خسرنا مباراة، نعم. لكننا ربحنا أنفسنا ومنتخبًا. وربحنا الأمل، ومن يربح الأمل، لا يُهزم أبدا.


رغم خسارة كأس أمم إفريقيا 2025 على أرض المغرب، فإن الشعور الغالب شيء أعمق وأصدق، الإحساس بأننا ربحنا منتخبًا حقيقيًا، ولاعبين وأطرًا مغربية صرفة، يحملون القميص الوطني بوعي ومسؤولية، ويجسّدون معنى الانتماء في زمن صارت فيه كرة القدم أكثر من مجرد نتائج. الخسارة في النهائي – أو في أي محطة حاسمة – جزء لا يتجزأ من منطق المنافسة الرياضية. الكأس لا يرفعها سوى منتخب واحد، لكن القيمة لا تُقاس دائمًا بالميداليات. أحيانًا، يكون الربح الحقيقي هو ما يُزرع في الذاكرة الجماعية، لحظات الفرح، نبض الشارع، الدموع المختلطة بالأمل، والإحساس بأن هذا المنتخب يشبهنا، يتكلم لغتنا، ويتنفس أحلامنا. هذا المنتخب المغربي، في نسخة 2025، لم يكن فريقًا عابرًا. كان مشروعًا. لاعبون شبّان، أطر تقنية وطنية، روح جماعية واضحة، وانضباط تكتيكي يعكس عملًا طويل النفس. رأينا منتخبًا يلعب بثقة، لا بعقدة النقص، يواجه الكبار دون خوف، ويصنع فرصه بجرأة، حتى عندما تعاند التفاصيل.
لن نحزن، ولن نذرف الدموع، سنتذكر الأيام التي أبهجتمونا فيها، تلك المباريات التي جعلت المقاهي تمتلئ، والبيوت تصمت، والقلوب تخفق على إيقاع تمريرة أو تسديدة. سنتذكر كيف أدخلتم الفرحة إلى قلوب الأطفال، وكيف أعطيتم للشباب سببًا إضافيًا للإيمان بأن العمل الجاد يؤتي ثماره، حتى إن تأخر التتويج.
أنتم مصدر فرحتنا لأنكم قاتلتم دائمًا. لأن القميص لم يكن ثقيلاً عليكم، ولأنكم لعبتم بعقل وقلب، لا باستعراض فارغ. كرة القدم في جوهرها حكاية إنسانية انتصار، هزيمة، سقوط، نهوض. وأنتم اخترتم طريق النهوض. الأهم من كل ذلك أن هذا المنتخب مغربي في روحه ومرجعيته. أطر وطنية تعرف خصوصية اللاعب المغربي، وتفهم سياقه النفسي والثقافي، ولا تشتغل بمنطق الحلول السريعة. هذا ربح استراتيجي حقيقي، لأن بناء كرة قدم يتم بتراكم الخبرة المحلية، وتثمين الكفاءات الوطنية.
إلى اللاعبين نقول، استمروا في العطاء. لا تنظروا إلى الخلف، ولا تصغوا إلى أصوات الإحباط التي تظهر عادة بعد كل خسارة. هؤلاء لا يرون إلا النتيجة النهائية، ولا يفهمون أن كرة القدم مسار طويل، وأن المنتخبات الكبيرة تُبنى بالهزائم بقدر ما تُبنى بالانتصارات. المستقبل لكم، ولنا، وللمغرب. ما رأيناه في كأس إفريقيا 2025 ليس نهاية حلم، هو بدايته. جيل يتشكل، تجربة تتراكم، وثقة تنمو بين المنتخب وجماهيره. وهذا، في حد ذاته، كأس لا يُرفع، لكنه يُحمل في القلوب. خسرنا مباراة، نعم. لكننا ربحنا منتخبًا. وربحنا الأمل. ومن يربح الأمل، لا يُهزم أبدًا. لا بدّ من توسيع دائرة الحزن، بوصفه موقفًا أخلاقيًا من عالم يختزل المعنى في لوحة نتائج، ويقيس الكرامة بعدد الأهداف. إنّ الحزن هنا ليس على خسارة مباراة، فالمباريات تُخسر وتُربح، وإنما على خسارة أعمق من ذلك بكثير، خسارة القدرة على التمييز بين الرياضة كفعل إنساني نبيل، وبين تحويلها إلى ساحة لتصفية الأحقاد وتفريغ الضغائن المتراكمة. أنا حزين لأن بعضهم لا يرى في الملعب سوى فرصة للشماتة، لا مساحة للفرح المشترك، ولا درسًا في الروح الرياضية. حزين لأن الهزيمة عندهم ليست لحظة تأمل، بل مادة للاحتفال بسقوط الآخر، وكأن انتصارهم لا يكتمل إلا حين ينكسر غيرهم. هنا تتحول الكرة من لعبة إلى خطاب، ومن تنافس شريف إلى مرآة تعكس ما في النفوس من سواد مكتوم. إنّ من يفرح لهزيمة بلدٍ كامل، لا يهزم فريقًا بل يهزم نفسه أولًا. لأنه يعلن، دون أن يدري، أنّ فرحه مشروط بألم غيره، وأن ابتسامته نابعة تعثّر الآخر. وهذا أخطر أشكال الفقر الرمزي، أن تحتاج إلى سقوط غيرك كي تشعر بوجودك.
لسنا أوهام قوة، ولا ندّعي الكمال. نعرف أنّ الرياضة لحظة عابرة في تاريخ الشعوب، وأنّ الانتصار الحقيقي لا يُقاس بصافرة حكم، ولكن بقدرة المجتمع على تحويل الخسارة إلى درس، والنجاح إلى تواضع. أما من ينتظر هزيمتنا ليصفّق، فنقول له بهدوء لا يخلو من مرارة، إنّ الزمن لا يسير في خط واحد، واليوم الذي تفرح فيه قد يكون غدًا يوم صمتك. لا تفرحوا كثيرًا، لأن الدنيا دوّارة، ولأن المنطق نفسه الذي جعلكم تشمتون اليوم، سيجعل غيركم يشمت غدًا. والفرق الوحيد هو، هل سنكون نحن حينها قادرين على الفرح دون حقد، أم سنسقط في الفخ ذاته؟، الحزن الذي نحمله ليس ضعفًا ولا أملا فقودا، ولكنه وعيٌ بأنّ الأوطان أكبر من مباراة، وأنّ الانتماء الحقيقي يُقاس بقدرتنا على أن نختلف دون أن نكره، وأن ننافس دون أن نُلغِي إنسانية الآخر.
في تتمّة هذا المعنى، يصبح من العبث أن نختزل الحكاية في خسارة مباراة أو ضياع كأس. فالتاريخ لا يُكتب بالنتائج العابرة، ولا تُقاس الأمم بعدد الألقاب فقط، وإنما بما راكمته من منجزات صامتة، ثابتة، تمتد في الزمن وتتجاوز لحظة الفرجة. نعم، خسرنا مباراة، وربما خسرنا بطولة، لكننا ربحنا ما هو أعمق وأبقى، ربحنا رؤية، وربحنا مسارًا، وربحنا بلدًا يتقدّم بخطى واثقة نحو المستقبل. لقد ربحنا مشاريع قائمة على الأرض، لا تعيش في الخيال ولا في الشعارات. طرقًا سيارة تشق الجغرافيا وتختصر المسافات، ملاعب لا تُفتح فقط للمباريات، فنادق وبنيات سياحية تستقبل الزائر بوجه مضيء، ومنشآت رياضية وثقافية تؤكد أن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في الحجر. هذه شواهد على وعي جماعي بأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بالتصفيق ولا بالتلفيق، ولكن بهمم الرجال الأحراء والنساء الحرائر وبالاستمرارية. وربحنا قبل ذلك قلوب من زارونا. ربحنا نظرات إعجاب صادقة، وكلمات احترام خرجت من أفواه لم تكن مجبرة على المجاملة. ربحنا صورة بلد يعرف كيف ينظم، كيف يستقبل، وكيف يحوّل التحدي إلى فرصة. وهذه، في ميزان الأمم، عملة نادرة تُكتسب بالعمل والصدق والانفتاح. فمن أحب المغرب لأنه رآه بعينيه، لن تغيّر رأيه خسارة فريق، ولن تمحوه نتيجة مباراة.
وفي المقابل، خسرنا بعض الوجوه الكالحة، وبعض الأصوات النشاز، وبعض القلوب الطائشة التي لم تكن يومًا معنا حقًا. خسرنا من كانوا يتربصون بنا، ينتظرون تعثّرنا ليكشفوا ما أخفوه طويلًا من غدر وحسد وضيق أفق. لكن خسارتهم هي، في العمق، عملية تنقية مؤلمة لكنها ضرورية. فليس كل من ابتسم لنا كان محبًا، وليس كل من صمت كان محترمًا. وقد تمهّلنا كثيرًا، لا ضعفًا، ولا خوفا، ولكن من نبع أخلاقنا، إلى أن أعلنوا هم بأنفسهم مواقعهم، وكشّروا عن أنيابهم، فبانت الحقيقة بلا عناء. نحن لهم محبّون، لأننا نرفض أن نتحوّل إلى نسخ منهم. نحب بلدنا بما فيه من صبر وحكمة وتعدّد وحتى نقصان، ونؤمن أن الرقي الحقيقي لا يظهر في لحظة الانتصار فقط، ولكن في كيفية التعامل مع الخسارة. من يملك مشروعًا لا يخاف من سقطة، ومن يملك رؤية لا تهزّه شماتة. لسنا في سباق إثبات ذات أمام أحد. منجزاتنا تتكلم عنا، وبنياتنا تشهد لنا، ومجتمعنا، رغم كل نقائصه، يبرهن في كل محطة أنه قادر على التعلم والتجاوز. أما الذين لا يرون في كل ذلك إلا مباراة خاسرة، فهم أسرى نظرة ضيقة، تحصر معنى الوطن في تسعين دقيقة، وتختزل كرامة الشعوب في نتيجة عابرة. لهذا نقول بهدوء الواثق، نعم، خسرنا مباراة، لكننا ربحنا طريقًا أطول وأصدق. ربحنا احترام من يفهمون أن بناء الأوطان عمل تراكمي لا يخضع لمنطق الربح والخسارة السريعة. وخسرنا، في المقابل، أوهامًا وأقنعة وأشخاصًا لم يكونوا يستحقون سوى النسيان. وذلك، في حد ذاته، انتصار آخر لا يُرفع له كأس، لكنه يُرسّخ وطنًا.
خسرنا مباراة، وربحنا أنفسنا أولًا وأخيرًا، حين اكتشفنا أن القوة الحقيقية لا تُستعار من نتيجة، هي تنبع من الداخل، من عمق الداخل. ربحنا وعينا بذاتنا الجماعية، وبقدرتنا على الوقوف صفًا واحدًا عندما يُختبر المعنى، لا عندما تُوزَّع الميداليات. في لحظات الشدّة تتعرّى الشعوب، ونحن تعرّينا فبدونا أكثر تماسُكًا، أكثر صدقًا مع أنفسنا، وأكثر إيمانًا بأن ما يجمعنا أعمق بكثير مما قد يفرّقنا. وربحنا تلاحمنا، ذلك الخيط غير المرئي الذي شدّ القلوب من طنجة إلى الكويرة، شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا. تلاحم لم تصنعه دعوة رسمية ولا شعار عابر، ولكن غذّته لحظة وعي جماعي بأن الوطن ليس جغرافيا فقط، هو شعور مشترك ومسؤولية متبادلة. في تلك اللحظة، تساوت الأصوات، وتلاشت الفوارق، وصار الانتماء لغة واحدة يتكلم بها الجميع دون ترجمان. وربحنا ارتباطنا مع كافة مكونات المجتمع المغربي، بتنوّعه واختلافه وغناه الإنساني. ربحنا تلك القدرة الفريدة على أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن ننتقد دون أن نخوّن، وأن نحزن دون أن ننهار. وهذا في حدّ ذاته إنجاز أخلاقي نادر في زمن تكسّرت فيه جسور الثقة داخل مجتمعات كثيرة، وانشغلت شعوب أخرى بتمزيق نفسها بدل بناء ذاتها.
نعم، ربحنا الحب والاعتزاز، كقيم معيشة تتجلى في التفاصيل الصغيرة،في استقبال الزائر، في مساندة بعضنا بعضًا، في الدفاع عن صورة بلدنا بهدوء الواثق لا بعصبية الخائف. ربحنا احترامنا لأنفسنا، ومن يحترم نفسه يفرض احترامه على غيره دون ضجيج. بهذا المعنى، لا تبدو الخسارة إلا محطة عابرة في مسار أطول. فما ربحناه يُقاس فقط بترسيخ إحساس جماعي بأننا قادرون على تحويل اللحظات الصعبة إلى لحظات وعي، وأن نخرج من كل اختبار أكثر قربًا من بعضنا، وأكثر التصاقًا بقيمنا. ذلك هو الفوز الحقيقي، أن نربح أنفسنا، وأن نحافظ على وحدتنا، وأن نمضي إلى الأمام بقلوب مطمئنة، مهما تغيّرت النتائج.
ضربة جزاء واضحة لا لبس و لا غبار عليها ، فكانت بمثابة ريح أزاحت ورقة التوت لتكشف لنا عن حقيقة ما يخبؤه منتخب سنغالي ضخموه، فتبين لنا مدى خبثهم ومنطق المؤامرة الذي تبناه هذا المنتخب، ولا سيما المدرب، لمحاولة التشويش على عرس كروي افريقي عالمي استثنائي نظمه . المغرب وهكذا تمت سرقة الحلم المغربي، فهنيئا لمنتخب السينغال هذا الفوز المسروق. وهنا أسأل متى أصبح الخبث ومنطق المؤامرة جزءا من التيرانغا؟
ولكن معليش، لم نتمكن من تحقيق الفوز بالكأس، لكننا
تمكنا من تحقيق ما هو أكبر من ذلك الكأس. تجهيزات وبنيات رياضية فوق عالمية واكتسبنا ثقة واحترام نزهاء وحكماء العالم، واكتسبنا ميزة كبيرة أخرى هو أن المغرب أصبح مدرسة كروية فريدة ومدرسة متقدمة جدا في مجال التنظيم واكتسبنا فريقا كبيرا. وسحقا للحاقدين الحاسدين العدميين المتصيدين للأخطاء أعداء النجاح والتميز.