قراءة في رواية”عفوا زرقاء اليمامة، الأندلس لم تسقط، لكن؟!”: بين تفكك الذات وانهيار الجماعة

تنطلق رواية “عفوا زرقاء اليمامة، الأندلس لم تسقط، لكن؟!” للكاتب ميلود الياسمني من صدمة وجودية وليس على حساب حبكة تقليدية تقوم على تصاعد الأحداث، من خلال اختفاء إنسان (الهواري بوقنوفة) في قلب الجماعة، هذا الحدث البسيط ظاهريًا يتحول، منذ الصفحات الأولى، إلىسؤال أنطولوجي،كيف يمكن لإنسان أن يتوارى في وضح الآخرين؟، وكيف يمكن لجماعة كاملة أن تعجز عن ملاحظة غيابه إلا بعد فوات الأوان؟، ليتحول الاختفاء إلى انفجار رمزي يخلخل نظام المعنى، الرواية لا تسأل: “ماذا حدث للهواري بوقنوفة؟، ولكن، كيف نرى بعضنا؟ وهل نرى فعلًا أم نكتفي بالتجاور؟ومنذ الجملة الافتتاحية “لم يكن أي واحد منهم يتوقع ما حدث”، يدخل القارئ فضاء اللايقين، حيث يغدو الواقع هشًا، قابلًا لأن يفقد أحد عناصره دون تفسير منطقي.غير أن القطار، يتحول إلى فضاء مركزي للأحداث، يتجاوز وظيفته المادية ليغدواستعارة كبرى للزمن الجمعي،مسار محدد، بداية ونهاية واضحتان، انتظام صارم. غير أن اختفاء الهواري داخله يشكّلثقبًا في نسيج النظام، ويجعل من الواقعة المفاجئة علامة على هشاشة كل بناء يبدو مستقرًا. كلما ازداد النظام إحكامًا، ازداد رعب الإنسان من انهياره المفاجئ.

حين يبدأ الركاب في طرح الأسئلة، من قبيل: هل اختُطف؟ هل سقط؟ هل تلاشى؟، لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يسعون إلىتسكين خوفهم الوجودي. كل تفسير هو إسقاط نفسي، وكل استعارة “كذوبان فص ملح” أو “تحوله إلى شبح”—ليست سوى محاولة يائسة لإدخال الغياب في منطق اللغة.في هذا السياق، تتحول الجماعة إلىجوقة متنافرة من القلق،إنها جماعة بلا تماسك حقيقي؛ أفرادها يتجاورون ولا يتشاركون المعنى، ليصبح اختفاء الهواري فضيحة أخلاقية تكشف حدود التضامن الإنساني، لنكتشف فجأة أننالم نكن نراه أصلًا. بهذا المعنى يتجاوز الهواري بوقنوفة كونه شخصية روائية ليغدونموذجًا أنثروبولوجيًاللإنسان الذي يختفي رمزيًا قبل أن يختفي جسديًا، اعترافاته، التي ينقلها صالح المقارحي، تكشف عن ذات مسحوقة بين الهزيمة والغيرة والعار، إنه إنسان فقد الاعتراف الاجتماعي، وحين تتشقق صورته أمام ذاته، يبدأ الانسحاب التدريجي من العالم، حتى يغدو الغياب حلًا أخيرًا لمأزق الوجود.غير أن مأساة الهواري هي مرآة لمأزق جماعي. فهو يدّعي الدفاع عن القيم، لكنه يمارس نقيضها؛ يرفع شعار الإنسانية، لكنه يحولها إلىأداة ابتزاز أخلاقي؛ يصرخ باسم الاحترام، بينما يغرق في ازدراء الآخرين. هكذا يتجسد فيه نموذجالذات المنقسمةالتي تجعل من القيم أقنعة براغماتية تتبدل بتبدل موازين القوة، يتحوّل اجتماع سكان “لأندلس” إلى مسرح مكثف للصراع الرمزي. ظاهريًا، نحن أمام نقاش إداري حول قضايا تنظيمية؛ لكن في العمق، نحن أمامحرب تأويلات، من يملك الحق في الكلام؟ من يمثل العقل؟ من يحتكر الأخلاق؟، لتبرز شخصية محمد ناصر الموحدي باعتبارها تمثيلًا للسلطة التنظيمية العقلانية. إنه صوت القانون والمؤسسة، لا صوت المثاليات المجردة. غير أن هذا الدور، في مناخ الارتياب الجماعي، يتحول إلى موضع شك، فكل دعوة للتهدئة تُقرأ كتواطؤ، وكل محاولة للضبط تُفهم كإقصاء. وهنا تتجلى مفارقة الرواية، العقل في زمن الانفعال يصبح موضع اتهام.في المقابل، يمثل الهواري الفوضى الوجدانية التي تبتلع أي محاولة للتعقل. وهكذا يتحول الحوار إلىساحة إسقاط نفسي،يفرغ الأفراد عجزهم الداخلي في شكل اتهامات خارجية، وتصبح السياسة قناعًا للصراعات الذاتية.

في الرواية تشكل “قضية المرأة” البؤرة الأخلاقية الأشد تعقيدًا في النص. فهي تظهر رمزا مزدوجا، رمزا للضعف الاجتماعي، ورمزًا للاستغلال الخطابي في آن. فالهواري يرفع لواء الدفاع عنها، لكنه في العمق يوظفها لترميم صورته المهشمة. تتحول المرأة من ذات تحتاج إلى العدالة، إلى أداة في لعبة السلطة الرمزية. في المقابل، يكشف موقف بقية الحاضرين مفارقة أخلاقية لا تقل إرباكًا، فهم يرفضون اقتراح الهواري باسم النظام والمؤسساتية، لكن رفضهم هذا لا يخلو من نزعة إقصائية تعبّر عن خوفهم من زعزعة التوازن القائم أكثر مما تعبّر عن حرصهم على الحق ذاته. هنا تطرح الرواية سؤالها الفلسفي الصامت:،هل الدفاع عن النظام دائمًا دفاع عن العدل؟، أم أن النظام قد يصبح قناعًا مريحًا لتجنب مواجهة المعضلات الأخلاقية؟، لغة الرواية تتحول إلى أداة تفكيك نفسي، فالتكرار (جاك لاكان)، والانفجارات اللفظية، والتناوب بين الجدية والسخرية، كلها تصنع إيقاعًا متوترًا يوازي توتر الشخصيات. حتى المزاح، في تعليقات طه جعفر الزول أو سعد الكعبي، لا يأتي لتعرية الخطاب الجاد من ادعاءاته الكبرى.الأسلوب هنا ليس محايدا، إنه جزء من الرؤية، عالم متوتر لا يتيح يقينًا، وسرد لا يمنح القارئ خلاصًا، بقدر ما يتركه في منطقة رمادية بين الحدث وتأويله.فحين تشبّه بعض الشخصيات ما يحدث داخل الاجتماع بما يجري داخل الأمة العربية، لا يكون ذلك إسقاطًا عابرًا، وإنمابناءً رمزيًا واعيًا، فـ”الأندلس” تتحول إلى نموذج مصغّر لعالم عربي مأزوم، تتصارع فيه الأصوات باسم الوحدة، بينما تُدار الخلافات بمنطق الشك والتخوين.القضايا الإنسانية تتحول إلى أوراق ضغط، والثقة تُستبدل بتحالفات مؤقتة، والمبدأ يُقايض بالمصلحة. وهكذا ينجح الياسمني في تحويل مشهد يبدو عاديًا، اجتماع جيران في قطار، إلى مسرح فلسفي تُعرض عليه تناقضات الإنسان المعاصر، رغبته في الظهور الأخلاقي، وعجزه عن ممارسة الأخلاق فعلًا، ثم ينتقل الصراع من مستوى الجدل الأخلاقي إلى مستوى السلطة الخفية التي تمارس فعلها عبر التقنية والإعلام والمال. تظهر شخصية عيسى البوعينين بوصفها تجسيدًا لسلطة المراقبة. الكاميرا التي يخفيها هي امتداد فلسفي للبانوبتيكون، عين تراقب الجميع، وتحوّل الاجتماع من فضاء ثقة إلى مسرح افتضاح محتمل، التصوير السري يصنع الحقيقة، لتتحول الصورة المنتقاة من لحظات الانفعال من وثيقة بريئة إلى خطاب موجّه يخدم منطق “البوز” لا منطق العدالة. هكذا تدخل الرواية في نقد عصر تتحول فيه الأخلاق إلى مادة إعلامية، والفضيلة إلى سلعة تداولية.في مواجهة هذه السلطة الجديدة، ينفجر الهواري غضبًا، لا دفاعًا عن الخصوصية بقدر ما هو دفاع عنالسيطرة الرمزية التي يشعر بأنها تُسلب منه. يريد أن يكون مركز الحكاية، وحين يدرك أن ثمة من يكتب الحكاية من خلف الكواليس، ينزلق إلى التهديد والعنف. هنا تتجلى أطروحة النص، العاطفة حين تدخل السياسة بلا عقل، تتحول إلى فوضى.

يكشف الخط السردي المتعلق بشموئيل بن دهان عن البعد الاقتصادي للصراع. فـ”الأندلس”في الرواية مجال استثماري، رمز لتحول الأرض من هوية إلى سلعة. الاتفاق السري بينه وبين الهواري يفضح منطقًا استعماريا جديدًا لا يحتاج إلى جيوش، ولكن إلى حرب ناعمة ترقى إلى مستوى السماسرة، الأرض هنا تُشترى بالخيانة، وتُفتح باسم التنمية، بينما حقيقتها تفكيك للثقة.يبلغ الصراع ذروته النفسية، لينقلنا الكاتب من جدل خارجي إلى انفجار داخليلشخصية الهواري. مشهد المرآة في دورة المياه من أكثر المشاهد كثافة دلالية، المرآة لا تعكس الوجه فقط، لكنها تغوص في الفراغ الداخلي، من خلالالسؤال: “كيف تتسع هذه العربة للجميع وتضيق بي؟” هو سؤال وجودي عن ضيق المعنى، لا عن ضيق المكان.اقتراحه الغريب بتزويج المرأة لسعد الكعبي يكشف أخلاقًا مقلوبة، يتحدث عن الحرية، ثم يقرر مصير الآخر؛ يرفع شعار الكرامة، ثم يحول الإنسان إلى أداة لتصفية الحسابات، هكذا تتحول القيم في خطابه إلىأقنعة براغماتية.في مواجهة هذا الانهيار، يبرز محمد ناصر الموحدي بوصفهضمير الرواية (مرآة أخلاقية) لهذا يتحول في وعي الهواري إلى “كابوس بشري”. الكابوس هنا صورة الذات حين تواجه حقيقتها، الصوت الداخلي الذي يخاطب الهواري”نا ضميرك الذي تخليت عنه” يمثل ذروة فلسفية، الشر يأتي منالهروب المزمن من مواجهة الذات.بعد ذلك يتعمق السؤال الفلسفي حول معنى الانتماء، عيسى البوعينين يمثل منطق التفاوت الطبيعي وتبرير اللامساواة باسم القدر. في المقابل، يقف سعد الكعبي صوتًا للذاكرة التاريخية، محذرًا من صناعة بشرية تُلبس لباس القضاء والقدر. تكشف الرواية الجذر النفسي لهذا الصراع، من يقسم المكان هو ذاته من قسّم علاقته الإنسانية مع أقرب الناس إليه. وكأن النص يقول”من لا يستطيع أن يعيش وحدة القلب، لن يبني وحدة المكان”.

تبلغ المأساة ذروتها في الرواية مع اختفاء الهواري ورسالة الاعتراف التي يتركها. هنا ينكشف ككائن مثقل بإرث أبوي وبوصية تحولت إلى لعنة. رسالته صرخة كينونة مأزومة:”أنا لست شريرًا كما تظنون، لكنني عاجز عن أن أكون صالحًا كما تريدون”، الاعتراف هنا يكشف حجم المأزق بين ماضٍ ثقيل وحاضر عاجز عن احتوائه.في المحصلة، لا تقدّم الرواية قصة عن سقوط “الأندلس”، وإنما عن سقوط وعي. “الأندلس” حالة إنسانية، مجتمع يعتقد أنه متماسك، لكنه في العمق مهدد بالسقوط الداخلي، السقوط الذي يأتي عبر الانهيار الأخلاقي، حين تتحول القيم إلى شعارات، والحوار إلى ساحة لتصفية الحساب مع الذات، والعدالة إلى صورة تُصنع بالكاميرا. السؤال الذي تتركنا معه الرواية ليس، هل سقطت الأندلس أم لا؟، ولكنكم من إنسان يسقط فينا كل يوم، لأننا لم نعد نراه؟، وهنا تكمن قوة رواية الكاتب ميلود الياسمني، بدل أن يمنح أجوبة مريحة يضع القارئ أمام مرآة قاسية، يرى فيها مصير شخصياته وملامح زمن كامل يتكلم كثيرًا عن القيم، ويعجز مرارًا عن ممارستها.

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى