مقامات فاس (7) / مقامةُ الصَّقَليِّ والبروكار: حكايةُ الخيطٍ والنارٍ وبهاءِ الأسرار

الحمدُ للهِ الذي أودعَ في المعادنِ أسرارَ البهاءِ، وجعلَ من النارِ سبيلًا إلى الصفاءِ، وأجرى على أيدي الخلقِ صنائعَ تُدهشُ الألباب، وتُبقي للدهرِ أخبارًا تُروى في الكتبِ والآداب. والصلاةُ على سيّدِ العربِ والعجم، أفصحِ من نطقَ بالضادِ وابتسم، وعلى آلهِ وصحبِه ذوي الفضلِ والكرم.

أمّا بعدُ، فإنّي لما جُبتُ أزقّةَ فاس، وطوّفتُ بين أسواقِ النحاسِ والقرطاس، وتصفحت نوادر الكتب وخير الجلاس، وقفتُ على حرفةٍ عجيبةِ الشأن، دقيقةِ البنيان، قد نُسجتْ خيوطُها من الذهبِ والفضّة، وسُقيتْ من عرقِ الصنّاعِ والنهضة، فرأيتُ فيها قومًا اتخذوا النارَ مطيّة، والحريرَ وعاءً للزينةِ البهيّة، يفتلون المعدنَ كما يُفتلُ البيان، ويُحيلون الجمادَ إلى حُسنٍ يَسحرُ الأعيان، وكانت هذه الصناعةُ، المعروفةُ بالصَّقَلي، تاجًا على هامِ الملاح، وموردًا للربحِ والفلاح، تعيشُ بها البيوت، وتُشادُ بها الأصواتُ في الأسواقِ والطرقات، ثم دارتْ عليها دوائرُ الزمان، فتبدّلتِ الأحوالُ والألوان، حتى غدتْ بعدَ العزِّ إلى خفوت، وبعدَ الضجيجِ إلى سكونٍ وصَموت، وهذه مقامةٌ أذكرُ فيها خبرَ الصقليّ، وما كان له من مجدٍ جليّ، وكيف غزلَ أهلُه الذهبَ كما يُغزلُ الشعرُ البديع، ثم انطوى أمرُهم كما ينطوي الليلُ السريع.

لمّا أزمعتُ دخولَ مدينةِ فاس، دخول الباحث المنقب بين الناس، وما زلتُ أقتفي آثارَ الصناعاتِ العتيقة، وأستجلي أخبارَ الطوائفِ والرقيقة، قادتني الخُطا إلى المَلّاح، حيثُ تختلطُ رائحةُ الفضةِ المصهورةِ بنفحاتِ الحرير، وتتعانقُ أصواتُ المطارقِ مع همسِ الدنانير، فرأيتُ قومًا قد تفردوا بصناعةٍ عجيبة، وحرفةٍ غريبة، تُعرفُ عندهم بالصَّقَلي، وهي نسجُ خيوطِ الذهبِ والفضةِ، حتى كأنّ الشمسَ تُسحبُ من شعاعها، ويُغزلُ القمرُ من ضيائه.وكان أكثرُ القائمين بها من يهودِ فاس، قد احتكروها احتكارَ الظامئِ للماءِ الزلال، وحازوها حيازةَ البخيلِ للمال، ولم تكن صناعتهم كصناعةِ سائرِ الحرفيين من المسلمين، فإنّ أولئك يُفرّقون بين الصانعِ والتاجر، ويجعلون لكلِّ طائفةٍ شيخًا ومدارًا، وأمّا هؤلاء فقد جمعوا التجارةَ والصناعةَ في وعاءٍ واحد، وربطوا بين السوقِ والمِطرقةِ برباطٍ مشدود، حتى صار التاجرُ عندهم صانعًا، والصانعُ سيّدًا، والمعلمُ رئيسًا وإن لم يُحسن الضربَ بالمطرقة، ولا الفتلَ بالمغزل.

وكانوا يُسمّون كبيرَهم “المعلّم”(بتسكين الميم)، وإن لم يكن من أهلِ الصنعةِ يدًا، وهو من أربابِ التدبيرِ نقدًا ووعدًا، فهو الذي يشتري الذهبَ والفضةَ والحرير، ويصرفُ الأجور، ويجمعُ العمال، ويبيعُ البضاعة، ويُديرُ أمرَ الحرفةِ كما يُديرُ الربّانُ السفينةَ في البحرِ العجاج، فكانت صناعتهم أعقدَ تنظيمًا، وأشدَّ تركيبًا، من نقاباتِ المسلمين وأربابِ الأسواق. ثم إنّ هذه الحرفةَ لم تلبثْ أن أصابها ما أصابَ الزمانَ من التبديل، فانتقلت من طورِ الصناعةِ اليدويةِ إلى طورِ الصناعةِ الآلية، ودخلتها مظاهرُ الحضارةِ الحديثة، كما يدخلُ السيلُ إلى الوادي، لا يُبقي على رسمٍ إلا غيّره، ولا على عادةٍ إلا بدّلها، فمنهم من رأى في ذلك تقدّمًا ونجاحًا، ومنهم من عدّه خرابًا وانسلاخًا، غير أنّ الحقيقةَ الثابتةَ أنّ الصقلي القديم قد خلع ثوبَه العتيق، وارتدى لباسَ العصرِ الجديد.وقد حدّثني شيخٌ من أهلِ الملاح، أحدُ من شهدوا أيامَ الرواجِ ثم رأوا أوانَ الانحسار، فقال: “يا سعيد، لقد كانت صناعةُ التسقاليت تاجَ الحرف، وموردَ الرزقِ الشريف، تعيشُ منها مئاتُ البيوت، وتستنيرُ بها الأزقّةُ والدروب. فما من دارٍ إلا وفيها غازلة، أو ساحبُ سلك، أو ضاربُ ذهب، أو معلّمٌ يحصي الدراهمَ ويزنُ المعدن”، ثم تنهد تنهدَ من أضاع كنزًا، وقال: “أما أصلُ هذه الصناعةِ فغريقٌ في لججِ النسيان، لا يُعرفُ لها مبتدأ، ولا يُدرى متى دخلت إلى المغرب، غير أنّ الشيوخَ كانوا يقولون إنّها قديمةٌ قِدمَ الملاح، ضاربةٌ في أعماقِ الزمن، (حوالي عام 1860) حتى ذكرها الحاخامُ ابنير سرفاتي في أخبارِ يهودِ فاس، وعدّها من أجلِّ المهنِ وأعرقِها”، ثم أخذ يُحصي أهلَها إحصاءَ الكاتبِ لأسماءِ الجند، فقال: “كان فيها عشرون معلّمًا من كبارِ التجار، وخمسةُ ضاربي ذهب، وعشرةُ عمّالٍ في دارِ السكة، وستون من ساحبِي الأسلاك، ومئاتٌ من الغزّالين والغزّالات، حتى بلغ عددُ من تعيشُهم الحرفةُ نحو خمسمائةٍ وخمسين نفسًا، في ملاحٍ لم يكن يبلغُ سكانُه عشرةَ آلاف”.

فعجبتُ من أمرِ قومٍ جعلوا من الخيطِ الرفيعِ عمادًا للمعاش، ومن الشعرةِ المعدنيةِ سببًا للعمران، وقلتُ: “سبحان من أودعَ البركةَ في دقائقِ الأشياء، وجعل من الذرّةِ جبلًا إذا اقترنت بالصبرِ والارتقاء”. وكانت هذه الصناعةُ قائمةً على مراتبَ وفنون، لكلِّ واحدٍ منها قومٌ يتقنون، كما تتوزعُ الأدوارُ في جيشِ السلطان، فالمعلمُ صاحبُ المالِ والتدبير فنان، وضاربُ الذهبِ يصفّي المعدنَ ويطرقه حتى يصيرَ رقائقَ تلمعُ لمعانَ البرق، وساحبُ السلكِ يمدّ الفضةَ مدًّا حتى تغدو من الشعرة أدقَّ، ثم تأتي الغزّالاتُ فيلففن الخيطَ الذهبيَّ على الحرير، فيخرجُ كأنّه شُعاعُ شمسٍ مشدودٌ إلى وتر. وفي عام 1920 كان هناك حوالي عشرين معلمًا صقليًا، من أشهرُ المعلمين ينتمون لأربعِ أسرٍ ذاع صيتُها في الملاح، آل كوهين، وآل دانان، وآل وانيس، وآل ميمران. ينشأُ الفتى منهم على تعلّمِ العبريةِ في الكتّاب، ثم يدفعُ به أبوه إلى شيخٍ من شيوخِ الحرفة، فيتدرّبُ على البيعِ والشراء، ويتمرّسُ بأحوالِ السوق والارتواء، حتى إذا اشتدّ عوده، وتعلّقَ قلبُه بالدينار، صار معلّمًا تُشدُّ إليه الرحال من كل بر وخلف البحار، ولم يكن عملُهم هيّنًا، فهو يحتاجُ إلى رأسِ مالٍ كبير، لأنّ شراءَ الذهبِ والفضةِ يسبقُ البيعَ بأسابيع، والصنّاعُ لا يعملون إلا بالسلف، كأنّهم الزرّاعُ ينتظرون المطر، وكان أقلُّ ما يملكه المعلّمُ ألفَ فرنكٍ ذهبي، يصرّفُها بين المعدنِ الخامِ والبضاعةِ الجاهزة، وربما ربح من تقلّبِ أسعارِ الذهبِ أكثرَ مما ربح من الصناعةِ نفسها. ولهذا كانوا من أعيانِ الملاح، يلبسون الحسنَ من الثياب، ويجلسون في صدورِ المجالس، ويُشارُ إليهم بالبنان.

واعلم- حفظك الله- أنهم كانوا قومًا قد اتخذوا الأسفارَ صناعة، وجعلوا الترحالَ بضاعة، فلا يقرّ لهم قرار، ولا يهدأ لهم في فجاجِ الأرضِ مسار، يطوون البيدَ طيَّ السجلّ، ويقطعون الفيافي قطعَ السيلِ إذا انهلّ، فيجوبون القرى النائية، ويقصدون المدنَ البالية، يحملون على ظهورهم أوانيَ براقة، وأمتعةً زائفةَ الأناقة، ثم ينادون في الأسواقِ والأزقّة، بصوتٍ يخرقُ الأسماعَ خرقَ الصاعقة: “من له قديمٌ فليأتِ، ومن عنده نحاسٌ أو حديدٌ فلا يَخبِ! نعطي الجديدَ ونأخذُ البالي، ونبدّلُ الفانيَ بالآني”، فيخرجُ إليهم أربابُ الدور، بما تراكمَ في الزوايا من مَهملِ الأمور، من قدورٍ صدئة، وأقفالٍ مطفأة، وأباريقَ علاها الغبار، وصناديقَ أكل الدهرُ عليها ودار، وربما جاءتِ المرأةُ بعقدٍ ورثتْه عن أمّها، أو بخنجرٍ كان بالأمسِ زينةَ أبيها، أو بقطعةِ فضةٍ نقشتْ عليها الأيامُ أخبارَ السنين، وهم لا يرفعون لذلك جفنًا، ولا يُبدون أسفًا أو حنينا كلفا، كانوا ينظرون إلى الأشياءِ نظرَ الذئبِ إلى الشياه، لا يهمّهم تاريخٌ ولا وجاه، وإنما يزنون المعدنَ بميزانِ الربحِ والخسار، ويقدّرون القيمةَ بمقدارِ ما يدرُّهُ عليهم من دنانيرَ وأسفار، فإن رأوا عند امرأة إبريقًا عتيقًا، أو عند الأرملةِ سوارًا رقيقًا، قالوا: “هذا متاعٌ قد بلي، وما عاد ينفعُ في زمنِ الجلي! خذوا بدلَه إناءً جديدًا، أو مسحوقا وجه ودعوا عنكم هذا الحديدَ الصديدا”.

وكان الناسُ- رعاك الرحمن- في أزمنةِ السَّيبةِ والاضطراب، إذا اضطربَ حال الحاكمُ وغابَ الاحتساب، وخيفَ على الأموالِ من السلبِ والنهاب، احتالوا لحفظِ الثروةِ بأنواعِ الأسباب، فلم يكونوا يكدّسون الذهبَ في الصناديق، ولا يُظهرون الفضةَ في الطريق، وإنما يعمدون إلى خيوطِ الذهبِ والإبريز، فينسجونها في الثيابِ والتطريز، حتى تغدوَ الحُلّةُ في ظاهرِها كسائرِ اللباس، وفي باطنِها كنزٌ يفوقُ القياس، فترى القفطانَ الموشّى كأنّه ثوبٌ عاديّ، لا يُغري لصًّا ولا يستوقفُ عادِي، وهو في الحقيقةِ مخزنُ ثروةٍ مصونة، وذخيرةُ أيامٍ مشحونة، فإذا دهمتِ الفتن، أو تبدّلتِ المحن، حمل المرءُ مالَه على كتفيه، من غيرِ قفلٍ يحرسه أو جدارٍ يقيه، ثم تمضي السنون، ويتعاقبُ الآباءُ والبنون، فيغيبُ سرُّ الثوبِ عن الوارثين، ويخفى خبرُ الذهبِ عن الغافلين، فينظرُ الخلفُ إلى تلك الملابسِ نظرةَ الزاهدِ في البالي، ويحسبونها من متاعِ الأمسِ الخالي، فيبيعونها بثمنٍ بخس، أو يطرحونها في زوايا النسيانِ واليأس، وهي تشتملُ من الكنوزِ على ما لو بيعَ حقَّ البيع، لنقل أهلَها من ضيقِ الحالِ إلى رغدِ العيشِ الرفيع.فيبخسون الناسَ أشياءَهم بخسًا، ويكسون الطمعَ دهاءً ومكرًا وحدسًا، حتى ليبيعَ الرجلُ/ المرأة ما لا يُقدّر بثمن، وهو يظنّ أنه قد ظفرَ بالحَسَن. وربّ تحفةٍ تاريخيةٍ خرجتْ من بيتِ فقير، لتدخلَ خزائنَ التاجرِ الخبير، فيربحُ منها أضعافًا مضاعفة، بعد أن اشتراها بكلماتٍ مزخرفةٍ ومخاتلة، وهكذا كانوا يلتقطون من غفلةِ الناسِ كنوزًا، ومن بساطةِ القلوبِ حظوظًا وفروزًا، يجمعون المعادنَ كما يجمعُ النملُ قوتَه، ويكنزون التحفَ كما يكنزُ البحرُ لؤلؤتَه، حتى غدتْ أيديهم مخازنَ للأشياءِ المنسيّة، وصدورُهم دفاترَ للحِيَلِ الخفيّة.

وكانوا يشترون الذهبَ والفضةَ من المزادات، ومن أيدي الناس، فيأتونهم بالخناجرِ المحلاة، والحليِّ الموروثة، والعملاتِ القديمة، وحتى الأثوابِ المطرّزة، فيشترونها بثمنٍ معلوم، ثم يعيدون صهرها لتعودَ خيوطًا بعد أن كانت حُليًّا، وإذا ندر المعدنُ في فاس، جلبوه من أوروبا سبائكَ مصقولة، يحملها تجارُ الجملةِ إلى المدينةِ القديمة. وأمّا الحريرُ فكان يُؤخذُ من الحرّارين، وقد صبغوه بالألوان؛ فالبرتقاليُّ للنوعِ النفيس، والأبيضُ لما دونه. ثم تبدأُ رحلةُ المعدنِ من النارِ إلى الخيط، رحلةٌ لو رأيتها لعلمتَ أنّ الصناعةَ شعرٌ من نوعٍ آخر، تُنشدُه الأيدي بدل الألسن، وكان بيعُ هذه الخيوطِ يتمُّ في موضعٍ قريبٍ من سوقِ العطارين، يُعرفُ بـ “قبيب سيديني”، حيث يجلسُ التجارُ في الظلال، وأمامهم سلالٌ صغيرةٌ فيها لفائفُ الذهبِ والفضة، يزنونها بالأوقيةِ والنصف، (الأوقية تعادل وزن 32 غرامًا)، في أوقات ضعف المبيعات، كان التجار يجدون حرفيين في ورشهم لتقديم عروضهم، وفي بعض الأحيان، لاستنفاد مخزونهم، كانوا يصنعون أشياء مطرزة حسب الطلب ويعرضونها على صُنّاعِ النعالِ المطرّزة، وأربابِ الأحزمةِ والضفائر، وأهلِ الوسائدِ الفاخرة، وكلِّ من أراد أن يكسو الثوبَ نورًا، أو يجعلَ العرسَ قطعةً من بهاء. وكان أكثرُ زبائنهم من المسلمين، يشترون منهم خيوطَ الزينةِ لتطرّزَ بها القفاطينُ والبلاغي (جمع بلغة) والأحزمة، ثم تُرسلُ إلى الرباطِ وسلا ومراكش ومكناس ودبدو، ولم تكن هذه الصناعةُ تُصدَّرُ إلى خارجِ المغرب، كأنّها سرٌّ مغربيٌّ خالص، لا يعرفُ قيمتَه إلا أهلُ البلاد. فإذا كسدتِ السوق، حمل التاجرُ سلالَه، وطاف بها على الورشات، يعرضُ بضاعته على الحرفيين، وربما أمر بصنعِ قطعٍ مطرّزةٍ كاملة، ليبيعها أسهلَ وأسرع. وهكذا كانت التجارةُ عندهم حيلةً ودهاء، لا مجردَ بيعٍ وشراء.

وأعجبُ ما رأيتُ من أمرهم “دار السكة”، وهي الموضعُ الذي كانت تُسكُّ فيه النقودُ في الأزمنةِ الماضيةبفندق بحيرأس الشراطين، قبل أن تستقر في مبنى خارجي بدار اعديل القريبة من أول مجلس البلدي بفاس (بني عام 1912) بحي السياج، وبعد عام 1881، طلب السلطان الحسن الأول العملات المعدنية من أوروبا وتم إنشاء دار سكة تستخدم فقط لدمغ المجوهرات الفضية والذهبية، وفي الوقت الذي كان يضرب فيه السلاطين النقود، حيثتحوّل إلى معملٍ لخدمةِ هذه الصناعة، وكان فيها عمّالٌ مسلمون ويهود، يعملون تحت نظرِ أمينٍ صارم، فإذا دخلتَها سمعتَ صليلَ الحديد، وشممتَ رائحةَ الفحم، ورأيتَ المعدنَ يذوبُ كما يذوبُ الشمعُ تحت اللهب.وكان الذهبُ يُؤخذُ إلى ضاربي الذهب في حي الصاغة بفاس، فيصفّونه حتى يبلغَ أربعًا وعشرين قيراطًا، ثم يطرقونه صفائحَ رقيقة، تكادُ الريحُ تطيرُ بها. وأمّا الفضةُ فكانت تُصهرُ في ألواحٍ كبيرة، ثم تُرسلُ إلى دارِ السكة، حيث تُسحبُ أسلاكًا طويلة، دقيقةً لامعة، كأنّها خيوطُ ضوءٍ سالت من فجرٍ بعيد.وقد أخبرني بعضُ الشيوخ أنّ عددَ ضاربي الذهبِ كان في سالفِ الأيامِ يقاربُ الثلاثين، وأنه في عام 1928 لم يكن هناك سوى ستة أو سبعة فقط، ثم أخذ يتناقصُ عامًا بعد عام، حتى لم يبقَ منهم إلا الواحدُ بعد الجمع في عام 1937، كأنّ الزمانَ يأكلُ أبناءه، ويطوي صفحاتِه صفحةً فصفحة.فلما انتهى الشيخُ من حديثه، نظرتُ إلى أزقّةِ الملاح وحي الصاغة وسويقة الذهبان، وقد خفتَ فيها صوتُ المطرقة، وقلَّ بريقُ الخيوط، فعلمتُ أنّ الصناعاتِ مثلُ الدول، تولدُ صغيرة، ثم تشبُّ قويّة، ثم يعتريها الوهنُ إذا تبدّلتِ الأحوال، وتحوّلتِ الأذواق، ودخلتِ الآلاتُ على أعمالِ الأيدي.

وعند الحديث عن الصقلي بفاس، كان لزاما علي أن أبحث عن صناعة ذاع صيتها بفاس، فقال ناقلُ الأخبار، وساردُ الآثار، ومن جال في أزقّة فاس كما يجول السهم في الغرض، وذاق من صنائعها ما يبهج النفس ويقرّض الغرض، إنّ بمدينة فاسَ من عجائب الصنائع ما تُدهش له العقول، وتُحار فيه الأفهام وتطول به الفصول، ومن أبهى تلك الصنائع وأعلاها شأنا، وأرفعها مكانًا ومكانةً وبيانا، صناعةُ البروكار التقليدي، التي ما زالت على مرّ الدهور عنوانَ فخرٍ وزيّ مجدٍ ووشيِ عزٍّ لا يبيد ولا يفنى ولا يُجدي عليه كرّ الزمان ولا الإعادة، فيا عجبًا من بروكارٍ أُسّس على أيدي صناعٍ وفدوا من الأندلس، كما يفد النور إلى القلب المندسّ، فامتزج في فاس امتزاجَ الروح بالجسد، وانصهر في ثقافتها انصهارَ الذهب في المعدن الأشد، حتى صار من أعرق الحرف وأرسخها في التقاليد، وأثبتها في سجلّ المجد التليد.

ويُروى في أخبارِ فاسٍ، حاضرةِ المغربِ وحليّةِ الدهر، أنَّ صناعةَ البروكارِ قديمةُ الجذور، عريقةُ الحضور، ترجعُ إلى القرنِ الثالثَ عشرَ، يومَ كان السلاطينُ المرينيونَ الأُوَلُ يشيّدون المُلكَ تشييدًا، ويُقيمون للعِلمِ والفنِّ مجدًا مشهودًا، وفي تلك الأيامِ وفدَ إلى المغربِ صُنّاعٌ من أهلِ الأندلس، قد حملوا معهم أسرارَ النسجِ وألوانَ الديباج، فامتزجتْ صناعتُهم بروحِ المغرب، وانصهرتْ في ثقافتِه كما ينصهرُ الذهبُ في البوتقة، حتى غدا البروكارُ زينةَ المجالسِ، وحُلّةَ الأفاضلِ والنفائس. ثم دارتِ السنونُ، وتعاقبتِ القرون، حتى بزغَ في القرنِ التاسعَ عشرَ نجمُ آلِ بن شريفٍ بمدينةِ فاس، فاشتهروا بهذه الحِرفةِ اشتهارَ البدرِ في الليالي القِفار، وصاروا حُفّاظَ هذا التقليدِ وحُماتَه، ينسجون بالخيط باليد، ويورِّثون السرَّ للحفيدِ عن الجدِّ، فلا تنطفئُ نارُ الصناعةِ ولا يذبلُ ذلك الازدهار، وكان الذهبُ الذي يُستعملُ في نسجِ الديباجِ الفاسيِّ، منذُ القرنِ الثامنَ عشرَ إلى مطلعِ القرنِ العشرين، من عيارِ إحدى وعشرينَ قيراطًا، يلمعُ لمعانَ الشمسِ إذا أشرقت، ويخطفُ الأبصارَ إذا تألّقت. ثم تبدّلتِ الأحوالُ، وصارتِ الخيوطُ الذهبيةُ المعروفةُ بـ”الصقلي “هي المعتمدةَ في هذا الزمان، وكان الرجلُ الفاسيُّ أولَ من تزيّا بهذا القماشِ النفيس، فصنعَ منه قفطانَ “الملس”، يلبسه دلالةً على الفروسيةِ والمجد، وعلامةً على الانتسابِ إلى أعيانِ القومِ وذوي السؤددِ والكرم. فلمّا غابَ ذلك القفطانُ الرجاليُّ عن الأبدان، تلقّفته المرأةُ المغربيةُ بيدِ الإعزازِ والإكرام، فاتخذتْه لباسًا للزينة، وستورًا للبيوت، وحُلَلًا للأعراسِ والمواسمِ والأفراح، حتى بقي البروكارُ شاهدًا على مجدِ الصنّاع، ولسانًا يروي أخبارَ الجمالِ عبرَ الأزمان.

وقد حُدِّثتُ عن البروكارِ حديثَ السِّحرِ إذا سَرَى، وعن الدِّيباجِ إذا ازدهى، فدنوتُ من شيخٍ دمشقيٍّ (وأهل دمشق بارعون في الصنعة) قد وخطَ الشيبُ مفرِقَه، واستوطنَ الحِذقُ مرفقَه، فقلتُ: يا هذا، ما خبرُ هذا النسيجِ الذي دانتْ له الملوك، وخضعتْ لجماله العيونُ والقلوب؟ فتنحنح تنحنحَ الأديب، وتبسَّم تبسُّمَ اللبيب، وقال:”يا بُنيّ، إنَّ للبروكارِ في سوريةَ تاريخًا يضربُ في أعماقِ الدهور، فمن قائلٍ إنَّ عمرَه ألفٌ ومئتا عام، ومن زاعمٍ أنَّه يمتدُّ إلى ثلاثةِ آلافِ عام، وكان يُدعَى الدِّيباج، وهو الثيابُ المتَّخذةُ من الإبريسم، والإبريسمُ لفظةٌ فارسيةٌ عُرِّبت، ثم استقرَّت في لسانِ العربِ واستعذبتها الأسماع، وكان هذا النسيجُ لباسَ الأمراءِ والسلاطين، ومركبَ الفخرِ والزينة، حتى إذا مضتِ الأعوامُ وتداولتِ الأيام، أبدعَ الحرفيُّ الدمشقيُّ في صناعته منذ نحو مئتي سنة، فأخرجه في أبهى حلّة، وأزهى طلعة.” ثم أردفَ يقولُ، وقد تلألأَ في عينيه بريقُ الحنين: “ولم يزلِ الصناعُ يزيدونه تحسينًا وتلوينًا، حتى صار في مطلعِ القرنِ الماضي يُعرَف بالبروكار، وغدا قماشُ البروكار الدمشقيُّ أشهرَ المنسوجاتِ وأفخرَها في أقطارِ الأرض. يُنسَجُ من خيوطِ الذهبِ والفضةِ والحريرِ الطبيعي، وتنفردُ به دمشقُ الشامِ منذ القدم، حتى اقترن اسمُها به اقترانَ الروحِ بالجسد، وصار يُعرَف في العالمِ باسمِ(damask).”

وقد ذكرتِ الأخبارُ المأثورة، والرواياتُ المسطورة، أنَّ البروكارَ من أنفسِ الأقمشةِ الدمشقيةِ وأغلاها ثمنًا وأعلاها شأنًا، يُنسَجُ يدويًّا بخيوطِ الذهبِ والفضةِ والإبريسم، وتتراقصُ فوقه الزخارفُ كأنها جنائنُ مزهرة، أو كواكبُ منثورة، وقد انفردَ الدمشقيونَ بإتقانِه، حتى ذاع صيتُه في المشارقِ والمغارب، وغدا لباسَ الملوكِ والأمراء، وحُلَّةَ العظماءِ والكبراء، ثم قال: “وأما اسمُه، ففيه رواياتٌ شتّى؛ فمنهم من يردُّه إلى لفظةِ (بروكاتيلو) الإيطالية، وهي القماشُ الحريريُّ المفنَّنُ المطرَّزُ بخيوطٍ ذهبيةٍ أو فضية، ثم حُرِّف في الفرنسيةِ إلى بروكار، ومنها انتقلَ إلى العربية. ومنهم من زعم أنَّ أصلَه (برو ـ كار) تيمنًا بإبراهيمَ الخليل، إذ أقامَ في بلادِ ما بين النهرين، واحترفَ النسجَ والتطريز”، وذَكَرَ بعضُ أهلِ الأثرِ والخَبَر، أنَّ أصلَ لفظةِ “برو-كار” يعودُ إلى الأكَدِيِّينَ الأُوَل، وأنها جرتْ على ألسنتِهم منذُ نحوِ خمسةِ آلافِ عامٍ أو يزيد. فأمّا “كار” فكانتْ عندهم تدلُّ على الصَّنعةِ والحِرفة، ومنها قولُهم: “شيخُ الكار”، أي سيِّدُ الصُّنّاعِ وأميرُ أهلِ الابتكار، ومنها اشتُقَّتْ “الكِراء” لما يُؤخذُ عليه الأجرُ والدينار. وأمّا “برو” فمعناها النسيجُ والحياكةُ والفِراءُ والبُسُطُ الموشّاةُ بالأزهار، ثم دارتِ الألسنُ وتحوَّلتِ الحروف، فحلَّتِ الفاءُ محلَّ الباءِ الثقيلةِp في كثيرٍ من الألفاظِ الأكديّة، فصارتْ “برو” تُقالُ “فرو”، وبقي المعنى وإن تبدّلَ المبنى، وصدقَ القائلُ: تتغيّرُ الحروفُ وتبقى الآثار.

ثم انتقلَ إلى وصفِ الصناعةِ انتقالَ الشاعرِ إلى الغزل، فقال: “إنَّ البروكارَ يُصاغُ من حريرِ دودةِ القزِّ التي كثرتْ تربيتُها في غوطةِ دمشقَ، لما خصَّها اللهُ به من طيبِ المناخِ وجودةِ التربة. وله أنواعٌ شتّى تختلفُ باختلافِ ما يُخالطُ الحريرَ من عناصرَ وألوان؛ فمنه المزخرفُ ومنه الساذجُ الملوَّن. ولكلِّ قومٍ لونٌ يعشقونه؛ فالألمانُ يهوَون الأزرقَ البروسي، والسويديونَ يُؤثرون الزهرَ الفاتحَ الكريم، والأميركانَ يميلون إلى الرماديِّ الرزين”، ثم أخذَ يشرحُ دقائقَ النسجِ شرحَ العارفِ الخبير، فقال: “يُرسَمُ الشكلُ أو الطيرُ أو العِرقُ على ورقٍ ميليمتري، على ألا يتجاوزَ عرضُه خمسةَ سنتيمتراتٍ إذا نُسِجَ على نولِ الأربعمئةِ سنارة، أو عشرين سنتيمترًا في بعضِ الرسوم. ثم يُطبَّق الرسمُ على ألواحٍ كرتونيةٍ تعلو النول، وتُسمَّى الجاكار، وهي متصلةٌ بسنانيرَ دقيقة. فإذا دارَ النولُ مرَّ المكوكُ بين الطيقان، وأما خيوطُ الذهبِ فإنها ترفعُ السناراتِ بحسبِ الثقوبِ المرسومة، حتى يكتملَ الشكلُ ويتكررَ النسق، وكأنَّ النسّاجَ ساحرٌ يُخرجُ من الخيوطِ حدائقَ وأنهارًا، لا أثوابًا وأستارًا.”

وقال السارد للآثار، ممن طاف بمدخل وادِي الزحون بالمدينة العتيقة فاس من جهة درب النوار، وتلمّح في أزقّة المدينة العتيقة ما يذيب العيون، إنّه لم يبقَ من صُنّاع البروكار بفاس إلا واحدٌ فريد، كأنّه في القوم وحيدُ الزمان والوريد، يقيم داخل ورشةٍ صغيرة، تضيق بها الدروبُ وإن كانت في المعنى كبيرة، حيث يسكن الصمتُ بين الجدران، ويهمس الخشبُ بأسرار الأزمان، يُرى عبد القادر الوزاني، (عمره فوق الثمانين عاما) قائمًا على آلةِ نسجٍ خشبيةٍ قديمة، كأنّها من عهدٍ سحيقٍ أو من ذاكرةٍ مقيمة. يمدّ خيوطها الحريرية مدّ العارف الخبير، ويشدّ أوصالها شدّ الصابر المستنير، فتخرج القطعةُ على قدر الطلب، شاهدةً على يدٍ لا تعرف التعب ولا النصب.وإذا ذُكر البروكار في فاس، قيل، ذاك الوزاني بلا التباس، فهو اليوم حافظُ السرّ، ووارثُ الفنّ والدرّ، كأنّه خُلق ليكون آخرَ السلسلة وأولَ الحكاية، وأمينَ الصنعة في نهاية الرواية.ويحكي الرجل، وقد جاوز به الزمانُ طورًا بعد طور، أنّ هذا الفنّ لم يأتِ من فراغٍ ولا من فجور، وإنما ورثه عن معلمه، ذاك المنتمي إلى عائلة بن الشريف الفاسية، التي كانت في الحرفة أساسًا ورأسًا ورايةً رئيسية، ولتلك العائلة تاريخٌ طويل، في البروكار أصيلٌ غير دخيل، إذ يعود لها الفضل في إدخاله إلى المغرب عام 1920، يوم كانت فاسُ ملتقى الفنون، ومجتمعَ الصناعاتِ دون ظنون.

وقد ذاع صيتُ ثلاثةٍ من معلميها الكبار، الودغيري وبن جلون وبناني، فكانوا في إدارة المشاغل كالأنجم في السجاني، يضبطون الإيقاع، ويقيمون للصنعة الذراع، حتى صارت ورشاتهم مضرب المثل في الدقة والإبداع.ثم دار الزمان دورته، وانقلبت الأحوال من صورتها وصورته، ففي عام 1923، كانت فاسُ تعجّ بالبروكار تعجًّا، حتى بلغ عدد المعلمين أزيد من 212 معلمًا، ينسجون المجد نسجًا، وتشتغل بين أيديهم الورشات، ويقوم على خدمتهم نحو 114 من الحرفيين في الجهات.أما اليوم، فالعجب كل العجب، إذ لم يبقَ من تلك الرتبة إلا صاحب النول الوحيد، في مدينةٍ كانت بالزمان المجيد، تُعرف ببروكارها كما يُعرف القمرُ بالليل البهيّ المنير.وهذا النول، على فرط قدمه، هو أعقدُ ما في الصنعة من أدواتها وقدمِه، إذ تقوم آليته على تركيبٍ دقيق، لا يفهمه إلا صانعٌ رفيق. يحتاج في تشغيله خمسةً إلى ستة رجالٍ أقوياء، يتناوبون عليه كأنهم في سلكٍ من الأتقياء، يتحكمون في تسديته التي تبلغ أحيانًا ستة آلاف خيط، في مشهدٍ يعجز عنه الوصفُ ويضيق عنه المحيط، وفيه نظامُ جذبٍ معقّد، يتيح زخارفَ دقيقةً متعددةَ الألوان، كأنها وشيُ بستانٍ في ربيع الأزمان، لا يُحسنها إلا من ملك الصبر والبيان، وهكذا ظل عبد القادر الوزاني، لأكثر من ستة عقودٍ بالأماني، ملازمًا لنوله لا يفارقه، كأنّ بينه وبينه عهدًا لا يطارقه. موعده معه ثابتٌ لا يتغير، وعمله به لا يتأخر ولا يتأثر، في مشهدٍ تُغذّيه علاقةُ حبٍّ متبادل، بين إنسانٍ وصنعةٍ كأنها قدرٌ خالد، فيا لها من حرفةٍ أصيلة، وإن قلّ أهلها اليوم قلّةً قليلة، لكنها ما زالت تشهد أن في فاس يدًا تصنع، وقلبًا يخشع، وتراثًا إن ضاع الناسُ عنه، فهو في ذاكرة الزمن لا يضيع.

وقال ساردُ الحكاية، إنك إن جلستَ إلى عبد القادر الوزاني، وهو على أعتاب نهاية التسعين من سنين الحكاية والبداية، خُيِّل إليك أنّ الحرفة فيه روحٌ تسري، وأنّ الزمن عنده لا يجري بل يَسري، فهو لا يكلّ ولا يملّ، ولا يعرف للراحة سبيلاً ولا يخلّ، بل يمضي نهاره كلّه في نسجِ مترٍ واحدٍ، كأنّه يصوغ من الخيط وعدًا خالدًا ووحدًا واحدًا، ويخرج من بين يديه البروكار زاهيًا بهيًّا، تُبهر نقوشُه الأبصارَ وتُعلي المحيّا، كأنّ الزخرف فيه نُظمَ من ضوءٍ ونور، أو خُطّ بماء الذهب على حريرٍ من سرور.ويحدّث الوزاني، وفي صوته فخرُ العارفين، عن أول خيطٍ نسجه وهو ابن سبعة عشر من السنين، يوم كانت الحرفة له بدايةَ عهدٍ وميلاد يقين. ويقول بثقةٍ لا يعتريها ارتياب، إنه اليوم منفردٌ بصناعته في البلاد، وفي القارة الأفريقية على وجه التعداد، ولا يُخفي غبطته إذ يرى منتوجه يسافر إلى الديار، ويُطلب في الأسواق طلبَ الأنوار، حتى غدا من أنفس المقتنيات، تتباهى به الأميرات، وتتنافس فيه المشاهير والوجاهات.

ولمّا خشيَ القومُ على بروكارِ فاسٍ من الذبولِ والانطماس، بعد أن كادَ يطويه النسيانُ كما تُطوى الصحائفُ في الأكياس، انعقدتْ بمدينةِ فاسٍ معاهدةُ تعاونٍ وائتلاف، بين ممثلي اليونسكو بالمغرب، والمديريةِ الجهويةِ للصناعاتِ التقليديةِ والاقتصادِ الاجتماعي، وغرفةِ الصناعةِ التقليديةِ لجهةِ فاس مكناس، ومديريةِ التكوينِ المهنيِّ للصُّنّاعِ والحُرّاف، فاتفقتِ الجماعةُ على إحياءِ هذا الفنِّ العتيق، وصيانةِ ما بقي من ذلك الرحيق، وقضتِ الاتفاقيةُ أن يُدرَّبَ ثمانيةٌ من الفتيانِ والفتياتِ، ممّن لم يبلغوا الخامسةَ والثلاثين، تدريبًا يمتدُّ تسعةَ أشهرٍ بتمامها وكمالها، يُنتقَون بعد مسابقةٍ واختبار، ليكونوا خَلَفًا لخيرِ سلف، وحَمَلةً لسرِّ البروكارِ جيلاً بعد جيل، وشُدَّتْ أواصرُ الشراكةِ أيضًا بين اليونسكو والمعلمِ عبد القادر الوزاني، آخرِ شيوخِ هذه الصناعةِ وأمينِ أسرارها، ليقيمَ ورشةً للتلقينِ والتعليم، يورِّثُ فيها دقائقَ النسجِ لأهلِ الفهمِ والتقويم، وقد نهضَ بعضُ صُنّاعِ القفطانِ المغربي، ومنهم محمدُ الخضر، لإحياءِ هذا التراثِ الأثير، فصاغوا قفاطينَ من البروكارِ الفاسيِّ، أعادوا فيها رسمَ الزخارفِ القديمةِ بحُلَلٍ جديدة، حتى دبَّتْ في الصناعةِ روحٌ بعد خمود، وعادَ لها من البهاءِ ما كان مفقود.وللبروكارِ نوعانِ مشهوران: “البهجةُ” و”الخريب”، وأمّا آلاتُه فلم تتبدّلْ منذُ سالفِ الأزمان، فما يزالُ النسّاجونَ يستعملون “المرمةَ بالجباد”، وهي نولٌ خشبيٌّ ذو هيئةٍ شبهِ منحرف، تقومُ عليه العوارضُ واللفائف، وتُشدُّ فيه خيوطُ السَّدى شدًّا محكمًا برافعةٍ وأثقال، حتى يخرجَ النسيجُ كأنّه روضٌ منمنمُ الظلال.

أما البروكار، فهو ثوبٌ فخمٌ، جليل القدر، رفيع الصبر، يغلب عليه القماش المقصّب، حتى كأنّه فجرٌ على ليلٍ قد غُيّب، تتداخل فيه خيوط الحرير أو الصابرة أو القطن، بخيوط الذهب والفضة في حسنٍ يفتن ويخطف ويُفتن،وكانت هذه الصناعة في القرون الخوالي، لا سيما في القرن الثامن عشر العالي، تُستعمل فيها خيوط الذهب من عيار 12 والفضة بغير ارتياب، ولا يُعدل عنها إلى غيرها من الأسباب، حتى إذا جاء القرن التاسع عشر وانقضى، ودنا القرن العشرون وارتضى، تغيّرت الأدوات ولم تتغيّر الهيبة، وبقيت الصناعة على الرتبة الرتيبة، ثم صار يُستعمل في زماننا هذا ما يُعرف بـ”الصقلي”، وهو الخيط المذهب الذي لا يُنكر فضله ولا يُستعلى عليه في المحافل والمحلي، وكان الرجل الفاسي في سالف الزمان، سبّاقًا إلى هذا القفطان المسمّى “الملس” في الإتقان، يلبسه عنوانَ فروسيته، ودليلَ مروءته وهويته، وإشارةً إلى انتمائه لأعيان القوم وسادته، فإذا مشى به في الأسواق، حسبه الناظرون من أهل الذوق واللّياقة في ركب الملوك والسلاطين والسياق، ثم دارت الدوائر، وتغيّرت السرائر، فانقرض قفطان الرجال المخصوص، وبقي أثره محفوظًا غير منقوص، فانتقل البروكار إلى النساء انتقالَ المجد من سيف إلى خمار، ومن صدرٍ إلى أستار، فاستعملته في الألبسة والتزيين، وفي المنازل والعُرس والحفلات حين التزيين، ويا للعجب من حرفةٍ عظيمة الشأن، جليلة البنيان، هي اليوم من الحرف المميزة، ولكنها مهددة بالانقراض في المدينة العزيزة، حتى لم يبقَ من يُحسنها إلا معلمٌ واحد على مستوى الوطن، كأنه بقيةُ سيفٍ في يد بطلٍ فطن،  وقد تفرعت عن هذه الحرفة أنواعٌ شتى، لكل نوعٍ بهاءٌ ومبتدأ، فمنها الخريب، ومنها البهجة العجيب، ولكلٍ استعمالاتٌ في المجتمع المغربي الأريب، من الحزام والخدية والتلميطة، وما شابهها من زينةٍ رقيقةٍ أنيقةٍ بليطة.

واعلم رحمك الله، أن هذه الصناعة وإن عظمت وجلا قدرها، فإنها لم تُمسّها يد التغيير في آلاتها ولا غيرها، فما زالت آلة “المرمة بالجباد” قائمةً على حالها، ثابتةً في مقالها، تختلف كل الاختلاف عن مرمة الدرازة التقليدية، كما يختلف البحر عن الساقية الندية. غير أن رسومات البروكار، لم تبقَ على حالٍ واحدٍ من المدار، بل عرفت تطورًا عجيبًا، وتجديدًا رحيبًا، يواكب العصر في ذوقه وإبداعه، وفي حسّه وجماله وابتداعه، حتى صار الفن فيها يجمع بين القديم الأصيل، والجديد الجميل، في توازنٍ لا يطغى فيه ماضٍ على مستقبل، ولا يغلب فيه شكلٌ على معقل. ورغم فخامة هذا المنتوج، وغلاء ثمنه في السوق والترويج، وطول مدة إنتاجه الذي يرهق الصبور، ويختبر الصنعة والصبر على مرّ العصور، فإنه قد حافظ على مكانته، ورسوخ صورته وسمعته، وجودته ورواجه في الأسواق، كأنه عقدٌ في جيد الأيام والأعناق، وذلك لما يتطلبه من مهارةٍ ذهنيةٍ عالية، وقوةٍ بدنيةٍ متعالية، وصبرٍ طويلٍ لا ينفد، وتركيزٍ شديدٍ لا يبدد، إذ يستخدم الصانع يديه ورجليه وعقله في آنٍ واحد، كأنه آلةٌ بشريةٌ في وحدة الجهد والاتحاد،  فيُشغّل أدواتٍ متعددة، مصنوعةٍ غالبًا من الخشب الجيد، كالمرجة والناعورة وآلة التدوار والمكوك أو النزوقة، وخيوط الشرايط أو السبيب، في دقةٍ متناهيةٍ وترتيبٍ عجيب. ولكل مرحلةٍ في هذه الحرفة رجالٌ مخصوصون، وأسماءٌ معلومةٌ بها يُعرفون ويُخصّصون، فمنهم الزواق أو الرسام على الورق، وهو الذي يخطط شكل الزواق وألوانه بلا قلق، مستأنسًا برأي الصانع المعلم، وموافقًا لذوق الزبون المكرم. ومنهم النيار، صانع الشفرة والمنسج بلا عار، يعمل خارج وحدة الإنتاج مستقلاً في القرار. ومنهم المدور، الذي يلفّ جعب القصب بالخيوط في نظامٍ مدبّر، في عمليةٍ تسمى البوبيناج أو الكانتاج، وهي من دقائق الإنتاج، ومنهم الجباد، الذي يجرّ خيوط السبيب حزمةً فحزمة، حتى يتشكل الزواق في أبهى قسمة، وأما الصانع المعلم، فهو الرأس والعلم، والموجّه والحاكم، والمراقب لكل عملٍ قائم، يواكب جميع المراحل، ويُحكم التفاصيل والأحوال، ويملي الأدوار على الصناع، كأنه قلب الحرفة وساع، وهو الذي يلفف المطاوة بالخيوط الحريرية، ويختار الألوان اختيارًا برؤيةٍ فنية، ويُنسّق مع الزبون والرسام، ويحدد الثمن والإبرام، ويشتري الخيوط ويُهيئ الفتاقي، ويُدبّر كل ما في الصنعة من البواقي، وهو يحدد عدد النيرات والخيوط، ويضبط الزواق ضبطًا لا يخطئه التخطيط. ثم إن مراحل الإنتاج لا بد فيها من ترتيبٍ وانسجام، وسيرٍ منتظمٍ كأنّه نظام، فتبدأ باختيار شكل ولون الزواق، ثم إعداد الشفرة والمنسج على نسقٍ متّسقٍ دقاق، ثم صفح الخيوط على آلة الصفح بلا اضطراب، ثم تلفيف المطاوة وتركيبها في المرمة بلا ارتياب. ثم تُركب خيوط السبيب على آلة الوخم وألواح الفتاقي، ويُهيأ المنسج إعدادًا دقيقًا لا يُبقي مجالاً للبواقي، ويُعدّ “التستار” لضبط الزواق، ويُملأ المكوك أو النزوقة بجعب القصب في انتظامٍ واتساق، وهكذا حتى إذا اكتملت الأسباب، وتكاملت الأبواب، انطلقت عملية النسج أو الحياكة، فخرج البروكار في أبهى حُلّةٍ ووشيكة. فهذه يا سامع الكلام، حرفةٌ هي من مفاخر الأيام، ورمزٌ من رموز فاس العظام، لا تزال رغم التحديات قائمةً، ورغم التحولات دائمةً، تشهد بأن في فاس يدًا تُبدع، وعقلًا يصنع، وتراثًا لا يضيع.

فقلتُ في نفسي، وقد وقفتُ على آثارِ أولئك القوم في صناعى الصقلي والبروكار، ورأيتُ ما خلّفه الزمانُ من رسوم، رحمَ اللهُ أهلَ الصنعة، أربابَ الحذقِ والجلي بلا بدعة، ما أعجبَ شأنَهم، وما أبدعَ بيانَهم بالفعلِ قبل القول، وبالصنعةِ قبل الطول، قومٌ أخذوا المعدنَ الجامدَ من صمتِ التراب، فألبسوه من الحسنِ ما يُحيّرُ الألباب، وجعلوا الذهبَ المكنونَ في الصخور، ينسابُ خيوطًا في الأثوابِ والستور.أوقدوا النارَ لا للهدمِ والإحراق، بل للزينةِ والإشراق، وطرقوا الفضةَ بالمطارقِ طرقَ الشاعرِ للمعاني، حتى غدتْ رقائقُها كخيوطِ الفجرِ إذا تناثرَ على الأغصانِ والدُّورِ والدنان. ثم لفّوا عليها الحريرَ لفَّ العاشقِ على جيدِ الحبيب، فإذا الثوبُ يلمعُ لمعانَ الكوكبِ القريب، وإذا القفطانُ كأنّه صفحةُ ماءٍ رقراق، نثرتْ عليها الشمسُ ذرائرَ الأحداق.ما كانوا صُنّاعًا فحسب، كانوا أصحابَ ذوقٍ وأربابَ أدب، يغزلون الذهبَ كما يُغزلُ الكلام، ويصوغون الزينةَ كما تُصاغُ القصائدُ الحِسان. فإذا امتدتْ أيديهم إلى الخيط، حسبتَها أقلامًا تكتبُ على وجهِ الدهرِ سطورًا من نور، وإذا ضربوا المعدنَ على السندان، خُيّلَ إليك أنّ للمطارقِ أوزانًا وأنغامًا كأشعارِ البيان.

ثم دارتْ عليهم دوائرُ الزمان، وأتى عليهم ما يأتي على العمران، فخفَتَ صوتُ المطرقة، وانطفأ وهجُ الحرفة، وغدتْ دورُ الصقلي بعد الضجيجِ موحشة، وبعد الامتلاءِ خاليةً مقفرة. وغاب الرجالُ الذين كانوا يحيكون المجدَ بالخيوط، كما يغيبُ القمرُ إذا ابتلعته الغيوط.فما بقيَ منهم إلا ذكرٌ تتناقله المجالس، وخبرٌ ترويه الألسنُ للدارس، وآثارٌ باهتةٌ في خزائنِ العتيق، تشهدُ أنّ قومًا مرّوا من هذا الطريق، وهكذا شأنُ الدنيا، تُضحكُ حينًا وتبكي حينًا، وتبني للناسِ قصورًا ثم تتركها للريحِ والطين، فلا يبقى إلا الأثرُ والخبر، ولا يدومُ إلا وجهُ الدهر.

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى