مقامات فاس| مقصد الطالبين وموئل السالكين: اطردوا الفقرَ لا الفقراء بإقامةِ العدلِ وصيانةِ الكرامة


لأنّ فاسَ، يا صاحِبَ السمعِ والاعتبار، والذكر والافتخار، ليست مدينةً تُزارُ فتُنسى، ولا مَعْلَمًا يُرى ثم يُطوى، ولكنّها مِحرابُ ذاكرةٍ إذا استُدعيَت لبّت، ومقامُ روحٍ إذا استُنطِقَت أجابت، تنبجسُ من جنباتِها الحكاياتُ كما ينبجسُ الماءُ من عيونِ الجبال، وتترقرقُ فيها الذكرياتُ كأنّها جدولٌ لا ينضبُ ولا يَزول. هي دارٌ تُستشرفُ فيها الآتي كما يُستعادُ فيها الماضي، فكأنّها مرآةُ الأزمنةِ، تجمعُ بين ما كان وما يكون، وتُهيّئُ للعقلِ أن يعبرَ من ضفّةِ الذكرى إلى أفقِ الرجاء. ترى أزقّتَها، إذا سلكتَها، كأنّها سطورُ كتابٍ عتيق، خُطّت بأناملِ الدهر، وتراكمت فيها أخبارُ الناسِ طبقةً فوق طبقة، حتى غدت سجلًّا حيًّا لا يحتاجُ إلى راوٍ، ولا يفتقرُ إلى شاهد. وتتآلفُ القبابُ والمآذنُ فيها كأنّها قوافٍ في قصيدةٍ أزلية، لا تنقضي معانيها، ولا تنفدُ أغراضُها، فإذا نظرتَ إليها حسبتَك تُصغي إلى شعرٍ مرئيّ، أو تقرأُ بناءً يُنشدُ ولا يُقال. وهي دارُ جامعة القرويين، تلك التي أشرقت منها أنوارُ العلمِ كما تُشرقُ الشمسُ من مطالعها، فغدت مقصدَ الطالبين، وموئلَ السالكين، ومثابةَ كلّ من رامَ الحكمةَ أو ابتغى البيان. فيها تلاقحتِ الأفكار، وتجاورتِ العقول، فانبثقتِ المقاماتُ علمًا وفنًّا، وجرى على ألسنةِ البلغاءِ منها نهرٌ عذبٌ سيّال، لا يُكدّره زمان، ولا يُعكّره نسيان. وفي فاسَ يتواشجُ العلمُ بالفنّ تواشجَ الروحِ بالجسد، فلا يُدركُ أحدُهما دونَ الآخر، ولا يكتملُ المعنى إلا بهما معًا. تسمعُ في أسواقِها صدى الحِرفِ كأنّه إيقاعٌ موزون، يُحاكي أوزانَ العَروض، وترى في زليجِها هندسةً ناطقةً، كأنّها جُمَلٌ مُرصّعةٌ بحروفِ الجمال، تُنظّمُ الفضاءَ كما يُنظَّمُ الكلام. كلُّ زاويةٍ فيها قصيدة، وكلُّ بابٍ فيها افتتاحُ حكاية، وكلُّ ممرٍّ فيها سطرٌ من مقامٍ لم يُكتب بعد. فإذا قيل: “مقاماتُ فاس”، فلا يُرادُ بها مكانٌ يُحدّ، ولا جغرافيا تُقاس، بل يُرادُ بها نهجٌ في النظر، وأسلوبٌ في الحياة، يتزيّا بالبلاغة، ويتوشّحُ بالمعرفة، ويجعلُ من اليوميّ فنًّا، ومن العاديّ بديعًا، ومن الصمتِ خطابًا يُفهمُ ولا يُنطق. هناك تُولدُ الحكايةُ من زقاقٍ ضيّق، ثم تكبرُ في مجلسٍ رحب، حتى تستحيلَ مقامًا يُروى، يُزيّنه السجعُ، ويُحكمه المعنى، وتُحييه الروح. لذلك جاءت “مقاماتُ فاس” لا تسليحة للسامعين، ولكن لتُسائلَ الحاضرَ عمّا اعترى وجهَه من غبار السابقين، وتنبشَ في الماضي عمّا دُفنَ فيه من أسرار، وتستشرفَ المستقبلَ بعينٍ بصيرة والأسرار، تُبصرُ ما وراءَ الحُجب، وتستقرئُ ما تخبّئه الأقدار والسحب. فهي مرآةٌ ناقد، ولسانٌ شاهد، وجسرٌ ممتدّ بين الأمسِ واليومِ والغد، كأنّ فاس تكتبُ قدرَها، وتُملِي على الزمانِ مقامًا لا ينتهي:
الحمدُ للهِ الذي بسطَ الأرضَ بساطًا، وجعلَ فيها للأنامِ معاشًا ومَقامًا، وقسّمَ الأرزاقَ بحكمةٍ لا تُرام، فلا يُدركُ سرَّها لبيبٌ ولا يحيطُ بها أوهام، والصلاةُ على من بُعثَ رحمةً للورى، فسوّى بين الناسِ في الكرامةِ سواءً، لا فضلَ لغنيٍّ على فقيرٍ إلا بالتقوى، وعلى آله وصحبِه أهلِ النهى.
أمّا بعدُ، فإني شهدتُ في بعضِ أسفارِي في المغرب مجلسًا اجتمعَ فيه قومٌ من ذوي الرأيِ والاعتبار شيبا وشبابا، يتذاكرون أحوالَ البلاد، ويستعرضون شؤونَ العباد، فقامَ فيهم خطيبٌ جهوريُّ الصوت، مهيبُ السمت، فقال: “لقد ضاقتِ الأرضُ بأهلِ الفاقة، وكثرَ المتسكعون في الطرقات، وأضحى الفقرُ داءً مستفحلًا، لا تُرجى له براءةٌ ولا تُرتجى منه نجاة، فلو أنّا طردنا هؤلاءِ الفقراء، لصفا وجهُ المدينة، وانقشعَ عنها ما علقَ بها من الكدر!”، فاضطربَ المجلسُ بين مُؤيّدٍ ومُعارض، وسكتَ من كان ذا حُجّةٍ ينتظرُ فرصةَ البيان، حتى نهضَ شاب أشعثُ الهيئة، بادي النحول، جميل المحيا، واضح البيان، ولكنّ في عينيه بريقَ فكرٍ لا يُستهان، فقال: “رويدكَ أيها الخطيب المفوه، فقد أخطأتَ موردَ القول، وزللتَ عن سواءِ السبيل، فإنّ الفقراءَ ليسوا عارًا يُستأصل، ولا داءً يُستأصل، هم مرآةُ خللٍ في النظام، وعنوانُ خللٍ في الأحكام. أتريدُ أن تُخفي الجرحَ بسترِ الثوب، وتدعَ الداءَ ينخرُ في الجسدِ حتى يعمّ الخراب؟”، ثم قال: “إن كنتم لا تريدون الفقراء، فاطردوا الفقر، لا الفقراء! فإنّ الفقرَ هو البلاءُ المُبين، وهو أصلُ الشقاءِ والأنين، وهو الذي يُذلّ الكريمَ حتى ينحني، ويُخرسُ الفصيحَ حتى يكتفي، ويُميتُ في النفوسِ نورَ الأمل، ويزرعُ مكانَه اليأسَ والوجل.”فأصغى القومُ إلى حديثِه والواضح البيان، كأنّ على رؤوسِهم الطير، فقال: “إنّ السكنَ حقٌّ لا يُنازع، ومن حُرمَ المأوى فقد حُرمَ الأمنَ والسكينة، فكيف يُطلبُ منه صلاحٌ وهو في خوفٍ وقلق؟ وكيف يُرجى منه بناءٌ وهو في هدمٍ وضيق؟ وإنّ الصحةَ تاجٌ على رؤوسِ الأصحّاء لا يراهُ إلا المرضى، فمن حُرمَ العلاجَ كان كمن يُلقى في لجّةِ بحرٍ بلا سفينة، تتقاذفه الأمواجُ حتى يلفظهُ الهلاك. وأمّا التعليمُ فهو النورُ الذي يُبدّدُ ظلماتِ الجهل، فمن حُجبَ عنه، بقيَ أسيرَ الوهمِ والخرافة، لا يعرفُ طريقًا ولا يهتدي إلى صراط.”
ثم استرسلَ الشباب قائلا: “وأما الشغلُ، فهو كرامةُ الإنسان، به يحيا، وبه يستغني عن سؤالِ الناس، فمن عُطّلَ عن العمل، كأنما قُطعت عنه أسبابُ الحياة، فصارَ عالةً على غيره، وإن كان في الأصلِ ذا همةٍ وكفاية. فكيف نلومُ الفقيرَ على فقره، ونغفلُ عن أسبابِه؟ وكيف نُدينُ الضعيفَ على ضعفه، ونحنُ الذينَ قعدنا عن نُصرته؟”، ثم رفعَ صوتهُ وقال: “يا قوم، إنّ الأممَ لا تُقاسُ بما تملكُ من الأبراجِ الشاهقة، ولا بما تُباهي به من مظاهرِ البذخ، ولكن تُقاسُ بما تُقيمُه من عدل، وما تُحققه من إنصاف، فإن كان في الأرضِ جائعٌ لا يجدُ قوتَه، أو مريضٌ لا يجدُ دواءه، أو طفلٌ لا يجدُ كتابه، فاعلموا أنّ الخللَ فينا، لا فيهم، وأنّ الداءَ في نظمِنا، لا في ذواتِهم.”
وقال الشاب الورع، عليكم بالعلمِ، فإنّه سلطانٌ لا يبلى، ونورٌ لا يخبو، وذُخرٌ لا يُفنى، به تُستضاءُ الدروبُ إذا ادلهمّت، وتُكشفُ الحُجُبُ إذا التبست، وترتفعُ العقولُ من حضيضِ الجهلِ إلى ذُرى البيان. هو السلاحُ الذي لا يصدأ، والحصنُ الذي لا يُغلب، به يَعلو شأنُ الأمم، وتستقيمُ موازينُ القيم، فلا تُنالُ السيادةُ بغيرِه، ولا تُحفظُ الكرامةُ إلا في ظلّه.وعليكم بالفنِّ، فإنّه رفيقُ الروحِ إذا أوحشت، ومرآةُ الوجدانِ إذا اعتلجت فيه المعاني، يُهذّبُ النفوسَ من غِلظتها، ويُرقّقُ القلوبَ من قسوتها، ويُروّضُ الفتنَ إذا ثارت، فيحوّلُ صخبَها نغمًا، وفوضاها نظامًا. به تتجلّى أسرارُ الجمال، وتُصاغُ الأحاسيسُ في قوالبَ تُرى وتُسمع، فيكونُ للإنسانِ به حياةٌ أخرى، أصفى مداركًا وأعمقُ إدراكًا.فاجمعوا بين العلمِ والفنّ، فإنّهما جناحانِ لا ينهضُ الطائرُ إلا بهما، ولا يكتملُ الإنسانُ إلا باتّحادهما، فإذا اجتمعا، استنارتِ البصائر، واستقامتِ السرائر، وسادَ في الناسِ ميزانُ العقلِ وروحُ الجمال.
فسكتَ القومُ هنيهةً، وقد بانَ عليهم أثرُ التأثّر والهمهمة، كأنّهم خرجوا من غفلةٍ إلى يقظة، ومن سهوٍ إلى انتباه، فقال بعضُهم: “لقد أصبتَ وأحسنتَ البيان، وكشفتَ الغطاءَ عن موضعِ الداء، فما الحيلةُ إذن؟ وما السبيلُ إلى الإصلاح؟”، فقال الشاب: “السبيلُ أن نُقيمَ العدلَ أساسًا، وأن نجعلَ الحقوقَ لا تُمنحُ مِنّةً، وتُؤدّى واجبًا، وأن نُدركَ أنّ الإنسانَ لا يكونُ إنسانًا إلا إذا حُفظت كرامتُه، وصينت حقوقُه. فإذا أردتم مدينةً بلا فقراء، فابنوا فيها بيوتًا للفقراء، وافتحوا فيها أبوابَ العمل، وأقيموا فيها مدارسَ للعلم، ومستشفياتٍ للعلاج، وأفشوا الأمن والأمان، واقطعوا دابر الرشوة والفتن، حينئذٍ يزولُ الفقرُ من تلقاءِ نفسه، وتبقى الكرامةُ عنوانًا، والإنسانُ قيمةً لا تُهدر.”ثم انصرفَ الشاب، انصراف الواع بشأن وطنه، العارف بسمت ألمه، وقد تركَ في النفوسِ أثرًا لا يُمحى، وبقيت كلماتهُ تتردّدُ في الآذان لا تبلى، كأنّها صدى حقٍّ لا يُدحض، وميزانُ عدلٍ لا يُكسر. فعلمتُ يومئذٍ أنّ الفقرَ ليس قدرًا محتومًا، ولكن صنيعةُ يدٍ تُصلحُ أو تُفسد، وأنّ طردَ الفقراء ظلمٌ بيّن، أمّا طردُ الفقرِ فهو العدلُ الذي به تقومُ الأمم، وتزدهرُ الأوطان.
فيا من بيدِه زمامُ الأمرِ ومقاليدُ النهي، ويا من أُقيمَ في موضعِ الرعايةِ والحِمى، اتّقِ اللهَ في عبادِه الذين استُرعيتَ شؤونَهم، ولا تجعلِ الفقرَ قضاءً مبرمًا يُتلى كأنّه قدرٌ لا يُدفع، ولا بلاءٌ لا يُرفع، واجعلْه خصمًا لدودًا تُشهرُ في وجهِه سيوفَ العدل، وتُقيمُ عليه بيّناتِ الإصلاح. فإنّ الفقرَ إن تُركَ استشرى، وإن أُهملَ استفحل، يفتكُ بالكرامةِ كما تفتكُ النارُ بالهشيم، ويقوّضُ أركانَ الرجاء حتى لا يُبقي في النفوسِ غيرَ صدى الحسرةِ والأنين.فاعمدْ إلى أصولِه فاقتلعْها، وإلى منابعِه فاقطعْها، وأقمْ في الأرضِ موازينَ القِسط، تُؤتى فيها الحقوقُ لأهلِها غيرَ منقوصة، ويُرفعُ فيها الحيفُ عن الضعيفِ والمحروم. فبالعدلِ تُصانُ الأوطان، وبالإنصافِ تُبنى الأركان، وإذا زالَ الفقرُ أزهرتِ الآمال، وانطلقتِ الطاقاتُ من عقالِها، فقامَ الإنسانُ كريمًا لا يمدّ يدًا ولا يطأطئُ رأسًا.واعلمْ أنّ في محاربةِ الفقرِ إحياءً للضمائر، وإنعاشًا للمجتمعات، وبعثًا لروحِ النهضةِ في الأوطان، حتى تغدو البلادُ مأمنًا للكرامة، ومهوىً للعدل، ومشعلًا للإنسانية، والسلام.
سعيد العفاسي: صحافي ناقد فني

