ثانوية مولاي إدريس بفاس بقصر المنبهي عام 1914

ارتبط تاريخ التعليم العصري في مدينة فاس بظهور مؤسسات تعليمية حديثة أسهمت في تشكيل نخبة ثقافية وإدارية خلال العقود الأولى من القرن العشرين، ومن أبرز هذه المؤسسات ثانوية مولاي إدريس التي احتلت مكانة متميزة في مسار التعليم بالمدينة. فقد عرفت هذه الثانوية تحوّلات مكانية ووظيفية تعكس بدورها تحولات المشهد الحضري والاجتماعي في فاس خلال فترة الحماية وما بعدها، في مطلع عام1914 انتقلت الثانوية إلى مقر جديد اتخذته داخل قصر المنبهي بالطالعة الصغرى، وهو أحد القصور الفخمة التي شُيّدت في أواخر القرن التاسع عشر داخل النسيج العتيق للمدينة. وقد منح هذا القصر للمؤسسة فضاءً رحبًا وبيئة معمارية مميزة تجمع بين الجمالية المعمارية التقليدية والوظيفة التعليمية الحديثة. فالقصر، بما يضمه من ساحات داخلية وأروقة وقاعات واسعة، أتاح إمكانية تهيئة فضاءات للدروس والإدارة ومرافق التلاميذ، الأمر الذي ساهم في ترسيخ مكانة الثانوية كأحد أهم مراكز التكوين العصري في فاس.

غير أن هذا المقر لم يكن البداية الأولى لمسار المؤسسة؛ إذ كانت الثانوية قد اتخذت قبل ذلك مقرًا أوليًا في أحد أحياء المدينة العتيقة، وتحديدًا في درب المشروم الواقع بحي فندق اليهودي، وهو حي عُرف تاريخيًا بحيويته التجارية وبالتنوع الاجتماعي الذي ميّز سكانه، والقريب من المثلث الذهبي للمدينة العتيقة وقلبها النابض، وقد شكّل هذا الموقع الأول مرحلة تأسيسية في تاريخ المؤسسة، حيث احتضن بدايات التعليم النظامي الذي كان في طور التشكل آنذاك داخل المدينة. ومع انتقال الثانوية إلى قصر المنبهي، ظل المبنى القديم بدرب المشروم شاهدًا على مرحلة مبكرة من تاريخ التعليم الحديث في فاس. فبعد أن غادرت المؤسسة فضاءه، تغيّرت وظيفته العمرانية تدريجيًا، ليتحوّل في مرحلة لاحقة إلى مستوصف يخدم سكان الحي ويوفر لهم خدمات صحية أساسية. وهكذا انتقل المكان من وظيفة تعليمية إلى وظيفة اجتماعية صحية، في مسار يعكس قدرة الفضاءات الحضرية في المدينة العتيقة على إعادة التكيّف مع حاجات المجتمع المتغيرة.

وكان لهذا المبنى باب يفتح على حي الزنجفور، وهو ما يدل على اندماجه الكامل في شبكة الأزقة والدروب التي تميز النسيج العمراني التقليدي لفاس. فالمعمار في المدينة العتيقة لا يقوم على الانغلاق التام، بل على ترابط عضوي بين المرافق المختلفة، بحيث تتجاور الوظائف السكنية والتجارية والتعليمية والخدماتية داخل فضاء حضري متداخل. وبذلك تكشف هذه المحطات المكانية في تاريخ ثانوية مولاي إدريس عن جانب مهم من تطور المدينة نفسها؛ إذ تتقاطع فيها تحولات التعليم مع تحولات العمران والوظيفة الاجتماعية للمباني. فمن درب المشروم بحي فندق اليهودي إلى قصر المنبهي، ومن فضاء مدرسي إلى مستوصف يخدم سكان الحي، تتجلى حركية المكان في فاس بوصفها مدينة قادرة على استيعاب التحولات التاريخية دون أن تفقد ذاكرتها العمرانية والثقافية.

تُظهر الصورة الرئيسية باحة قصر المنبهي (ثانوية مولاي إدريس)، التي كانت تُعرف في بداياتها باسم (المدرسة الإدريسية*، أثناء مرحلة إنشائها في دار قصر المنبهي حوالي عام 1914. ورغم أن مصدر الصورة غير مؤكد بشكل قطعي، إلا أنه يُرجح أنها التُقطت على يد جوزيف بوحصيرة، المصور الذي أصدر عدة بطاقات بريدية للكلية بين عامي 1914 و1915، ما جعلها وثيقة بصرية ثمينة لتاريخ المؤسسة المبكر. ويحمل القصر نفسه قيمة تاريخية كبيرة؛ فقد شُيّد في عهد السلطان مولاي عبد العزيز، على يد الوزير السابق المنبهي، الذي منح المبنى طابع القصور الفخمة في فاس العتيقة. وفي سياق الأحداث الكبرى التي شهدتها المدينة في مطلع القرن العشرين، أقام فيه الجنرال الفرنسي ليوتي بتاريخ 24 مايو 1912، خلال زيارته الأولى لمدينة فاس، ما يضفي على المبنى بعدًا تاريخيًا سياسيًا إلى جانب أهميته التعليمية.

بهذه الصورة، يمكن للباحثين والمهتمين بتاريخ التعليم في فاس الاطلاع على مرحلة تأسيسية للمدرسة، حيث تتجسد فيها معالم العمارة التقليدية للقصور المغربية، مع تداخل الوظائف التعليمية والسياسية والاجتماعية التي ميزت المدينة في تلك الفترة الانتقالية بين السلطنة والحماية الفرنسية.

سعيد العفاسي/ صحافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى