مقامة “التهاني والتبريكات”: أهي زفرةُ محبٍّ أم زفرةُ محرِّك، أهي نفثةُ قلبٍ مشوقٍ أم نفثةُ برنامجٍ مصنوع

حدَّثَ بعضُ الرُّواةِ، الذي هو كاتب هذه المقامة، ممَّنْ خبروا تقلُّبَ الأزمانِ، وعاينوا تصرُّفَ الحدَثان، قال: لمَّا تباعدتِ السُّبُلُ، وتنازعتِ القلوبَ العِلَلُ والمآرِبُ، وتفرَّقتِ النياتُ بين صِدقٍ مُقَرَّبٍ وتكلُّفٍ مُحجَّبٍ، التبستْ علينا وجوهُ الصدقِ بأقنعةِ التزييف، واختلطتْ ينابيعُ الوجدانِ بجداولِ التصنُّعِ والتزيين، حتى صار المرءُ حيرانَ بين كلامٍ يفيضُ من سويداءِ الجَنانِ، وكلامٍ يُستجلبُ من خزائنِ الاستيرادِ والاقتباسِ والاعتياد، وكان القومُ فيما سلفَ من الزمان، إذا أظلَّهم عيدٌ، أو أقبلتْ عليهم مناسبةٌ تُطرِبُ النفوسَ وتُقرُّ العيونَ وتستنهضُ المودَّات، بعثَ أحدُهم إلى أخيه كلمةً تنبضُ من حرارةِ الشوقِ والحنان، أو رسالةً تُنسَجُ من خيوطِ الودِّ والإيمان، فلا يضرُّها قِصَرُ المبنى، ولا يُنقِصُها قلَّةُ المعنى، إذ كانتْ من القلبِ إلى القلبِ سِفرًا، ومن الروحِ إلى الروحِ أثرًا، تُصيبُ الفؤادَ إصابةَ السهمِ المسموم، وتستقرُّ في النفسِ استقرارَ النورِ في العيونِ والنجوم. فربَّ لفظةٍ يسيرةِ الحروف، قليلةِ الصفوف، عظيمةِ الوقوعِ في القلوبِ والظروف، أحيتْ ودًّا كان دارسًا، وبعثتْ حبًّا كان يابسًا؛ وربَّ سطرٍ يتيمٍ، وحرفٍ كريمٍ، أعادَ إلى الأرواحِ أنسَها بعد وحشتِها، وأنعشَ النفوسَ بعد كآبتِها، حتى كأنَّ الكلامَ إذا خرجَ صادقًا، صار حياةً إذا سُمع، ونورًا إذا وُضع، وشفاءً إذا وقع. فيا للعجبِ من زمانٍ كانتِ العبارةُ فيه ميزانَ الصدق، فصارتْ اليومَ ميزانَ الصنعةِ والزخرف، وكان الكلامُ فيه دليلَ الوجدان، فصار اليومَ قناعًا على اللسان، يُستعارُ كما تُستعارُ الثياب، ويُستجلبُ كما تُستجلبُ الأسباب، حتى تساوتْ عند القومِ الرسائلُ وتناهتْ إلى حدِّ التماثلِ والتشاكل، فلا يُدرى أهي نفثةُ قلبٍ أو نفخةُ قالب، ولا أهي خفقةُ محبٍّ أو صدى كاتب، حتى تداعتِ المعاني، وتباعدتِ المباني، وغدا الكلامُ كثيرًا والصدقُ قليلًا، واللفظُ جزيلًا والمعنى عليلًا، فإنا للهِ على ما صارتْ إليه الأحوال، وما آلتْ إليه الأقوال.

ثمَّ دارتْ رحى الدهرِ، وانقلبتْ صحائفُ العصر، فإذا المشاعرُ قد صارتْ بضائعَ تُباعُ في أسواقِ النسخِ والتكرار، وإذا التهاني قوالبُ تُستنسَخُ استنساخًا، لا يُعرفُ لها مُنشئٌ ولا يُدرى لها مبتدأٌ ولا ختام، وغدا الناسُ يقتاتون من موائدِ غيرهم، ويستعيرون عواطفَ ليستْ لهم، ويتهادون ألفاظًا لم تمرَّ على قلوبهم مرورَ الخاطرِ على البال، فإذا أرادَ أحدُهم أن يُباركَ لصديقٍ عيدًا، أو يُهنِّئ قريبًا بفرحةٍ، لم يقدحْ زندَ الفكر، ولم يستنطقْ ضميرَه، ولم يُعمِلْ في معاني المودَّةِ رويَّتَه، مدَّ يدَه إلى صورةٍ صنعها غيرُه، أو عبارةٍ سبكهَا سواه، أو نموذجٍ جاهزٍ يتناقله الناسُ كما يتناقلون الدراهمَ بين الأكفِّ، لا روحَ فيه ولا أثرَ لصاحبه. ثمَّ زادَ الأمرُ عجبًا، واستحكمَ منه الطَّرَفُ والطَّرَفَة، حين استنجدَ الخلقُ بما استحدثتْه العصورُ من آلاتِ الذكاءِ الاصطناعي، فأصبح الواحدُ منهم يأمرُ آلةً صمَّاءَ أن تُنظِّمَ له التهاني، وتنسجَ له المعاني، وتطرِّزَ له الكلامَ بأوشيةِ البيانِ وألوانِ البديع، فتُخرجُ له في لحظاتٍ رسالةً لو سمعها الجاحظُ لأطرقَ متأمِّلًا، ولو قرأها الحريريُّ لابتسمَ متعجِّبًا، فيحسبُ المتلقِّي أنَّ وراءَها أديبًا مفوَّهًا، أو خطيبًا مصقعًا، أو كاتبًا قد استخرجَ الدرَّ من لججِ اللسان، وما هي إلا صنعةُ آلةٍ لا تخفقُ لها جوانح ولا بنان، ولا تضطربُ في صدرِها عاطفة، ولا تعرفُ من أسرارِ المحبَّةِ إلا ما حُقِنَ في جوفها من ألفاظٍ وعبارات خاطفة، فيا عجبًا لزمانٍ كثرتْ فيه الكلماتُ، وقلَّتْ فيه المشاعرُ، واتَّسعتْ فيه الرسائلُ والنيات، وضاقتْ فيه القلوب. ثم إنَّ البليَّةَ لم تقفْ عند هذا الحدِّ، ولا انتهتْ إلى ذلك الأمد، جاوزتْه إلى ما هو أدهى وأمضى، وأمرُّ على النفوسِ مذاقًا وأقسى. ذلك أنَّ القومَ لم يرضَوا بأن يجعلوا الآلةَ سفيرًا عنهم في التهاني والتبريكات، ونائبًا عنهم في عباراتِ المودَّةِ والمجاملات، أقاموها مقامَ الألسنة، وأنزلوها منزلةَ الأفئدة، وجعلوها تنطقُ إذا صمتوا، وتجيبُ إذا عجزوا، وتُفيضُ من الكلامِ ما لم يخطر لهم على بال. فإذا كتبتَ رأيًا، أو نشرتَ خاطرًا، أو بثثتَ للناسِ حديثًا، انهالتْ عليك الردودُ انهمالَ الغيث، مزخرفةَ المباني، مكلَّلةَ بأكاليلِ الثناء، محشوةً بألوانِ الإطراءِ والإعجاب، حتى يخيَّلَ إلى الناظرِ أنَّها انتُزعتْ من بطونِ الأسفار، أو استُلَّتْ من صفحاتِ “البيان والتبين”، أو سُمعتْ في مجالسِ الأصمعي وابن مقلة، يومَ كانت البلاغةُ تاجَ البيان، غير أنَّ وراءَ هذا الرونقِ حقيقةً أقلَّ بريقًا؛ إذ ليس فيها أثرُ فكرٍ انبثق، ولا بصمةُ قلبٍ خفق، ولا نفحةُ وجدانٍ تأثَّر، وإنما هي ألفاظٌ صبَّتها الآلةُ صبًّا، ونسجتها في لمحِ البصرِ نسجًا. أصبحنا في عصرٍ تُتداوَلُ فيه الكلماتُ ولا يُعرَفُ لها قائل، وتُنشَرُ فيه العباراتُ ولا يُدرى لها صاحب، وتُهدى فيه المشاعرُ وهي لم تخرجْ قطُّ من مستودعِ القلب، ولم تمرَّ على مرافئِ الإحساس، فصار المرءُ يتكلَّمُ بلسانٍ مستعار، ويكتبُ بقلمٍ مستأجَر، ويُظهرُ من العواطفِ ما لم يذقْه وجدانُه، وما أشبهَه برجلٍ لبسَ ثوبًا ليس من غزلِه، وتزيَّا بزيٍّ ليس من صنعِه، فحسبه الناسُ صاحبَه، وما له منه إلا حملُه على منكبيه.

ثم بلغ العجبُ غايتَه، واستوى على ذروةِ غرابتِه، حين رأيتَ أقوامًا يتشدَّقون بألفاظٍ لم تألفْها ألسنتُهم، ويتبجَّحون بمفرداتٍ لم تجرِ بها عادتُهم، ويستعملون تراكيبَ لو عُرضتْ عليهم للفهم لاستغلقَ فهمُها عليهم، فإذا استوقفتَ أحدَهم عند كلمةٍ أوردها، أو سألته عن معنى عبارةٍ ردَّدها، اضطربَ اضطرابَ المذنبِ إذا فُوجئ بالحجَّة، وتلعثمَ تلعثمَ الأعجميِّ في مقامِ الفصاحة؛ لأنه لم ينتقِ اللفظَ انتقاءَ العارفِ الخبير، ولم يستخرجْه من معادنِ علمِه، وإنما ألقته إليه الآلةُ إلقاءً، فتلقَّفه تلقُّفَ الظمآنِ للسراب، وظنَّ أنَّ استعارةَ الألفاظِ تُورثُه فضلًا، وأنَّ ارتداءَ ثيابِ البيانِ يُكسبُه مهابةَ العلماءِ والأدباء. وكان اللسان العربي فيما خلا من الأزمانِ مرآةَ الضمائر، وبيان السرائر، يُعرَفُ بها قدرُ الرجلِ إذا نطق، ويُستدلُّ منها على معدنِه إذا كتب واتفق، فهي شاهدُ علمِه، وترجمانُ ذوقِه، ودليلُ تجربتِه. فإذا قرأتَ كلامَ امرئٍ رأيتَ فيه صورتَه، ولمحتَ بين سطورِه آثارَ نفسِه، حتى كأنَّ الحروفَ ملامحُه، والعباراتِ قسماتُه. أمَّا اليوم، فقد تبدَّلتِ الحالُ واستحالتِ الأحوال، وغدتِ اللغةُ أقنعةً تُرتدى، وأرديةً تُستعار، يتوارى خلفَها المتكلمون كما يتوارى الممثلُ خلفَ ستارِ المسرح، فلا تكادُ تدري إذا وقعتَ على نصٍّ بديعٍ، أو عبارةٍ رشيقةٍ، أهي ثمرةُ فكرِ صاحبها أم لُقطةٌ التقطها من موائدِ الآلات، واستعارها من خزائنِ البرامج والخوارزميات. وكان البيانُ قديمًا عنوانَ الشخصية، وسِمةَ الروح، وأثرَ التجربةِ الحيَّة، فإذا هو اليوم بضاعةٌ تُستجلَب، وزينةٌ تُقتنَى وتسلب، وكأنَّ الفصاحةَ قد انفصلتْ عن أصحابِها، وصارتْ تُباعُ لمن شاء اقتناؤها بلمحةِ عينٍ أو ضغطةِ إصبع. فما عاد الكلامُ ينبعُ من ينابيعِ النفس، ولا يتدفَّقُ من مجاري الوجدان، يُستقدَمُ استقدامًا من خارجِ الإنسان، كما تُستوردُ السلعُ من أقاصي البلدان.

غير أنَّ الخطبَ الأعظمَ، والمصابَ الأجسمَ، ليس ضياعَ لفظٍ هنا أو نسيانَ عبارةٍ هناك، ولا ضعفَ القريحةِ أو فتورَ الملكة، وإنما هو ذبولُ الصدقِ نفسِه، وانطفاءُ جذوتِه في القلوب. فإنَّ الإنسانَ إذا سلَّم مشاعرَه إلى آلة، وألقى بعواطفِه في حجرِ برنامج، وفوَّض وجدانه إلى خوارزميةٍ صمَّاء، أخذ يتنازلُ عن بعضِ جوهرِه رويدًا رويدًا، ويخلعُ من إنسانيتِه خيطًا بعد خيط، حتى لا يبقى له من نفسه إلا الاسمُ والرسم. وما قيمةُ البيانِ إذا خلا من حرارةِ الشعور؟ وما نفعُ البلاغةِ إذا فارقها الصدق؟ فليستِ المشاعرُ بحسنِ السبكِ تُوزن، ولا بزخرفِ الألفاظِ تُقاس، وإنما تُعرَفُ بصدقِ مصدرِها ونقاءِ موردِها. وربَّ كلمةٍ عثر فيها اللسان، أو قصَّر عن تجويدِها البيان، خرجتْ من قلبٍ صادقٍ فبلغتْ من النفوسِ مبلغًا لا تبلغه المعلقات. وربَّ قصيدةٍ مزدانةٍ بحللِ البديع، موشَّاةٍ بألوانِ البيان، لم يكن لصاحبها فيها إلا إشارةُ الأمر، وضغطةُ الزر، فمرَّتْ على القلوبِ مرورَ الظلِّ على الماء؛ تُرى ولا تُؤثِّر، وتُعجب ولا تُحرِّك. ولقد كنَّا، في سالفِ العصرِ وخالي الدهر، نغتفرُ للكاتبِ زلَّةَ اللسانِ إذا شهدَ له القلبُ بالوجدان، ونعذرُ له عثرةَ البيانِ إذا دلَّتْ على صدقِ الجَنان، فما كان يُضيرُ الرسالةَ أن يشوبَها لحنٌ، ولا يُنقِصُ من قدرِها أن يعتريَها وهنٌ، ما دام وراءَ الحروفِ قلبٌ يخفق، ووراءَ الألفاظِ روحٌ تَصدُق، فكثيرًا ما كانت العبارةُ خَشِنةَ المَبنى، ولكنَّها ليِّنةُ المعنى، ضعيفةَ السَّبكِ، ولكنَّها قويَّةُ الأثرِ في النفسِ والفِكر. أمَّا اليوم، فقد استوتِ الرسائلُ على سوقِها، واكتملتْ أركانُها وفروعُها، وتأنَّقتْ ألفاظُها ونُعوتُها، فغدتْ محكمةَ المباني، متينةَ المعاني في ظاهرِ العيان، غيرَ أنَّها جوفاءُ الأركان، خاويةُ الجَنان. فهي كالقصرِ المنيفِ المشيَّد، رُفعتْ أعمدتُه، وزُخرفتْ جدرانُه، ونُضِّدتْ حجراتُه، ثم خلتْ من أهلِها وسكَّانِها؛ أو كالروضةِ الناضرةِ التي تفتَّحتْ أزهارُها، واخضرَّتْ أشجارُها، ثم سُلبتْ أريجَها، وفقدتْ نسيمَها وعبيرَها.

وإنَّ ممَّا يملأُ النفسَ وَجَلًا، ويورثُ القلبَ قَلَقًا، أن يأتيَ على الناسِ يومٌ يختلطُ فيه الصدقُ بالتصنُّع، والوجدانُ بالاصطناع، فلا يميِّزون بين دمعِ العينِ وطلاءِ العين، ولا بين نبضةِ القلبِ وصدى القالب. فإذا وردتْ على أحدِهم رسالةُ تهنئةٍ، أو وافتهُ كلماتُ تعزيةٍ وتسليةٍ، أو انهالتْ عليه عباراتُ الثناءِ والإطراءِ، وقفَ بين الشكِّ واليقين، وحارَ بين التصديقِ والتخمين؛ لا يدري أهي زفرةُ محبٍّ أم زفرةُ محرِّك، أهي نفثةُ قلبٍ مشوقٍ أم نفثةُ برنامجٍ مصنوع. أيعرفُ صاحبَها حرارةَ الوداد، أم أنَّه لا يعرفُ من الحبِّ إلا ما حُقنَ في خزائنِ الأعداد؟، وما أشدَّ حسرتَنا على ما أضعناه ونحن نظنُّ أنَّا الرابحون، وما أعظمَ خسارتَنا ونحن نحسبُ أنفسَنا من الفائزين. لقد بعنا حرارةَ الكلمةِ ببريقِ الصياغة، واستبدلنا صدقَ العبارةِ بزخرفِ الصناعة، وفرَّطنا في عفويَّةِ الشعورِ لقاءَ سرعةِ الإنجاز. فأصبح بين أيدينا كلامٌ مصقولٌ كالسيفِ اليماني، ولكنَّه باردٌ كالجليدِ القاني؛ له منظرُ الدرِّ الثمين، وليس له عبقُ الياسمين. واعلموا أنَّ الأمَّةَ إذا ضيَّعتْ لسانَها ضيَّعتْ عنوانَها، وإذا فرَّطتْ في بيانِها فرَّطتْ في كيانِها، وإذا تهاونتْ في صدقِ مشاعرِها تهاوتْ أركانُ إنسانيَّتها. فاللسان ذاكرةُ الأمم، والبيانُ رايةُ الهُويَّات، والصدقُ روحُ الأرواح؛ فإذا غابَ الروحُ، فما نفعَ الجسدَ أن يبقى قائمَ البنيان؟، على أنَّا، وإن شكونا ما شكونا، وذكرنا ما ذكرنا من غوائلِ هذا الزمان، فلسنا ممَّن يرمون المستحدثاتِ بكلِّ نقيصة، ولا ممَّن يجعلون كلَّ جديدٍ عنوانَ ضلالةٍ وخسارة. فما الذكاءُ الاصطناعيُّ في ذاتِه بشؤمٍ كلِّه، ولا بشرٍّ محضٍ لا خيرَ فيه؛ قد جعله الله بابًا من أبوابِ التيسير، وسببًا من أسبابِ التبصير، يُستعانُ به على طلبِ العلوم، ويُهتدى به إلى ضروبِ الفهوم، ويُتخذُ آلةً نافعةً في زمنٍ تشعَّبت فيه المعارفُ وتكاثرت فيه الوظائف. غير أنَّ البلاءَ كلَّ البلاءِ، والخطبَ كلَّ الخطب، أن ينتقلَ من منزلةِ الخادمِ إلى مرتبةِ المخدوم، ومن مقامِ المعينِ إلى مقامِ البديل، فمتى استراحَ العقلُ إليه استراحةَ الكسول، واعتمدَ عليه اعتمادَ العاجزِ المعلول، وتركَ له زمامَ التفكيرِ والتدبير، فقد انقلبتِ الموازينُ واختلَّتِ المقادير. وما الآلةُ إلا مطيَّةٌ تُركب، فإذا صارتْ راكبًا وصار الإنسانُ مركوبًا، فقد انعكستِ الأحوالُ وانقلبَ السؤالُ جوابًا والجوابُ سؤالًا. فويلٌ للمرءِ إذا استعارَ من الآلةِ عقلَه، واستودعَها رأيَه، واستجدى منها عباراتِه وإشاراتِه، وسلَّم إليها مشاعرَه وأسرارَه، وتركَ لها أن تُفكِّرَ عنه إذا فكر، وأن تشعرَ عنه إذا دبر، وأن تتكلَّمَ عنه إذا تكلَّم، فحينئذٍ لا يكونُ أسيرًا في قيودِها لا سيدًا لها، ومملوكًا لحدودِها لا مالكًا لأمرِها؛ يطلبُ منها الألفاظَ كما يطلبُ الفقيرُ الصدقة، ويستعيرُ منها العواطفَ كما يستعيرُ العاري ثوبَه في يومِ البرقة.

وها نحن اليوم على مفترقِ طريقٍ، ومفصلِ قرارٍ، بين دربٍ يُفضي إلى استعادةِ الذات، ودربٍ يقودُ إلى اغترابِ الصفات، فإمَّا أن نُنقذَ أصواتَنا من ضجيجِ التقليد، ونستخرجَ لساننا من ركامِ القوالبِ والقيود، ونعودَ إلى الكتابةِ بمدادِ القلبِ قبل مدادِ القلم، وبنورِ التجربةِ قبل بريقِ الصنعة، فنكتبُ ما نحسُّ، ونقولُ ما نؤمنُ، ونُفصحُ عمَّا يختلجُ في الصدور؛ وإمَّا أن نمضيَ في هذا التيه، حتى نصيرَ ظلالًا بلا أجساد، وأصداءً بلا أصوات، وصورًا بلا أرواح. وحينئذٍ تُصبحُ الكلماتُ تمشي بين الناسِ وليس لها أبٌ يُعرف، ولا أمٌّ تُذكر، وتُصبحُ العباراتُ تُتداولُ في المجالسِ كما تُتداولُ العملاتُ في الأسواق، لا حرارةَ فيها ولا حياة، ولا صدقَ فيها ولا نجاة. ويغدو الإنسانُ نسخةً من ألفِ نسخة، وصورةً من ألفِ صورة، يتكلَّمُ بألسنةٍ ليست لسانَه، ويتزيَّا ببيانٍ ليس بيانَه، ويُظهرُ من الوجدِ ما لم يذقه، ومن الشوقِ ما لم يعرفه، ومن الحنينِ ما لم يطرقْ بابَ قلبِه يومًا. فإذا بلغنا تلك الغايةَ الكئيبة، والنهايةَ الغريبة، لم يبقَ من الإنسانِ إلا رسمُه، ولا من الإنسانيَّةِ إلا اسمُها. وسنكونُ بأيدينا قد وارينا حرارةَ المشاعرِ الثرى، ودفنَّا عفويَّةَ الأرواحِ في مقابرِ الاصطناعِ والرياء، وسلَّمنا زمامَ أنفسِنا طائعين إلى آلاتٍ لا تعرفُ من الحياةِ إلا أرقامَها، ولا من المحبَّةِ إلا أوصافَها، ولا من الوجدانِ إلا محاكاتَه وتقليدَه.

وحدثني الراوي الذي هو في نفسي ثاوي، عندئذٍ يحقُّ لنا أن نقفَ على أطلالِ ذواتِنا وقفةَ المتحسِّرِ المكلوم، وأن نسألَ سؤالَ الموجوعِ المحروم، أين الإنسانُ الذي كان يسكنُ فينا؟ وأين تلك القلوبُ التي كانت تخفقُ بلا تكلُّفٍ ولا تمويه؟ وأين تلك الكلماتُ التي كانت تخرجُ من أعماقِ الروحِ فتقعُ في أعماقِ الأرواح؟ لقد ضاعَ الصوتُ في الضوضاءِ، وغابَ الصدقُ في الادِّعاءِ، وتاهَ الإنسانُ في الإنسان، وذبلتِ الإنسانيَّةُ في زحامِ الاصطناع، وكفى بالله شهيدًا على ما نكتب، وحسيبًا على ما نصنع. وأحسبُ أنَّ مَن يُبادلني التهاني والتبريكاتِ بعبارةٍ استعارَها، أو صورةٍ اقتبسَها، أو رسالةٍ تلقَّفها من طريقٍ ثم قذفَ بها إليَّ من غيرِ نظرٍ ولا اعتبار، ولا قراءةٍ ولا اختبار، كمن يُهدي إليَّ متاعَ غيرِه، ويبعثُ إليَّ عاطفةً ليستْ عاطفتَه، ووجدانًا لم ينبضْ به قلبُه، ولا خطرَ على بالِه. وما أكثرَ مَن يتلقَّى الرسالةَ تلقِّي الوعاءِ لما يُلقى فيه، ثم يُرسلُها إرسالَ السهمِ من غيرِ أن ينظرَ في نصالِه، أو يتأمَّلَ في مآلِه؛ فلا تهذيبَ لعبارة، ولا تشذيبَ لإشارة، ولا إصلاحَ لزلَّة، ولا استدراكَ لهفوة، تمضي الرسالةُ بأخطائِها المطبعيَّةِ والإملائيَّةِ كما وردت، شاهدةً على أنَّ صاحبَها لم يُعملْ فيها عينًا ولا فكرًا، ولم يُقلبْ فيها طرفًا ولا نظرًا. وصاحبُ هذه الصنعةِ ــ شكرَ اللهُ سعيَه إن كان للسعيِ شكرٌ ــ ليس في الحقيقةِ منشئًا للكلام، ولا صاحبًا للملام، وإنَّما هو ناقلُ أحمالٍ، وحاملُ أقوالٍ، أشبهُ بحاطبِ ليلٍ يجمعُ ما لا يعرف، أو بحاملِ حطبٍ يكدُّ ظهرَه فيما لا ينتفعُ به، يزرعُ الشوكَ ويترقَّبُ الورد، وينقلُ الدرَّ وهو لا يعرفُ قدرَه، ويحملُ المسكَ وهو لا يشمُّ عطرَه، إنَّه ليستغفلُ نفسَه قبل أن يستغفلَ غيرَه؛ إذ يظنُّ أنَّ كثرةَ الألفاظِ تُغني عن صدقِ المقاصد، وأنَّ بهرجَ العباراتِ يقومُ مقامَ حرارةِ المشاعر. وهو يعلمُ في قرارةِ نفسِه أنَّ ما بعثَ به ليس من بناتِ فكرِه، ولا من ثمراتِ خاطرِه، ولا من نفثاتِ قلبِه، وأنَّه لو سُئلَ عن معناه لتلعثم، أو عن مرماه لتحيَّر، أو عن سرِّ اختيارِه لتبلبلَ وتعثَّر.

وكأنَّ لسانَ حالِه في هذا الزمان يقول: “انقلْ من هنا وهناك، واجمعْ من كلِّ وادٍ حجرًا، ثم قلْ للناس، هذا صنيعِي وثمرةُ اجتهادي”. وشعارُه الذي لا يفارقُه: “انسخْ وألصقْ وأرسلْ”، فلا كدَّ خاطرٍ، ولا جهدَ ضميرٍ، ولا عناءَ تفكيرٍ. فإذا فرغَ من إرسالِ رسالتِه حسبَ أنَّه أدَّى حقَّ المودَّة، وأقامَ رسمَ الصداقة، وما درى أنَّ التهنئةَ التي لم تمرَّ على القلبِ قبل اللسان، ولم تُصقَلْ بنورِ الوجدان، ليست إلا صدى كلامٍ تائهٍ، وصورةَ شعورٍ غائبٍ، وجسدًا من العباراتِ لا روحَ فيه ولا حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى