هل يمكن لدونالد ترامب تعديل الدستور الأميركي للترشح لولاية جديدة؟: بين سابقة روزفلت ومنطق “الضرورة الجيوسياسية”

أعاد صعود دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأميركي أسئلة قديمة–جديدة حول حدود السلطة التنفيذية، وطبيعة النظام الدستوري الأميركي، وإمكانية تطويعه تحت ضغط الأزمات الدولية المتراكمة. ومن بين أكثر هذه الأسئلة إثارة للجدل، هل يمكن لترامب، نظريًا أو عمليًا، أن يسعى إلى تعديل الدستور الأميركي بما يسمح له بالترشح لولاية إضافية، مستندًا إلى حجم الملفات الدولية المفتوحة التي أطلقها أو انخرط فيها، على غرار ما فعله فرانكلين ديلانو روزفلت في أربعينيات القرن الماضي؟، للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة، أولا الإطار الدستوري الصارم، وثانيا السابقة التاريخية، وثالثا منطق “الضرورة السياسية” الذي كثيرًا ما تلجأ إليه القيادات الشعبوية لتبرير توسيع السلطة.

ينص التعديل الثاني والعشرون للدستور الأميركي، الذي أُقرّ عام 1951، بوضوح على أنه “لا يجوز انتخاب أي شخص لمنصب رئيس الولايات المتحدة أكثر من مرتين”. هذا التعديل جاء تحديدًا كرد فعل على تجربة روزفلت، الذي انتُخب أربع مرات متتالية (1932، 1936، 1940، 1944) في سياق الكساد الكبير ثم الحرب العالمية الثانية. من الناحية القانونية الصرفة، لا يملك أي رئيس، بمن فيهم ترامب، آلية مباشرة لتجاوز هذا النص. تعديل الدستور الأميركي يتطلب مسارًا بالغ التعقيد: موافقة ثلثي أعضاء مجلسي الكونغرس، ثم تصديق ثلاثة أرباع الولايات. وهو مسار لم يُنجز تاريخيًا إلا في لحظات توافق وطني عميق، لا في ظل استقطاب حاد كالذي تعيشه الولايات المتحدة اليوم. بالتالي، فإن فكرة “تعديل الدستور من أجل ترامب” تصطدم، مبدئيًا، بحائط قانوني صلب، يجعلها أقرب إلى الطرح السياسي الرمزي منها إلى مشروع واقعي قابل للتنفيذ.

يستحضر أنصار فكرة الولاية الإضافية لترامب تجربة روزفلت بوصفها سابقة تاريخية. غير أن هذا الاستحضار يتجاهل فروقًا جوهرية. روزفلت لم يخرق الدستور، لأن الدستور حينها لم يكن يتضمن أي قيد على عدد الولايات الرئاسية. كما أن تمدد سلطته جرى في سياق إجماع نسبي فرضته الحرب العالمية الثانية، حيث بدا تغيير القيادة مخاطرة استراتيجية. أما ترامب، فيعمل ضمن نظام دستوري معدل صراحة لمنع تكرار تجربة روزفلت. كما أن البيئة السياسية الحالية تتسم بانقسام حاد، وانعدام ثقة بين المؤسسات، وتضخم دور الإعلام والقضاء، وهي عناصر تجعل من الصعب جدًا إعادة إنتاج مناخ الأربعينيات. اللافت في خطاب ترامب، سواء خلال ولايته أو بعدها، هو تقديم نفسه بوصفه “الرجل الضرورة” القادر وحده على إدارة عالم مضطرب. فمن الشرق الأوسط، حيث أعاد خلط أوراق الصراع عبر “اتفاقات أبراهام” والضغط الأقصى على إيران، إلى أوكرانيا والحرب مع روسيا، مرورًا بالصين وآسيا، وأفريقيا، وحتى كندا وأوروبا، يقدم ترامب سياساته بوصفها ملفات غير مكتملة تحتاج إلى “استمرارية القيادة”. هذا المنطق ليس جديدًا في التاريخ السياسي، إذ غالبًا ما تُستخدم الأزمات الخارجية لتبرير تمديد السلطة أو تقليص التداول الديمقراطي. غير أن النظام الأميركي، بخلاف أنظمة أخرى، يقوم على فكرة أن المؤسسات لا الأشخاص هي من تضمن الاستمرارية. فملف أوكرانيا، أو الصين، أو الشرق الأوسط، لا يُدار عبر الرئيس وحده، ولكن عبر شبكة معقدة من المؤسسات والبيروقراطيات والتحالفات.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن ترامب قد لا يسعى إلى تعديل الدستور بالمعنى القانوني الصارم، بل إلى إعادة تأطير النقاش العام حوله. فخطابه الشعبوي يقوم على التشكيك في “النخب” والمؤسسات، وطرح فكرة أن القوانين وُضعت لتقييد “إرادة الشعب”. من هنا، يصبح الحديث عن ولاية ثالثة أداة تعبئة سياسية أكثر منه خطة دستورية. الخطر الحقيقي لا يكمن في تعديل التعديل الثاني والعشرين، وإنما في تآكل احترامه الرمزي، وتحويله إلى موضوع قابل للمساومة السياسية، وهو ما قد يفتح الباب مستقبلًا أمام محاولات أكثر جذرية لإعادة تعريف حدود السلطة التنفيذية. تبدو إمكانية تعديل الدستور الأميركي خصيصًا لتمكين ترامب من ولاية جديدة شبه مستحيلة في المدى المنظور. غير أن إثارة هذا الاحتمال تخدم ترامب سياسيًا، لأنها تعزز صورته كقائد استثنائي يعيش في زمن استثنائي، وتحوّل النقاش من تقييم سياساته إلى “حتمية بقائه”.

إن المقارنة مع روزفلت، رغم جاذبيتها الخطابية، تظل مقارنة مضللة. فترامب لا يعمل في فراغ دستوري، ولا في ظل إجماع وطني شامل، بل داخل نظام صُمم تحديدًا لمنع تركّز السلطة مهما كانت الذرائع، بما فيها ذرائع الأزمات العالمية مثل ملف غزة. وعليه، فإن الرهان الحقيقي ليس على تعديل الدستور، بل على قدرة المؤسسات الأميركية على الصمود أمام خطاب “الضرورة”، وعلى وعي الرأي العام بأن إدارة الأزمات الدولية، بما فيها ملفات الشرق الأوسط، لا تبرر كسر القواعد التي تشكل جوهر الديمقراطية الأميركية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى