مقامات فاس(2)| بابُ المحروق: ما أكثر ما في الحجر من خبر، وما أعجب ما في الأثر من عبر


حدّثني مَن طوّف في الأمصار، ودوّن في الأسفار، واعتبر بما دار من أدوار، فقال: لم تزل أبوابُ المدائن في حِقَب الإسلام، على تعاقب الأعصار والأيام، أزيدَ من منافذَ تُفضي، أو ثُغورٍ تُحصي وتقصي، بل غدت معارجَ للمعاني، ومجامعَ للمباني، تُخبّئ في حجارتها أخبارَ السلطان، وتُودِع في أقواسها آثارَ الامتحان، حتى كأنها صحائفُ منشورة، أو دفاترُ مسطورة، تُقرأ فيها سِيَرُ الملوك، وتُستخرج منها عِبَرُ الهلوك. ومن ذلك بابٌ بفاسَ، قد شاع ذكرُه في الناس، وذاع صيتُه في الخاص والعام، وهو بابُ المحروق، الذي اجتمع فيه من الأخبار ما تفرّق في غيره، وتواشج فيه المعمارُ والسياسة، وتجاور فيه المهيبُ والبئيس، حتى صار كالنصّ المفتوح، لا يحدّه شرحٌ ولا يحيط به وضوح. أما فاسُ – يا رعاك الله – فإنها درّةُ المغرب، وعينُ الأدب، نشأت في أواخر القرن الثاني من الهجرة، فاستوى عودُها، واشتدّ ساعدُها، وصارت مأوى العلماء، ومثابة الفضلاء، تُضرب إليها أكبادُ الإبل، وتُشدّ إليها الرِّحال من كل سهلٍ وجبل. ولمّا كانت كذلك، حُفّت بالأسوار، وصينت بالأبواب، دفعاً للطارق، و ضبطاً للمرافق، وتنظيماً للمسالك، حتى يغدو الداخلُ معلوماً، والخارجُ مفهوماً.

وفي جملة تلك الأبواب، شُيّد بابٌ كان يُدعى بابَ الشريعة، في زمنٍ أُعيد فيه بناءُ المدينة على أُسسٍ منيعة، وذلك في دولة الموحدين، حين أخذوا في إحكام الحصون، وإتقان الفنون، فجدّدوا الأسوار، وأحكموا الأقطار، وكان ذلك في عهد الناصر(استكمل بناؤها عام 600 هجرية)، إذ سعى إلى تثبيت الأمر، وتوطيد الحكم، فجاء هذا الباب كالعين الرقيبة، واليد المهيبة، يُشرف على الداخل والخارج، ويضبط الموالج والمخارج. غير أن لهذا الباب قصةً تسبق بناءه، وحكايةً تُروى قبل إنشائه، وذلك حين حاصر عبد المؤمن فاساً، فاستطال عليها زماناً، حتى ابتدع في حربها ما لم يُؤلف، وسلك في هدمها ما لم يُعرف، إذ سخّر المياه، وحرّف المجاري، حتى نالت من الأسوار، وأوهنت الأوتار، فانهدمت الأجزاء، وسقطت الأرجاء، ودخل المدينة عنوةً بعد لأْيٍ وشدّة، ومقاومةٍ وحدّة. وكان في ذلك البلاء ما مزّق النسيج، وأفنى البهاء، وترك في النفوس أثراً، وفي الأحوال عبراً، حتى إذا استقرّ الأمر للموحدين، أخذوا في إعادة البناء، على مثالٍ جديد، يجمع بين الحزم والهيبة، ويُظهر السلطان في صورةٍ عجيبة، فكانت الأسوار كالسدود، والأبواب كالعقود، ومن بينها هذا الباب، الذي كان يُدعى باب الشريعة.

ولم يكن هذا الاسم اعتباطاً، ولا خبطَ عشواء، مشيراً إلى معنى النظام، ودالاً على مقام الأحكام، إذ قيل إنه كان موضع إعلان القضاء، ومشهد إظهار الجزاء، حيث تُتلى الأحكام، وتُنفّذ الأوامر، فيرى الناس عدل السلطان، أو ما يُظن أنه عدلٌ في الأذهان. غير أن الأيام دُوَل، والوقائع حُوَل، فما لبث هذا الباب أن انقلب معناه، وتحوّل مبناه، فصار مسرحاً للرهبة، ومظهراً للهيبة، تُعلّق عليه الرؤوس، وتُعرض عنده النفوس، في مشهدٍ تقشعرّ له الجلود، وتخشع منه القلوب، وكأن المكان قد نُقل من ساحة القضاء، إلى ميدان البلاء. ومن أعجب ما يُروى في ذلك، خبرُ رجلٍ خرج عن الطاعة، وأعلن المنازعة، وهو عبيد الله الفاطمي العبيدي، الذي رام الإمارة، ونازع الإدارة، فاستبدّ برأيه، واستعلى في دعواه، حتى إذا أُخذ، وقُطع دابره، أُقيم عليه الحدّ، ونُفّذ فيه الأمر، ثم صُلبت جثته، وعُلّق رأسه على الباب، زماناً طويلاً، ليكون عبرةً للسامعين، وزاجراً للمخالفين. وههنا، يا صاح، تغيّر الاسم، وانقلب الرسم، فغلب على الباب لقبُ “المحروق”، لما شاع عنده من إحراقٍ وتمثيل، وما وقع فيه من تنكيلٍ وتثقيل، فصار الاسم عنواناً، والموضع برهاناً، على ما اقترن به من الفظائع، وما احتواه من الصنائع.

ولم تكن تلك الحادثة فريدة، ولا تلك الواقعة وحيدة، إذ تتابعت عنده الوقائع، وتوالت فيه الفجائع، حتى ذُكر أنه عُلّقت عليه رؤوسُ العلماء، ونُكّلت عنده جثثُ الفضلاء، في سياق صراعاتٍ سياسية، أو تهمٍ عقدية، يُراد بها التخلص من الخصوم، أو إسكات من يعارض الرسوم. ومن أشهر تلك القضايا، وأعجب تلك البلايا، ما كان من أمر لسان الدين بن الخطيب( توفي 776هـ ) ذلك الوزير الأديب، الذي طار ذكره في الأقطار، وسارت مؤلفاته في الأمصار، حتى إذا نزل بفاس، بعد نكبةٍ في الأندلس، لم يسلم من الكيد، ولم ينجُ من الحسد، فرُميت به تُهمٌ جسام، وقيل فيه ما قيل من الكلام، حتى قُتل، ثم أُخرج من قبره، وأُحرق جسده، عند هذا الباب، في مشهدٍ أنكرتْه القلوب، واستعظمتْه العقول. وقد كان في ذلك من السخط ما شاع، ومن التذمر ما ذاع، إذ رأى الناس أن حرمة الميت قد انتُهكت، وأن حدود الشريعة قد اختُلِكت، فغضبوا لذلك، وذكروا ما فيه من جور، وإن لم يملكوا دفعه أو ردّه. ومنذ ذلك الحين، ترسّخ في الأذهان، وتقرّر في الأعيان، أن هذا الباب موضعُ رهبة، ومحلُّ نكبة، يُذكّر بالموت، ويُنبّه على الفوت، حتى صار ذكره يثير في النفس قلقاً، ويبعث في القلب فرقاً. ومع ذلك، لم يُعطّل الباب، ولم يُهمل في الحساب، بل ظلّ قائماً بوظيفته، مؤدّياً لرسالته، إذ كان منفذاً مهماً، يربط المدينة بما حولها، ويصلها بريفها، ويجعل منها مركزاً للتجارة، ومجمعاً للزيارة. وتعاقبت عليه الأيدي، وتوالت عليه العهود، فجدّدته الدول، وأصلحته السُّبل، مع الحفاظ على طرازه، وصون إبرازه، حتى بقي شاهداً على عصر الموحدين، ودليلاً على براعتهم في التشييد والتمكين.

يا صاحِ، حدّثني من خبر الديار، وطاف في الأقطار، فقال: كانت باب المحروق بفاس تُفتح على فراغٍ أجوف، و تُفضي إلى فضاءٍ مُقفِر، و تنفرج عن ساحةٍ عامرة، ومجلبةٍ زاخرة، كأنها مرآةُ العمران، ومِرآةُ الأزمان، تُجسّد ما في المدينة من حركةٍ ودوران. وكانت تلك الساحة تُعرف عند أهلها بـ”ظَهْر الخميس”، إذ تُضرب فيها أخبية السوق، وتُبسط فيها أرصِفة الرزق، في يومٍ معلوم، ووقتٍ مرسوم، فتغدو كالبحر إذا هاج، أو كالمرج إذا تهاج، يؤمّها الباعة من كل فجٍّ عميق، ويحدوهم الرجاء في ربحٍ رفيق. فترى فيها الأغنام تُساق، والخُضر تُرتاق، والركبان يعرضون متاعهم عرضاً، كأنهم يفرشون الأرض فرشاً، وتنتشر الأفرشة والسلع، انتشار النجوم في اللُّجج، لا يكاد البصر يحيط بها، ولا الفكر يستقصيها. وفي تلك الساحة أيضاً، كانت الحكايات تُنسج، والنوادر تُخرَج، إذ يجلس الحكواتيون في حِلَقٍ كأنها عقود، يتوسّطون الجموع، ويستجلبون الدموع، يروون من أخبار الأولين، ويُطرِبون بأسجاعهم السامعين، فيُضحكون حيناً، ويُبكون حيناً، حتى يُخيّل للناظر أن الزمان قد عاد قديماً، وأن السالفين قد قاموا من رميم.

فإذا خرج الخارج من الباب، وانحرف يساراً، أبصر رجالاً كأنهم أرباب حِرفة، وسدنة صَنْعة، يُجدّون في نسج السلال من القصب، ويُبدعون في تركيبها على العجب، بأيدٍ خفيفة، ونفوسٍ لطيفة، قد صقلتْها التجربة، وهذّبتها الممارسة، حتى صار كلٌّ منهم كأنه شاعرٌ في صناعته، يُحسن الوزن، ويُتقن النغمة، غير أن شعره من قصب، ونظمه من خشب. وإن أخذتَ ذات اليمين، بدت لك بساتينُ غنّاء، كأنها حللُ خضراء، قد انتظمت فيها الأشجار، وانتثرت بينها الأزهار، تُداعبها الرياح، وتُناجيها الأرواح، وفيها عينٌ لا تنضب، وماءٌ لا ينضب، كأنه عِرقٌ من الحياة جارٍ، أو سرٌّ من أسرار الأرض سارٍ، قد أُقيمت عليه أرحاءٌ تدور، لطحن القمح والشعير، تُصدر من دويّها أنغاماً، كأنها تسابيحُ لا تنام. كانت تلك الناحية، جامعةً بين التجارة والطرافة، والصنعة والطرافة، والطبيعة والعمارة، كأنها لوحةٌ نُسجت من ألوان شتّى، أو قصيدةٌ جُمعت من أبياتٍ شتّى، لا يملّها الناظر، ولا يكلّها الخاطر، تظلّ في النفس عالقة، وفي الذاكرة راسخة، ما تعاقب الليل والنهار، وما دار الفلك الدوّار.

يا صاحِ، حدّثني من جرّب الزمان، وذاق حلوه والمِحَن، فقال: لم تزل باب المحروق على ما وصفتُ لك من بهاءٍ وازدهار، حتى تبدّلت الأحوال، وتحوّلت الأفعال، ودارت بها دوائر الإهمال، فأُقصيت عن العناية ردحاً من الدهر، وغابت عن الأبصار بعد أن كانت عَلمَ الحضر. ثم نشأ بخارجها حيٌّ غريبُ الشأن، عجيبُ البنيان، عُرف بين الناس بـ”المقطع”، أُقيمت فيه دورٌ للقزدير، لا على سننٍ من ترتيب، ولا على مثالٍ من تهذيب، بُنيت الدور كيفما اتفق، وعلى ما حضر وارتفق، في ليلٍ يُخفي، ونهارٍ يُبدي، سرّاً وجهاراً، بلا رقيبٍ ولا اعتبار. فتكاثرت البيوت تكاثرَ الفطر بعد المطر، وتزاحمت الأزقة تزاحمَ الأفكار في الصدر، حتى كبر الحيّ، واستفحل أمره، وكثر أهله، واشتدّ زمره. غير أن منظره – يا صاح – لم يكن يُسرّ الناظر، ولا يُبهج الخاطر، بدا مشيناً معيباً، كأنما شُيّد على عجلٍ، أو نُسج على وجل، لا نظام يَجمعه، ولا جمال يرفعه، حتى صار مدخلُ فاسٍ – وهي درّةُ الأمصار – كأنه بابُ اضطرار، لا بابُ اختيار، فساء ذلك ذوي الرأي، وأزعج أولي النهى. فعندئذٍ تقرّر الترحيل، وقُضي بالتبديل، فنُقل السكان إلى أحياء أخرى، وأُخلي المكان مما كان يحويه من الفوضى، فبقيت الأرض هضبةً جرداء، لا ظلّ فيها ولا ماء، كأنها صفحةٌ مُحيَت، أو قصةٌ طُويت، بعد أن كانت تضجّ بالحياة، وتضيق بالخطى والحركات. ثم لم تلبث الأيام أن دارت، والوقائع أن توالت وتكاثرت، حتى أُقيم في جانبها مرفقٌ جديد، ومشهدٌ فريد، فشُيّدت المحطة الطرقية، وجُعلت ملتقى الحافلات الجارية، تنقل الناس إلى الجهات، وتصل الحواضر بالفلوات، فكأن المكان قد استعاد بعض أنفاسه، واسترجع شيئاً من إحساسه، بعد طول خمولٍ وانطماس. ثم أقبلت على الباب عنايةٌ من نوعٍ آخر، ورُسم له شأنٌ مغاير، إذ عُزم على أن يُجعل جوفه رواقاً للفنون، ومجلىً للعيون، تُعرض فيه اللوحات، وتُستجلى فيه البصائر واللمحات، غير أن هذا المشروع – كسواه – لم يكتب له البقاء، ولا قُدّر له الاكتمال والصفاء، فذهب أدراج الرياح، واندرج في سجلّ الألواح.

غير أن العناية لم تنقطع، ولم تنطفئ تلك اللمع، فعُمد إلى الساحة التي عن يمين الخارج من الباب، فهُذّبت وأُصلحت، وزُيّنت وأُفلحت، حتى غدت حديقةً غنّاء، تسرّ الرائي وتُبهج الفؤاد، يتّخذها الناس مستراحاً من العناء، وملاذاً من الضوضاء، يأنسون فيها بالنسيم، ويستروحون فيها من همّ المقيم. ولم يُغفل في هذا المقام شأنُ العلم والأدب، إذ أُعيد الاعتبار إلى قبر لسان الدين بن الخطيب، ذلك الوزير الأديب، فحُفظ موضعه، وصين مضجعه، وأُنشئت له مؤسسة تُعنى بآثاره، وتُحيي أخباره، ليبقى ذكره جارياً، وأثره سارياً، كأنما لم تُطفئه السنون، ولم تُغِبْه ظلمات الشجون. وهكذا، يا صاح، ترى المكان وقد تقلّب بين حالٍ وحال، من عمرانٍ إلى إهمال، ومن فوضى إلى نظام، ومن خمولٍ إلى اهتمام، حتى صار كالكائن الحيّ، يمرض ويصحّ، ويغيب ويَصحُ، وتبقى فيه آثار ما كان، شاهدةً على صروف الزمان.

ثم جاء زمانٌ تغيّرت فيه الأنظار، وتبدّلت فيه الأفكار، ولا سيما حين دخلت البلاد في عهدٍ جديد، فالتفت الناس إلى التراث، ونظروا إليه بعين الاعتبار، فصُنّفت فاس ضمن ذخائر العالم، وأُدرجت في سجلّ المعالم، وصار هذا الباب موضع دراسة، ومحلّ عنايةٍ وحراسة. فأُعيد إليه اعتباره، ورُمّم ما انهار من جداره، وأُبرز في صورةٍ حسنة، تُرضي الناظر، وتُبهج الخاطر، حتى غدا مَعلماً يُزار، ومقصداً يُختار، بعد أن كان موضعاً للرهبة والانكسار. غير أن تلك الصورة الجديدة، لم تُلغِ ما سبقها من المعاني، ولم تمحُ ما حفلت به من المباني، بل أضافت إليها طبقةً أخرى، تُظهر قدرة المدينة على التجدّد، وقابليتها للتعدّد، فكأن الباب قد صار مرآةً للزمان، تعكس ما كان وما يكون، وتجمع بين الحزن والسكون. فإذا مررت به اليوم، يا ذا الفهم القويم، ترَ حجراً ، و باباً يُغلق ويُفتح، وترى تاريخاً يمشي، وزمناً يُنشي، وطبقاتٍ من الذكريات، تتراكم كالأصداف، وتتكاثر كالأطياف. وفي هذا المعنى، يكون الباب درساً، وعبرةً للنفس، إذ يُذكّر بما في التاريخ من عنفٍ وعدل، ومن قمعٍ ونُبل، ويُظهر كيف تتجاور الأضداد، وتتعانق الأبعاد، في مشهدٍ واحد، لا ينفكّ عن التعدّد.

فيا عابرَ هذا الباب، إنك تعبر حجارةً صمّاء، وتساقب جدراناً جوفاء، و تخترق أزمنةً متراكبة، وتلج عوالمَ متعاقبة، وتشارك – شعرت أم لم تشعر – في كتابة قصةٍ لم تُحتم، وسِفرٍ لم يُختم. ليكون باب المحروق مثالاً لما في المغرب من التعقيد، ونموذجاً لما فيه من التناقض الشديد، حيث يلتقي الموت بالحياة، ويجتمع البطش بالنجاة، ويظلّ المكان شاهداً، والزمان قائداً، حتى يُقال، ما أكثر ما في الحجر من خبر، وما أعجب ما في الأثر من عبر.
سعيد العفاسي: صحافي ناقد فني