قراءة في مسيرة الفنان قيس خيري: من التمثيل إلى الإخراج، تعدد المسالك بهدف التكوين والتجريب

وُلد الفنان قيس خيري يوم 21 يونيو 1983، في قلب المدينة العتيقة لفاس، وتحديدًا بدرب الفاسيين سيدي العواد، حيث تشكّلت ملامح طفولته الأولى بين الأزقة الضيقة والذاكرة الشعبية الغنية. تلقّى تعليمه الأولي في “المسيد”(الكتاب بضم الكاف)، فتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن ما تيسر من القرآن الكريم، قبل أن يلتحق بالمدرسة الابتدائية ابن رشد بحي الصفاح، حيث برز كتلميذ متفوق، إذ اعتاد تحقيق نتائج متميزة جعلته في صدارة زملائه على مستوى القسم والمؤسسة، ورغم مشاركاته الفنية المبكرة من خلال تقديم سكيتشات خلال احتفالات عيد العرش، فإن تلك التجارب لم تكن كافية آنذاك لإشعال شغف فني حقيقي بداخله، فقد ظل مساره الدراسي يسير بشكل منتظم وتقليدي، دون أن ينحرف نحو التوجه الفني بشكل واضح في تلك المرحلة، وهكذا، عكست سنواته الأولى توازنًا بين الانضباط التعليمي والتجارب التعبيرية الخجولة، في انتظار اللحظة التي سيتبلور فيها وعيه الفني ويأخذ مساره الإبداعي شكله الأكثر وضوحًا.انتقل قيس خيري إلى المرحلة الإعدادية بمؤسسة الأمل – باب الفتوح، حيث واصل تألقه الدراسي بنفس الجدية والانضباط، محافظًا على نتائجه المتميزة التي جعلته من بين التلاميذ المتفوقين. ومع حلول عام 1999، التحق بثانوية مولاي رشيد، واختار مسلك العلوم، في انسجام واضح مع ميوله الدراسية ورغبته في بناء مسار أكاديمي مستقر.غير أن هذه المرحلة شهدت حدثًا مفصليًا على مستوى علاقاته الإنسانية، إذ ربطته صداقة وطيدة بزميلته غزلان، ابنة الفنان الراحلمحمد فرح العوان، وقد انتبهت هذه الأخيرة إلى روحه المرحة وأسلوبه الخاص في الحديث والتعبير، فرأت فيه ملامح موهبة فنية كامنة، واقترحت عليه الالتحاق بالفرقة المسرحية التي كان يشرف عليها والدها.لكن قيس، في تلك الفترة، لم يُبدِ اهتمامًا جديًا بالفكرة، مفضلًا التركيز على دراسته ومتابعة مساره العلمي دون تشتيت. ورغم هذا التردد، فقد أتيحت له فرصة التعرف عن قرب، ولو بشكل غير مباشر، على أجواء العمل المسرحي، من خلال احتكاكه بالفرقة التي كان يترأسها الفنان الراحلأحمد الطيب لعلج. وظلت تلك التجربة في حدود المشاهدة والانطباع، دون أن تتحول بعد إلى انخراط فعلي، لكنها زرعت بذرة أولى ستنمو لاحقًا في مسيرته الفنية.

ظلّ عالم المسرح يطارده بخيوط خفية، إلى أن جاء العام الثاني من دراسته الثانوية لتحمل منعطفًا حاسمًا. فقد كان زميله الفنانهشام الورديضمن الفريق المسرحي للمؤسسة، ولم يتردد في تشجيعه بإلحاح على خوض تجربة الأداء الخاصة بمسرحية كانوا يشتغلون عليها. استجاب قيس في البداية بدافع الفضول لا غير، معتبرًا الأمر مجرد تجربة عابرة لا تخرج عن إطار الاستكشاف.غير أن تلك الخطوة البسيطة سرعان ما تحولت إلى لحظة فارقة، إذ أُسندت إليه بطولة مسرحية”الملك هو الملك”للكاتب السوري الراحلسعد الله ونوس، تحت إشراف وإخراج أستاذ الفلسفة آنذاكيوسف تيبس. كان هذا الاختيار بمثابة اعتراف مبكر بموهبته الكامنة، وفرصة نادرة لاختبار قدراته في فضاء احترافي داخل المؤسسة التعليمية.ومع أول وقوف له على الخشبة، انكشف له عالم جديد بكل تفاصيله، رهبة البداية، دفء الأضواء، وتفاعل الجمهور الذي تُوِّج بتصفيق حار. هناك، تذوّق لأول مرة لذة التمثيل، واكتشف أن المسرح بالإضافة إلى كونه نشاط موازٍ، فضاء حقيقي للتعبير والوجود. شكلت هذه التجربة انطلاقة قوية، إذ فجّرت طاقاته الفنية وفتحت أمامه أفقًا جديدًا سيعيد توجيه مساره، ويمنحه يقينًا بأن شغفه الحقيقي قد بدأ يتبلور بوضوح على الخشبة.

التحق قيس خيري، بتوجيه من صديقه الفنانهشام الوردي، بدار الشباب القدس، حيث بدأت ملامح تكوينه المسرحي تتبلور بشكل أوضح، حيث انخرط في تجارب مسرحية هاوية، واشتغل إلى جانب زملائه على عروض صغيرة مكّنته من صقل موهبته وتطوير أدواته التعبيرية، كما أتاحت له فرصة تعلّم أبجديات المسرح وفنون التمثيل، من الوقوف على الخشبة إلى التحكم في الأداء الصوتي والحركي.شكلت هذه المرحلة ورشة حقيقية للتجريب والتعلّم، إذ راكم خلالها خبرة أولية مهمة، وظل يطوّر حسّه الفني تدريجيًا، مستفيدًا من الاحتكاك المباشر بأجواء المسرح ورواده. واستمر هذا المسار إلى حدود عام 2003، التي ستشكّل منعطفًا حاسمًا في مسيرته، حيث دخل عالم الاحتراف من بوابة مسرح الطفل، وبفضل ثقة المخرجأحمد جهيدفي قدراته، انضم إلى فريقه المسرحي، وشارك في مسرحية”لو نطق الحيوان”، التي حظيت بدعم الإنتاج والترويج من وزارة الشباب والثقافة آنذاك. وقد مثّلت هذه التجربة أول احتكاك فعلي له بعالم المسرح الاحترافي، بما يتطلبه من التزام وانضباط عاليين.ومع عام 2004، انطلق في أول جولة مسرحية عبر مختلف مدن المملكة، في تجربة ميدانية ثرية مكّنته من الاحتكاك بجمهور متنوع، وترسيخ حضوره فوق الخشبة. كانت تلك المرحلة إعلانًا حقيقيًا عن ميلاد مسار فني واعد، أخذ يتشكل بثقة وثبات، وفي نفس العام 2004 اتخذ قيس خيري قرارًا حاسمًا بالتفرغ الكامل لممارسة المسرح، واضعًا بذلك حدًا للتردد الذي طبع مراحله الأولى. وفي هذا السياق، التحق بنادي المسرح التابع لدار الشباب القدس، الذي كان يشرف عليه الفنان والمخرجمحسن مهتدي، حيث انتقلت تجربته من طور الهواية إلى مستوى أكثر تنظيمًا واحترافية، قائم على التأطير الأكاديمي والتكوين المنهجي، ضمن هذا الفضاء، عمّق معارفه النظرية والتطبيقية، وشارك عام 2005 في الدورة الأولى لمسرح الشباب من خلال مسرحية”التماثيل”، التي شكلت محطة مهمة في مساره، ومكّنته من الاحتكاك بتجارب شبابية مختلفة. تلا ذلك اشتغاله على مسرحية”بن سلك”وكلاهما من إخراج محسن مهتدي، التي اعتُبرتا آنذاك نقلة نوعية في المشهد المسرحي الفاسي، لما حملته من جرأة فنية ورؤية جديدة.

وفي عام 2006، التحق بمحترف المسرح الجامعي، حيث انفتح على تجارب أكثر عمقًا، وشارك في عدة أعمال مسرحية، من أبرزها مسرحية”قوارب حياة مجنونة”، من تأليف وإخراجنجيب الشيخ، والتي عكست نضجًا واضحًا في أدائه. كما شارك في مسرحية”عبدة الصمت”، من تأليفلبنى الزويشيوإخراج نجيب الشيخ، والتي استمر عرضها إلى غاية عام 2008، مؤكدة حضوره المتصاعد في الساحة المسرحية، بموازاة انخراطه المتواصل في التجارب المسرحية، لم يُغفل قيس خيري أهمية التكوين المستمر في صقل موهبته وتطوير أدواته الفنية. فقد أدرك مبكرًا أن الممارسة وحدها لا تكفي لبناء ممثل متكامل، فحرص على الانفتاح على مختلف الورشات التكوينية التي تعنى بإعداد الممثل وفنون التشخيص وتقنيات السينوغرافيا، إلى جانب مجالات أخرى مكملة للرؤية المسرحية الشاملة.هذا التوجه لم يكن عابرًا، بل جاء نتيجة وعي عميق بضرورة الاشتغال على الذات الفنية بشكل دائم، سواء على مستوى الأداء الجسدي أو التعبير الصوتي أو فهم الفضاء الركحي. لذلك، كان حريصًا على استثمار كل فرصة تتيح له الاحتكاك بتجارب مختلفة، والاستفادة من خبرات ممارسين متمرسين في المجال المسرحي.ومن بين أبرز هذه المحطات التكوينية، مشاركته في “أيام التواصل للتكوين المسرحي” التي كان ينظمهاالمرصد الجهوي للمعرفة والتواصل، تحت إشراف الصحافي والفنان التشكيليسعيد العفاسي،وقد شكّلت هذه الورشات التكوينية فضاءً غنيًا للحوار والتعلّم، حيث شارك فيها قيس خلال ثلاث دورات متتالية 2006 و2007 و2008.وخلال هذه الدورات، استفاد من تأطير نخبة من الأساتذة والفنانين ذوي التجارب الوازنة، ما أتاح له توسيع مداركه الفنية، وتعميق فهمه للخطاب المسرحي بمختلف أبعاده الجمالية والفكرية. كما ساهمت هذه الورشات في تعزيز ثقته بنفسه كممثل، ومنحته أدوات جديدة مكنته من تطوير أدائه بشكل ملحوظ.وهكذا، شكّلت هذه المرحلة التكوينية رافدًا أساسيًا في مساره، حيث تفاعلت فيها الممارسة مع التعلم، لتنتج تجربة أكثر نضجًا وتوازنًا، قائمة على وعي فني متنامٍ ورغبة مستمرة في التطور.

على المستوى السينمائي، خاض قيس خيري تجارب مبكرة ومتنوعة، شكلت امتدادًا طبيعيًا لمساره المسرحي، ومجالًا جديدًا لاختبار حضوره الفني أمام الكاميرا. فقد شارك عام 2005 في الفيلم السينمائي “قلوب محترقة” للمخرج أحمد المعنوني، وهو عمل رسّخ حضوره في تجربة سينمائية ذات طابع احترافي. كما شارك عام 2008 في الفيلم السينمائي”موسم المشاوشة” للمخرج الراحل محمد عهد بنسودة، إلى جانب مشاركته في الفيلم القصير”الباير”للمخرج رشيد الشيخ، مما أتاح له تنويع أدواته بين المسرح والسينما، والتعامل مع لغات فنية مختلفة.غير أن هذا المسار الفني، رغم بداياته الواعدة، لم يجد الدعم الكافي داخل محيطه الأسري، حيث ظلّ العمل المسرحي في نظرهم نشاطًا غير مضمون الدخل، لا يرقى إلى مستوى الاستقرار المهني، وهو ما كان يُختصر في عبارة دارجة مفادها أن “المسرح لا يطعم الخبز”. أمام هذا الضغط العائلي، اضطر قيس إلى اتخاذ قرار صعب، تمثل في الابتعاد المؤقت عن المجال الفني، والالتحاق بوظيفة في القطاع البنكي، بحثًا عن الاستقرار المادي والاستجابة لتطلعات أسرته.هذا التحول شكل منعطفًا حادًا في مساره، إذ أدى إلى فرملة انطلاقته الفنية، وأبعده عن الخشبة والكاميرا لمدة تقارب عامين. غير أن هذا الابتعاد لم يكن نهائيًا، فقد ظلّ الارتباط الداخلي بالمسرح حيًا، إلى أن عاد عام 2010، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة، حيث خاض أول تجربة له في الإخراج المسرحي.فقد تولى إخراج عمل مسرحي لفائدة فرقة الفنان المرحومإدريس المعنوي، ليشارك من خلاله في إقصائيات مسرح الشباب بمسرحية”المجذوب” في زمن الكذوب. وقد تمكن العمل من تحقيق نتيجة مهمة، إذ انتزع المرتبة الثانية خلف أستاذه السابقالفنان والمخرج محسن مهتدي، وهو ما شكل اعترافًا جديدًا بقدرته على الانتقال من التمثيل إلى الإخراج، وفتح أمامه أفقًا إبداعيًا أكثر اتساعًا ونضجًا.

رغم المسار الذي بدأ يتشكل عند الفنان قيس خيري تدريجيًا بين المسرح والسينما، فإن الظروف الأسرية دفعته مرة أخرى إلى التراجع عن انخراطه الفني، والعودة إلى التركيز على حياته المهنية والعملية، وقد بدت هذه العودة إلى الاستقرار الوظيفي في ظاهرها خيارًا عقلانيًا، غير أن أثرها النفسي كان مختلفًا تمامًا؛ إذ كان يشعر في أعماقه أن شيئًا جوهريًا ينقص حياته، وأن وجوده لا يكتمل خارج فضاء المسرح، ظل هذا الإحساس يرافقه باستمرار، مؤكدًا له أنه لم يُخلق ليكون موظفًا عاديًا، بل ليكون جزءًا من عالم أوسع وأكثر تعبيرًا وحرية.استمرت هذه الحالة من الصراع الداخلي قرابة أربع سنوات، عاش خلالها بين واجب الاستقرار من جهة، ونداء الشغف من جهة أخرى، إلى أن حسم قراره عام 2014 بالاستقالة من وظيفته، والعودة الكاملة إلى عالم المسرح، غير أن العودة لم تكن سهلة، فقد وجد نفسه أمام مشهد فني تغيرت ملامحه بشكل كبير؛ إذ ابتعدت العديد من الوجوه التي كان يعرفها، وبرزت طاقات شابة جديدة، مما جعله يشعر وكأنه يبدأ من نقطة الصفر من جديد، في ساحة تحتاج إلى إعادة إثبات الذات وبناء الحضور من جديد.في هذا السياق، التحق بجمعية المواهب الشابة للسينما والمسرح، التي كانت تضم أسماء جديدة بصدد تشكيل تجربتها الخاصة، واشتغل معها على مسرحيات متواضعة من حيث الإمكانيات، مثل”أعطيني عقلك”و”الريح”، من إخراجعبد اللطيف زوهير. وقد تميزت هذه المرحلة بالتذبذب بين الاشتغال والانقطاع، نتيجة صعوبة إعادة التموقع داخل مشهد فني متغير وسريع التطور.استمر هذا الوضع إلى حدود عام 2016، حيث ستتغير منحيات مساره مجددًا، عندما تم اختياره من طرف الأستاذحسن صابر، المندوب الإقليمي لوزارة الشباب والرياضة آنذاك ومدير دار الشباب القدس، للإشراف على الإخراج الفني للحفل الافتتاحي للمهرجان العربي لمسرح الشباب، الذي احتضنه مسرح محمد السادس بمدينة وجدة.

مثّل هذا التكليف محطة مفصلية في مساره الإخراجي، إذ أتاح له فرصة لإبراز رؤيته الفنية بشكل أكثر نضجًا وجرأة. وقد قدّم تصورًا إخراجيًا غير مألوف، حوّل الحفل الافتتاحي إلى لوحة فنية متكاملة، بدت أقرب إلى عرض أسطوري مستوحى من أجواء “ألف ليلة وليلة”، حيث تحكي شهرزاد عبر تعدد الفنون قصتها أمام شهريار، من خلال مزيج متنوع شمل الرقص التعبيري، والحكي وفن الحلقة، والرسم الاستعراضي، والمشاهد المسرحية الكوميدية والتراجيدية، في توليفة فنية متداخلة ومتجانسة.وقد خلف هذا العرض انبهارًا واسعًا لدى الوفود العربية المشاركة، التي مثلت دولًا مثل مصر، السعودية، فلسطين، الإمارات، الأردن، سلطنة عمان ولبنان، حيث عبّرت عن إعجابها الكبير، مؤكدة أنها تشاهد لأول مرة حفل افتتاح بهذا المستوى من الابتكار والتميز، ما جعل هذه المحطة بمثابة اعتراف عربي بقدراته الإخراجية، ورسّخ حضوره كاسم قادر على تقديم رؤية مسرحية مختلفة وغير تقليدية.وفي العام نفسه، أي عام 2016، عاد قيس خيري إلى أحضان جمعية علاء الدين للفن المسرحي، وهي فرقة أستاذه المخرجأحمد جهيد، في خطوة أعادت ربطه بجذور تجربته المسرحية الأولى، وفتحت أمامه أفقًا جديدًا من الاشتغال الفني الأكثر نضجًا واستقرارًا. ضمن هذا الإطار، شارك في مسرحية”منزلة بين الهزيمتين”، من تأليف الدكتور الراحلمحمد الكغاطوإخراج أحمد جهيد، وهي تجربة شكلت محطة مهمة في مساره التمثيلي.وقد توّج هذا العمل بحصيلة متميزة من الجوائز، حيث نال جائزة أحسن تشخيص ذكور في مهرجان دار الفن الدولي للفرجة المسرحية، إلى جانب جائزة أحسن نص مسرحي، وجائزة التصميم الكوريغرافي التي أشرف عليها الفنانسعيد الودغيري. وقد عكست هذه التتويجات حجم الجهد المبذول في العمل، وأهمية الأداء الجماعي الذي ساهم في نجاحه.بعد هذا التتويج، واصل قيس اشتغاله مع نفس الفرقة، متوجهًا نحو مسرح الطفل، حيث شارك في مسرحية”الإخوة الثلاثة”، من تأليفمحمد لكحلوإخراج أحمد جهيد. وقد مثل هذا العمل مرحلة انتقالية نحو مسرح موجه للطفل، قائم على البساطة في الطرح والعمق في الرسالة التربوية.وفي الموسم الثاني، تم تقديم العمل في صيغته الجديدة تحت عنوان”أبو فطنة والشيطان”، حيث شارك في عدد من المهرجانات الوطنية، من بينها ملتقى مارتيل لمسرح الطفل، والمهرجان الدولي لمسرح الطفل بتازة، والملتقى التجريبي لمسرح الطفل بخنيفرة. وقد ساهمت هذه المشاركات في توسيع حضوره الفني داخل فضاء مسرح الطفل، وتعزيز خبرته في التعامل مع جمهور مختلف من حيث التلقي والتفاعل، مما رسّخ مكانته كممثل قادر على التنقل بين أنماط مسرحية متعددة باحترافية ومرونة.

في عام 2019، عاد قيس خيري إلى فضاء المسرح الجامعي من جديد، بدعوة من صديقه الفنانسعيد الودغيري، في خطوة أعادت ربطه بتجربة أكاديمية وفنية ذات طابع تجريبي متجدد. ضمن هذا السياق، انضم إلى فريق عمل مسرحية”ليمبو”من إخراجرضا التسولي، وهي تجربة اعتبرها محطة مختلفة كليًا عن سابقاتها، لما حملته من مقاربة فنية مغايرة تقوم على المزج بين التعبير الجسدي والبصري في آن واحد، في إطار بحث جمالي يزاوج بين الحركة والدلالة.وقد شكل هذا الاشتغال نقلة نوعية في وعيه المسرحي، إذ أتاح له التفاعل مع أساليب إخراجية حديثة تركز على الجسد باعتباره أداة تعبير أساسية، وعلى الصورة كعنصر بنيوي في بناء العرض المسرحي. وبعد هذه التجربة، واصل انخراطه داخل نفس الفضاء، حيث شارك في مسرحية”غشية” ضمن المحترف الجامعي، مما عزز حضوره داخل مشاريع تعتمد على التجريب والبحث الفني.وفي العام نفسه، خاض تجربة مسرحية أخرى من خلال مشاركته في مسرحية”التياس”، من إخراج الفنان والمخرجمحمد خشلة، وتأليف الزجال الراحلأحمد الطيب لعلج. وقد شارك في هذا العمل إلى جانب مجموعة من الأسماء المسرحية البارزة بمدينة فاس، من بينهم محمد عزام بهلول، والخمار المريني، والممثلة منال الصديقي، في تجربة جماعية جمعت بين الخبرة والتنوع الفني.وقد حظيت هذه المسرحية بدعم إنتاج وترويج من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، مما أتاح لها شروطًا أفضل للعرض والتداول. كما شكلت بالنسبة لقيس خيري فرصة مهمة لإبراز قدراته التمثيلية من جديد، وإعادة تأكيد حضوره فوق الخشبة، في سياق فني يجمع بين التنافسية والتجريب، ويمنحه إمكانية تطوير أدواته التعبيرية ضمن فرق عمل متعددة الرؤى والخلفيات الجمالية.

غير أن شغفه بالإخراج، ورغبته في إبراز بصمته الخاصة، لم يفارقاه في أي مرحلة من مساره الفني. فقد ظلّ هذا الطموح يتجدد داخله باستمرار، إلى أن حسم أمره عام 2019 بإخراج العرض الاستعراضي”القبو”، بدعم من عدد من المنظمات الدولية. وقد شكّل هذا العمل تجربة فنية مغايرة، ورؤية جديدة في عالم المسرح، حيث سعى إلى كسر الحدود التقليدية بين الأجناس الفنية، عبر جمع عدة تعبيرات إبداعية داخل فضاء ركحي واحد.ففي هذا العرض، تداخلت أشكال فنية متعددة مثل الراب، و”الستانداب كوميدي”، وفن السلم، والرسم التشكيلي، إضافة إلى توظيف عناصر سينمائية، جميعها داخل حبكة مسرحية واحدة متماسكة. هذا المزج غير المألوف منح العمل طابعًا تجريبيًا جريئًا، وجعله علامة فارقة في مساره المهني، سواء من حيث الرؤية الإخراجية أو من حيث جرأة الطرح الفني.وقد مثّل هذا العمل نقطة تحول حقيقية في وعيه الفني، إذ دفعه إلى إعادة التفكير في وظيفة المسرح، كمنصة للترافع عن القضايا الاجتماعية. ومن هنا، ترسخ لديه توجه واضح نحو الاشتغال على مواضيع تمسّ واقع الشباب ومعاناتهم اليومية، عبر لغة فنية قريبة من الجمهور وأكثر التصاقًا بهمومه.وانطلاقًا من هذا الوعي الجديد، أخرج بعد ذلك مسرحية”ديباناج”، التي تناولت إشكالية العدالة الترابية وما تطرحه من اختلالات اجتماعية وتنموية. وقد لاقت هذه المسرحية صدى إيجابيًا، حيث تم تقديمها في جولة فنية شملت عدة مدن داخل المملكة، ما أتاح لها الوصول إلى جمهور واسع، ورسّخ مكانة قيس خيري كمخرج يسعى إلى توظيف المسرح كأداة للتفكير والنقاش العمومي، وليس فقط كفن للفرجة.

توقّف قيس خيري عن الاشتغال الفني بشكل اضطراري مع تفشّي جائحة كورونا، التي شلّت مختلف الأنشطة الثقافية والفنية وأوقفت الحركة المسرحية لسنوات. وقد شكّلت تلك المرحلة فترة تأمل وإعادة تقييم لمساره الفني، قبل أن يعود تدريجيًا إلى الساحة عام 2023، محمّلًا برؤية أكثر نضجًا ووعيًا بدور المسرح في المجتمع.في هذا السياق، استأنف اشتغاله مع المحترف الجامعي من خلال مسرحية”إيماجيناريوم”من إخراج رضا التسولي، وهي تجربة لافتة في مساره الفني، لما حملته من طابع تجريبي واضح في الرؤية والأسلوب، وقد توّج هذا العمل بحصوله على جائزة التجريب المسرحي في المهرجان الدولي للمسرح الجامعي بمدينة طنجة، وهو ما اعتُبر اعترافًا بجودة المقاربة الفنية التي اعتمدها الفريق.ولا تزال هذه المسرحية إلى اليوم تواصل جولاتها داخل عدد من المدن، في إطار دعم العروض المسرحية الذي توفره وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ومن المنتظر أن تُختتم جولتها خلال شهر ماي من عام 2026، ما يعكس استمرار حضورها ونجاحها على مستوى التلقي الجماهيري.وفي العام نفسه، أي 2023، اتجه قيس خيري إلى الإخراج مجددًا، حيث قدّم مسرحية”زون في”، التي تناولت موضوع العنف الحضري الذي يعاني منه الشباب في الفضاءات الحضرية. وقد جاء هذا العمل استمرارًا لاهتمامه بالقضايا الاجتماعية، خاصة تلك المرتبطة بالهشاشة والتهميش والعنف اليومي، في مقاربة مسرحية تسعى إلى تحويل الواقع إلى مادة للتفكير النقدي.كما شارك في المهرجان الوطني لمسرح الشباب من خلال مسرحية”ظلال معلقة”، التي عززت حضوره ضمن التجارب المسرحية الموجهة لفئة الشباب، ورسخت انخراطه في قضاياهم.وفي عام 2025، واصل مشروعه الإخراجي بإبداع مسرحية”العساس”، التي اعتُبرت امتدادًا لمشروعه الفني حول العنف الحضري لدى الشباب، حيث عمّق من خلالها معالجته لهذا الموضوع، في رؤية مسرحية أكثر نضجًا وجرأة، تؤكد استمرارية خطه الإبداعي القائم على ربط المسرح بالأسئلة الاجتماعية الراهنة.

إلى جانب مساره المتواصل في المجال المسرحي، انخرط قيس خيري في العمل الجمعوي الثقافي منذ التحاقه عام 2014 بـجمعية المواهب الشابة للسينما والمسرح، حيث ساهم بشكل فعّال في تنظيم مهرجانأيام فاس للتواصل السينمائي، الذي بلغ دورته الثالثة عشرة، وأصبح يُعدّ من أبرز التظاهرات السينمائية المحلية بمدينة فاس.وقد جاء هذا المهرجان ثمرة تعاون مجموعة من الفنانين الشباب، من بينهم عبد اللطيف زوهير، وإبراهيم بنخدة، ومحمد كمال الوالي، حيث عملوا على ترسيخ ثقافة سينمائية ناشئة داخل المدينة، عبر برمجة عروض ولقاءات وورشات تستهدف الجمهور العام والمهتمين بالشأن السينمائي. ومع مرور السنوات، اكتسب المهرجان مكانة معتبرة في المشهد الثقافي المحلي، باعتباره منصة لدعم الطاقات الشابة وتشجيع النقاش حول الصورة السينمائية وامتداداتها الفنية.وفي سياق انفتاحه على تجارب جديدة، خاض قيس خيري عام 2018 تجربة سينمائية دولية من خلال مشاركته في الفيلمالجاسوس، من إخراج المخرج البريطانيجيدون ليف، حيث جسّد دور “حسن”، وهو شخصية مواطن سوري، في تجربة أتاحت له الاحتكاك ببيئة إنتاج مختلفة، والعمل ضمن فريق دولي متعدد الخلفيات الثقافية والفنية. وقد مثّلت هذه التجربة إضافة نوعية لرصيده، من حيث الانفتاح على أنماط اشتغال سينمائي أكثر احترافية وتنوعًا.وفي عام 2019، التحق بـأكاديمية “سيترا” لمهن الفن والتواصل، حيث بدأ مساره كمتدرب في المجال الصحفي، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى مهمة تأطير ورشات في فنون المسرح. وقد استمر في هذا الدور إلى غاية عام 2022، مما أتاح له الجمع بين التكوين والممارسة، وبين الجانب النظري والتطبيقي، في إطار تجربة مهنية متعددة الأبعاد.كما عزز الفنان قيس خيري رصيده الفني من خلال مشاركته في العرض المسرحي”نوستالجيا” بمدينة فاس، في نسختيه عامي 2025 و2026، من إخراج الفنانأمين ناسور. وقد شكل هذا العمل امتدادًا لمساره المسرحي، حيث ساهم في إبراز حضوره الفني ضمن مشاريع مسرحية ذات طابع تأملي ووجداني، تعتمد على استحضار الذاكرة الفردية والجماعية في صياغة فرجة مسرحية معاصرة.وهكذا يتضح أن مساره تجاوز التمثيل والإخراج، وشمل العمل الثقافي الجمعوي، والتجربة السينمائية الدولية، والتأطير التكويني، في مسار متكامل يعكس تنوع اهتماماته وثراء تجربته الفنية.

لم يغفل قيس خيري خلال مساره الفني أي فرصة للتكوين أو التمرّس في المجال المسرحي، بل تعامل مع كل محطة تعليمية أو مهنية باعتبارها خطوة إضافية نحو ترسيخ أدواته وتوسيع رؤيته الإبداعية. فقد حرص على التتلمذ على يد نخبة من أساتذة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، إلى جانب مخرجين ومؤطرين بارزين في الساحة المسرحية، من بينهمأمين ناسور، ومحمود الشاهدي، ومحمد الحر، ومسعود بوحسين، ولطيفة أحرار، وبشرى أهريش، وغيرهم من الأسماء التي ساهمت في تشكيل وعيه الفني وصقل تجربته الجمالية.هذا التراكم المعرفي والتقني مكّنه من تطوير أدواته في التشخيص والإخراج، وجعله لاحقًا من بين المؤطرين البارزين في المجال المسرحي بمدينة فاس، حيث انتقل من موقع المتعلم إلى موقع المؤطر والمكوّن. وقد ساهم بشكل فعّال في تكوين أجيال جديدة من الشباب الذين شقوا طريقهم في عالم المسرح، من خلال إشرافه على عدد من الورشات والمشاريع الثقافية التي تهدف إلى نشر الثقافة المسرحية وتعزيز الممارسة الفنية لدى الفئات الشابة.ومن بين أبرز هذه المبادرات، مشروع”أجي تمسرح”الذي تنظمه جمعية مبدعون ومبدعات، والذي بلغ دورته السادسة عام 2026، حيث شكّل فضاءً مفتوحًا للتجريب والتكوين المسرحي، يجمع بين التكوين النظري والتطبيق العملي. كما شارك في تأطير ورشات فنية بشراكة مع المديرية الجهوية لقطاع الثقافة بجهة فاس مكناس، في إطار دعم السياسات الثقافية الهادفة إلى نشر الفعل المسرحي وتقريبه من الشباب.وفي سياق تطور مساره المهني، يشتغل قيس خيري حاليًا بالمركز السينمائي الذي أُحدث من طرف وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، بشراكة مع الجامعة المغربية للأندية السينمائية، وذلك بمقر المكتبة الجهوية بمدينة فاس، حيث يساهم في مواكبة الدينامية السينمائية والتكوينية داخل هذا الفضاء الثقافي.ومن خلال هذه المسيرة المتنوعة والغنية، راكم قيس خيري تجربة مسرحية وسينمائية لا يُستهان بها، جعلته فنانًا متمكنًا من أدواته التشخيصية والإخراجية، وقادرًا على الاشتغال بوعي تقني وجمالي متقدم. ورغم هذا التراكم، فإنه يظل يعتبر أن مساره لم يأخذ بعد الفرصة الكاملة لانطلاقة أكثر اتساعًا، ولم يتمكن من تجسيد كل أفكاره الإبداعية بالشكل الذي يطمح إليه.

إن رؤية قيس خيري الفنية تتسم بطابع تجديدي واضح يفكر دائمًا خارج القوالب الجاهزة، وينفتح على تصورات إبداعية تتجاوز حدود المسرح التقليدي، نحو أفق أكثر رحابة، يجمع بين التجريب، والانفتاح على الفنون الأخرى، ورؤية عالمية للفرجة المسرحية، تجعل من الفن وسيلة للتفكير والتأمل وإعادة مساءلة الواقع. يُعد الفنان قيس خيري نموذجًا لمسار مسرحي وفني متنوع، تدرّج من البدايات المحلية في فاس إلى تجارب احترافية في المسرح والسينما والإخراج، تطور مساره عبر العمل مع فرق مسرحية وجمعيات ثقافية، ثم خاض تجربة الاحتراف مع مسرح الطفل، قبل أن يراكم حضورًا في مهرجانات وطنية ودولية، ويشارك في أعمال مسرحية وسينمائية متعددة. كما اشتغل في الإخراج، وقدّم أعمالًا ذات طابع تجريبي واجتماعي، أبرزها عروض تناولت قضايا الشباب والعنف الحضري والعدالة الترابية، وانماز مساره بتعدد تجاربه بين التمثيل، الإخراج، والتكوين، وبنزعة تجريبية تسعى إلى تجاوز الأشكال التقليدية للمسرح، مع انشغال واضح بالقضايا الاجتماعية للشباب، ما يجعله فنانًا يسعى إلى توظيف الفن كأداة للتعبير والتغيير.

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى