قصة قصيرة: قلب آخر ما زال ينتظرني

كوثر الحايكي

اسمي نورا، أبلغ من العمر خمسين عامًا… أو هكذا يقولون.
الزمن عندي لم يعد واضحًا كما كان. يتفلت من بين أصابعي مثل الماء، أقبض عليه للحظة ثم يضيع.
في البداية كنت أنسى أشياء صغيرة… أين وضعت مفاتيحي، أين أوقفت السيارة. كنت أضحك وأقول إنها زلة عابرة.
ثم بدأت الأشياء تختلط… صرت أضع المفاتيح في الثلاجة، وأنسى لماذا دخلت إلى الغرفة، وأحيانًا… أنسى نفسي.
أتذكر صباحًا باردًا… أو ربما قيل لي إنه كان في نوفمبر. دخلت إلى الحمام، وكان هناك رجل غريب يقف أمام المرآة. كان ينظر إليّ وكأنه يعرفني. شعرت بالخوف، بالخطر، وصرخت فيه أن يخرج. لم أفهم لماذا كان ينظر إليّ بذلك الحزن.
الآن أنا أعيش في مكان هادئ. يقولون إنه آمن. أحيانًا أشعر أنه ليس بيتي، لكنهم يؤكدون لي أن هذا هو الأفضل.
الوجوه من حولي تتغير، أو ربما أنا التي لا أستطيع تثبيتها في ذاكرتي.
لكن هناك وجه واحد… يبقى.
اسمه عمر.
لا أعرف كيف التقينا، ولا متى بدأ كل شيء، لكن حين أراه أشعر بالطمأنينة. نجلس معًا في الحديقة، نمسك أيدي بعضنا، وكأننا نحاول ألا نضيع مرة أخرى.
وعندما يغيب، أشعر أن العالم يفرغ من معناه. أبكي، أبحث عنه، وأنتظر عودته كما ينتظر الطفل أمه.
يأتي رجل آخر لزيارتي كل يوم أحد.
وجهه مألوف… بطريقة غريبة ومؤلمة في آن واحد.
يبتسم لي بلطف، يجلس معي، يحدثني أحيانًا، أو يكتفي بالنظر. أشعر نحوه بشيء… لا أستطيع تسميته. حنين؟ أمان؟ أم ذكرى ضائعة ترفض أن تتشكل؟
اليوم، عندما جاء عمر، شعرت بفرح غامر. جلست بقربه، ثم نظرت إلى ذلك الرجل الذي يزورني دائمًا.
ابتسمت له، وقلت بخجل:
«هذا حبيبي… نحن دائمًا معًا».
رأيت شيئًا ينكسر في عينيه.
لم أفهم لماذا.
ابتسم لي، قال لعمر إنه رجل محظوظ، وترك لنا بعض الحلوى، ثم غادر بسرعة، كأنه يهرب من شيء لا أراه.
أحيانًا، عندما أكون وحدي، أشعر بفراغ كبير في داخلي.
كأن هناك قصة كاملة عشتها… لكن صفحاتها اختفت.
كأن هناك شخصًا كان يعني لي كل شيء… لكن اسمه لم يعد يسكن لساني.
لا أعرف من أكون تمامًا.
ولا أعرف من كانوا الذين أحببتهم.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا فقط…
في هذا الضباب الكثيف الذي أعيش فيه، أي يد تمتد إليّ بلطف، أي قلب يمنحني دفئًا، يصبح عالمي كله.
وربما… في مكان ما داخل هذا النسيان، هناك قلب آخر ما زال ينتظرني…
وأنا لا أعرف كيف أعود إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى