في أعمــــاقِ ذاكرتي
بـــــاقٍ، وإنْ جــــارَ أيّامٌ ومُنقــــلَبُ
ما زلتُ أذكــــرُ أفـــــراحًا مكلّلـــــةً
كأنّها في سمـــــاءِ الخلــــدِ تَنتصِبُ
وكلّما ذُكــــرتْ عَلُّـــــونَةٌ خفقـــــتْ
من الشجـــــــونِ بقلبي أبحــرٌ لُجُبُ
إنْ غبتُ عنـــكِ فحبلُ الـــودِّ متّصلٌ
ما خــابَ من بأريجِ الأصلِ يعتصِبُ
يا موطني الأوّلَ المزروعَ في خلـدي
إنْ ناءَ جسمي فقلبي نحــوكِ انْتَـدَبُ
سأبقى أُردّدُ مــا هبَّتْ صباً سحـــراً:
لِعَلُّونَةَ المجدُ، ما لاحَتْ لنا الشُّـهُبُ

