في البحث عن مسرح بدون مسرحيين


الدكتور عبد الكريم برشيد
يقول شاعر الحكمة و حكيم الشعراء ابو العلاء المعري:
(ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا
تجاهلت حتى قيل أني جاهــــــــــــــل
فواعجبا كم يدعي الفضل ناقــص
ووا اسفا كم يظهر النقص فاضل)
وهذه الصورة ليست صورة حقيقية بكل تاكيد، لأنها تضع الإنسان في غير موضعه، وتعطي القيمة لمن لا قيمة له، وتنزعها عن من يستحقها، وهي تكشف عن الوقائع المختلة في الواقع المختل، ولا تكشف عن الحقيقة فيه، وبهذا فهي تحتاج الى تصحيح، وإلى كثير من التوضيح، فادعاء المعرفة والحكمة فعل غير مقبول، كما ان التواضع الذي يزيد عن حده، ويكون في غير موضعه، وعند غير اهله، لا يمكن ان يكون تواضعا محمودا، وهو بهذا فعل مرفوض ايضا، وقد يحتاج الفعلان معا الى استنكار ايضا، وليس مقبولا ابدا، منطقيا اخلاقيا، ان يصبح العالم جاهلا، وان يصبح الجاهل عالما، و المفروض ان يكون كل واحد حيث ينبغي ان يكون، وان يكون بحجمه وبوزنه وان يكون بصفاته الحقيقية، والأمر في مثل هذا الحال يحتاج الى المراجعة، فالناقص الذي يدعي الكمال ينبغي فضحه، و السيء الذي يدعي الكمال ينبغي ان تظهر له وجهه في المرآة، و بالمقابل، فإن الكامل الذي يظهر النقص عفة تواضعا، ينبغي تقدير تواضعه, وينبغي اخذ تواضعه بعين الاعتبار، والساحة العلمية تعج اليوم بنماذج بشرية كثيرة تعرف فقط كيف تسوق نفسها في سوق القيم، ولا تعرف اي شيء اخر، تماما كما يمكن ان نجد ذلك في مجال الآداب وفي مجال الفنون وفي مجال السياسية، ورحم الله الحكيم الشعبي سيدي عبد الرحمن المجذوب الذي قدم هذا الواقع في الصورة التالية:
(تخوضات ولا بغات تصفى ولعب خزها فوق ماها ساسة من غير مرتبة هما شباب خلاها)
ويمكن أن نضع في موضع كلمة الساسة كل اصحاب المهن الأخرى، في الفن وفي العلم وفي الفكر وفي الصناعة، لنعرف أن العملة الزائفة تطرد العملة الحقيقية، ولهذا يتوارى العلماء والحكماء الى الخلف، و يتقدم الجاهلون و الانتهازبون الصفوف، و يتقدم نوع آخر من العارفين، اي اولئك الذين يعرفون شيئا واحدا فقط, والذي هو من اين ( تؤكل الكتف)
وفي مثل هذا المشهد، العبثي و الفوضوي و الكاذب و المزيف، هل يحق للعاقل ان يصمت؟ وهل يحق للعارف ان يغيب وان يترك مكانه فارغا، من اجل ان يملأه الجاهلون جهلا؟وهل من الحكمة أن نؤمن بالحكمة، وان نخون الحكمة، وان نتنكر لحملة الحكمة، وان تتمثل بذلك المثل الشعبي السائر، والذي يقول ( الصمت حكمة)؟
لا .. يا سادة .. لا وألف لا، وألف كلا أيضا. إن الصمت الجبان ليس حكمة، ولا كان في يوم من الأيام حكمة، ولا علاقة له اطلاقا بالمحكمة، وهو بالتاكيد خيانة، أو هو تجارة خفية، تجارة فيها البائع وفيها ( الشاري) وقد يكون فيها الوسيط السمسار ايضا،وهل من المعقول أن نقفز على اساسيات المنطق وعلى اساسيات العقل، وان نقر ما لا يقره العقل؟
هي صورة لا منطق فيها، ولا عدل فيها، ولا اخلاق فيها، ونحن نقترف هذا اللاعدل ونحن نعرف أن العدل اساس الملك، وان ما بني على باطل فهو باطل، وانه في النهاية لا يمكن ان يصح إلا الصحيح
مسرح كبير بعقليات صغيرة
ليلة الأربعاء الماضي(22 أبريل 2026)، كان الموعد مرة اخرى مع التاريخ في الوطن المغربي، وكانت المناسبة هي افتتاح مسرح الرباط الكبير، والذي جاء من اجل ان يكون صرحا حضاريا يحتفي بإنسانية الإنسان وبحيوية الحياة و بمدنية المدينة وبجماليات الجمال، وفي نفس وقت ذلك الافتتاح، كنت على اتصال على الهواء مباشرة مع اذاعة طنجة، وذلك في حوار حول معنى وجود صرح ثقافي في مدينة اختارت ان تكون عاصمة ثقافية، وان تكون عاصمة الأنوار العلمية والفكرية والجمالية قبل ان تكون عاصمة سياسية ، ولقد كان على الطرف الثاني في ستوديو إذاعة طنجة الفنان والإعلامي والأديب سعيد كوبريت، وكالعادة دائما، طرح الأسئلة الواضحة التي ينبغي ان تطرح، بعيدا عن لغة الخشب، وبعيدا عن الإنشائيات، والتي قد تتكلم، من غير أن تقول شيئا، اما السؤال المركزي في هذا الحوار فقد كان هو السؤال، اي ابداع مسرحي يمكن ان يكون في مستوى هذا الفضاء المسرح، ويمكن ان يكون في مستوى عظمته و فخامته وفي مستوى غناه؟

ولقد اكدت في هذا الحوار على ان يكون هذا الصرح الحضاري اكبر وأخطر، من ان يكون مجرد قاعة حفلات فنية، لأن الأساس هو ان يكون مسرحا شاملا و متكاملا، وان يكون ملتقى الفنون و ملتقى الآداب وملتقى الثقافات وملتقى الحضارات و ملتقى اللغات وملتقى الاجتهادات وملتقى الاختيارات وملتقى الحساسيات الفنية والجمالية، وان يكون في مستوى عبقرية المغرب،وفي مستوى عبقرية المبدع المغربي. هو اذن، مسرح جميل، في مدينة جميلة، وفي وطن مغربي جميل، وفي مناسبة احتفالية جميلة، ولقد كان من المنطقي ان يتم الاحتفاء به بطريقة تليق به وبجماياته، وان لا يكون مناسبة لتصريف النزعات المرضية لدى بعض الكائنات الشبحية غير السوية، والتي كان من مهامها داىما هو ان يوجد المسرح، ولكن بدون مسرحيين، وان توجد الصناعات الإبداعية بدون وجود الصناعي المبدعين وهذا هو ما يفسر ان يغيب عن فعل تدشين المسرح مبادئ المسرحيين المغاربة، والذين لهم وجود في وجدة وبركاته وتازة وفاش ومكناس والخميسات وسلا والجديدة واكاير وترودانت وورزازات والراشدية والناظور والحسيمة. نحن في هذا المغرب المتعدد نقول (المسرح يجمعنا) وهم في المقابل يقولون (المصالح المتفرقة في هذا المسرح تفرقنا)
وفي معنى الغياب يقول الاحتفالي بانه خيانة، وفي فعل التغييب يقول هو قتل معنوي ورمزي، وفي مجال الإبداع الأدبي والجمالي قد تجد كثيرا من الاسماء التي مازالت قادرة على العطاء والإبداع، والتي (فضلت) الصمت، او ارغمت على الصمت، وارغمت على الموت، قبل زمن الموت
وفي هذا الغياب الذي قد يشبه الموت، يقول أنس لحلو، الشاعر الزجال والمثقف العضوي ما يلي”
(لا عليكم أيها المسرحيون منزل غيب أهله غابت عنه حتما روحه)
وفي اليوم العالمي للمسرح كتب المسرحي الاحتفالي على جداره الثابت في الفيس بوك مقالة بعنوان (هذا عيد المسرح، فاين عيد المسرحيين؟)، وفي هذه المقالة، وبخصوص الاحتفال بالمسرح في غياب الاحتفاء بالمسرحيين، يطرح الاحتفالي التساؤلات التالية:
ــ في مسرح لا فعل فيه، ولا فاعلية فيه، ولا تفاعل فيه، ولا وجود لمشروع فيه، ولا طموح فيه، ولا عشق فيه ولا عبقرية فيه ولا جنون فيه؟
ــ اين هو الفاعل المسرحي المفكر و المنظر والمسافر و المخاطر؟، واين هو الفعل المسرحي، الجاد والجديد و المتجدد، والذي يمكن ان يعكس رؤيتنا الجدية للعالم ؟، وهل فعل ما تم فعله من قبل، وكتابة ما تمت كتابته لدى الآخرين، في الثقافات الأخرى وفي اللغات الاخرى وفي السياقات الفكرية والجمالية الأخرى، وفي السياسات المسرحية الأخرى، يمكن ان يكون نافعا ومجديا لنا، في لحظات نحن ـ الآن ـ هنا، وان يكون له معنى؟)
المسرح فكر قبل كل شيء، والمسرح هو الإنسان وعبقرية الإنسان، وليس اي شيء اخر، والمسرح هو حلم الحالمين، وهو اجتهاد المجتهدين، وهو شعر الشعراء، وهو الحياة ياعين الحكماء
عنوان مؤقت
وانا اليوم، عندما اتحدث عن (طرد) المسرحيين من وطنهم المسرحي ومن بينهم المسرحي، فلأنني لا افعل هذا إلا من اجل ان اتمسك بوطني المسرحي، ومن اجل ان اؤكد اعتزازي ببيتي المسرحي، ومن اجل ان اذكر كل العالم بهويتي المسرحية، مرة اخرى اقول، انا لا يهمني ان اكون اي احد غيري، ولا يسعدني ابدا ان اكون انا غير انا، ولا ادعي لي اسما غير اسمي ولا وزنا غير وزني، ولا ادعي انتسابا لصناعة ليست صناعتي, وانا في هذا متصالح مع ذاتي ومع اسمي ومع اختياراتي
ومرة في تونس، وتحديدا بمدينة في قربة المسرحي، وكنا في ندوة يؤثثثها المرحومان كرم مطاوع والمنصف السويسي وعبد الكريم برشيد، وفي الندوة سالني سائل، لماذا هذا التاكيد المتجدد لديك على الهوية وعلى سؤال الهوية؟ وفي الجواب قلت، لأنني أحب الحقيقة، ولأنه يهمني ان تصدقني، وبخصوص هذه الحقيقة اسالك، لو قلت لك، انا عبد الكريم برشيد سويدي، فهل تصدقني؟ فقال لي لا..
وتدخل على الخط المنصف السويسي ليذكر لنا واقعة مع استاذه العقربي، والذي كان مولعا بالسؤال عن اصل الأسماء لدى تلاميذه، ولقد سأله من اين جاءك اسم السويسي؟ فكان جوابه لأنني من سويسرا يا استاذ, فقال الأستاذ العقربي ( لا باين عليك انك انت من سويسرا، لعنة الله عليك)
وانا ما قلت للناس بانني عالم في الذرة، ولا كتبت بانني عالم في الفيزياء او في الكيمياء، ولكنني قلت وكتبت بانني رجل مسرح، وبان حاضر هذا المسرح يهمني، تماما كما يهمني تاريخه، و يهمني مستقبله، ويهمني ان يكون المسرح في هذا الوطن ( مسرح الناس)
واعترف بانني كاتب، وبان كتابتي تنتمي إلى المسرح، واعترف انتي قد مارست الإخراج المسرحي، وانني بهذا فنان، حتى من غير ان تكون بحوزتي بطاقة فنان، ولا اتصور انه من المنطقي ان يقول لي شخص لا اعرفه، في لجنة لا اراها، ( انت فنان) وان يعطيني بطاقة يشهد لي فيها بانني فنان، وان اكون ملزما بان اقول له في الجواب (هذه معلومة جديدة لم اكن اعرفها، وعن هذا الكشف العبقري، والذي لا يقل خطورة عن اكتشاف العجلة او اكتشاف قارة جديدة) الله يكثر خيرك) ليقول لي انت فنان
وأقول له انا ( حقا؟ مافي باليش)
البساط الأحمر في السينما، السنما في السينما شيء معقول، اما السينما في المسرح فهي اللامعقول
السينما صورك، ونحن في المسرح لا نبحث عن مجرد صورك، نحن نبحث في المسرح نبحث عن الحياة، ونبحث عن الحقيقة،
وبخصوص معنى الاحتفال، وبخصوص الحق في الاحتفال بالنسبة للإنسان، يقول ذ. محمد الغياط في تعقيبه على المقالة السابقة: (الإنسان احتفالي بطبعه، يبدأ احتفاله بميلاد في بطن امه, يميل يمينا و شمالا و يحتفل فرحا حين ميلاده, فيتنفس هواء الحياة. في كل مرة تكتب استاذ برشيد تدعونا لأن نحتفل معكاجي نحتافلوا ..) نعم، من حقنا ان نحتفل، ولكن هناك كائنات شبحية تختبئ لنا في الظلام، دورها في الوجود هو ان تفسد الاحتفالات وتفسد الأعياد، وان تزرع الشك واللايقين واللاأمل. مهمتها في الوجود زراعة العبث في الوجود وزراعة الياس في النفوس وسرقة الفرح من الصدور
ولقد كان لنا موعد مع الفرح بمناسبة العيد العالمي للمسرح و بالمسرحيين يوم 27 مارس الماضي, ولقد تم افساد ذلك العيد، وكان احتفال المسرحيين في مدينة الدار البيضاء تحت عنوان الغضب وتحت عنوان الاحتجاج
وانتظر المسرحيون ان يتم افتتاح مسرح الرباط بفرح غامر، ولكن فرحته ـ و كالعادة داىما ــ لم تتم، لا مسرح بدون مسرحيين
اذا كان المثل الفرنسي يؤكد على إعطاء الخبز لخبازه، فإنه من جانبنا يمكن ان نؤكد اليوم على ضرورة إعطاء المسرح للمسرحيين، وهذا هو المنطق، اي ان نعطي الصناعات الى صناعها، وهذا الذي نسميه المسرح له أسماؤه وله تاريخه وله تجاربه، وهذا هو ما اغضب المسرحيين المغاربة بمناسبة افتتاح مسرح الرباط، والذي جعلهم يقولون ( المسرح ها هو، والمسرحي اين هو ؟ )
وفي هذا الموضوع يقول د، مصطفى رمضاني، استاذا لمسرح والكتاب والمخرج والباحث الذي يمثل منطقة شرق المغرب ما يلي:
(هذا ما لاحظته أيضا صديقي العزيز. لقد حضر افتتاح هذا المسرح الكبير أشخاص، كثير منهم لا علاقة لهم بالمسرح إلا بالقشور بدل الجوهر. وجلهم من ساكنة الرباط، ولم يحضر الرواد والمبدعون الحقيقيون. كيف يفتتح هذا الصرح ولا نراك في مقدمة الحاضرين؟ وأين مبدعو المغرب من الجهات الأخرى؟ لقد اختزل المغرب في تلك التي سميتهم بالشلة. وللأسف أن هذا الأمر يتكرر في كل مناسبة، وكأن المسؤولين عن الشأن الثقافي لا يعلمون أن المغرب الثقافي متعدد ومتنوع جغرافيا وفنيا وفكريا… هذا جحود في حق أبناء هذا الوطن من المبدعين الشرفاء الذين لا ينتمون لتلك الشلة التي لا تمثل مغربنا الكبير بكبار مثقفيه الأصلاء الذين هم نبضه وروحه وتاريخه ومستقبله .محبتي أيها الغالي)
اما د. محمد ابو العلا، الكاتب المسرحي و الروائي والأستاذ الجامعي فإنه يقول ما يلي: (غبن كبير ألا تكون سي عبد الكريم و أيقونات جيلك, هناك غبن فادح أن يتقدم المدعويين من لا إبداع له و لا باع ، زمن التفاهة)
نعم هو زمن التفاهة، وزمن اللامعقول، وزمن العبث، وزمن الفوضى، وزمن اختلال كل الموازين