كأس أمم إفريقيا 2025 في المغرب: كرة القدم تبقى كرة، وكلّ ما عداها إمّا إنسانيّة تُصان، أو ثرثرة تذروها الرياح.

مع تنظيم نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، وهو حدث يتجاوز في دلالاته حدود المستطيل الأخضر، ليلامس أسئلة أعمق تتعلّق بصورة إفريقيا عن نفسها، وبطبيعة العلاقات بين شعوبها، وبالطريقة التي نحتفي بها بالانتصار ونتعامل بها مع الهزيمة. فإمّا أن تكون هذه التظاهرة فرصة تاريخيّة لرأب الصدع بين أبناء القارّة، وإمّا أن تتحوّل – لا قدّر الله – إلى لحظة نشوة كاذبة يتّسع فيها الجرح بدل أن يلتئم، وتُستدعى فيها العصبيّات بدل أن تُستثمر قيم التعايش، طبعا كرة القدم، في ظاهرها، لعبة بسيطة، اثنان وعشرون لاعبًا، كرة واحدة، مرميان، وزمن محدّد. لكنّها في عمقها ظاهرة ثقافيّة واجتماعيّة ونفسيّة معقّدة. لقد تحوّلت عبر العقود إلى لغة عالميّة، وإلى مسرح تُعرض عليه أحلام الشعوب وإحباطاتها، وإلى فضاء تُسقَط عليه الهويّات الوطنيّة والقوميّة، وأحيانًا النزعات العدائيّة المكبوتة.

في إفريقيا، على وجه الخصوص، تُشاهَد كرة القدم بوصفها أحد المتنفّسات القليلة التي يشعر فيها المواطن البسيط بأنّ له مكانًا على خريطة العالم. ولهذا، فإنّ أي بطولة قاريّة لا تكون مجرّد منافسة رياضيّة، وإنما لحظة رمزيّة مشحونة بالعاطفة والتوقّعات والرهانات. غير أنّ الخطورة تكمن حين تتحوّل هذه الرمزيّة إلى عبء: حين يصبح الفوز ذريعة للتعالي، والهزيمة سببًا للعداء، وحين يُستبدل الاحتفال بالخصومة، والفرح بالشماتة. إنّ اختيار المغرب لتنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 يحمل معنى حضاريًّا عميقًا. فالمغرب بلدٌ تشكّلت هويّته عبر قرون من التعدّد الثقافي واللغوي والديني، وكان دائمًا نقطة التقاء بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي والأندلس. وهذه الخصوصيّة تمنحه فرصة نادرة ليقدّم نموذجًا مختلفًا في كيفية إدارة حدث رياضي كبير: نموذج يقوم على الضيافة قبل المنافسة، وعلى الأخلاق قبل النتائج. أن تحلّ المنتخبات الإفريقيّة بالمغرب ضيوفًا، فهي دعوة أخلاقيّة، أن نكون جميعًا “ضيوفًا نظفاء”، نغادر المكان كما دخلناه، بل نغادره وقد تركنا أثرًا طيّبًا، كما لو أنّنا غرسنا شجرًا في أرض الآخر لا شوكًا في قلبه. فالمباريات ستنتهي، والكؤوس ستُرفع، والصور ستُعلّق، لكنّ الذي يبقى في الذاكرة الجمعيّة للشعوب هو أسلوب التعامل، ونبرة الخطاب، وطريقة الاحتفال، وحدود الانفعال.

من المسلّم به أنّ كرة القدم تقوم على الصراع المشروع، صراع تكتيكي، بدني، نفسي، في إطار زمني واضح ومحدود. تسعون دقيقة، وربّما مئة وعشرون، وربّما ضربات ترجيح تحبس الأنفاس. في هذا الزمن فقط يُسمح للخصومة أن تبلغ ذروتها، وللتوتّر أن يبلغ أقصاه، وللجمهور أن يصرخ ويغضب ويفرح. لكنّ المشكلة تبدأ حين يمتدّ هذا الصراع خارج زمنه الطبيعي، حين يخرج من حدود الملعب ليغزو الشارع، ومن حدود التشجيع ليغزو الكراهية، ومن حدود المنافسة ليغزو الإهانة. هنا بالضبط يتحوّل التشوّه إلى صراع حقيقي، وتتحوّل اللعبة إلى ذريعة للانقسام بدل أن تكون وسيلة للتلاقي. إنّ الأصحّ، كما تقول الحكمة الأخلاقيّة البسيطة، أن ينتهي كلّ شيء بانتهاء صافرة الحكم الأخيرة. بعدها ينبغي أن يعود الجميع إلى إنسانيّتهم المشتركة: لاعبين كانوا أم جماهير، فائزين أم مهزومين. فالكأس لا تساوي تمزيق الأواصر، والهدف لا يبرّر كسر القلوب.

ليس مطلوبًا من الشعوب أن تكبت فرحها حين تفوز منتخباتها، فالفرح حقّ إنساني مشروع، وهو جزء من جمال الرياضة. غير أنّ الخط الفاصل بين الفرح والتعالي رفيع جدًّا. فحين يتحوّل الفرح إلى سخرية من الآخر، أو إلى استعراض للقوّة، أو إلى تذكير بالهزيمة بطريقة جارحة، فإنّه يفقد طهره ويصير نشوة كاذبة. إنّ النشوة الحقيقيّة هي تلك التي تتّسع للآخر، لا التي تُقصيه. هي التي تقول: “فزنا اليوم، لكنّنا نلتقي غدًا”، لا التي تقول: “فزنا إلى الأبد، وأنتم إلى الهامش”. وفي قارة كإفريقيا، ما تزال تعاني من آثار الاستعمار والانقسامات والهشاشة الاقتصاديّة، لا نملك ترف تحويل لحظات الفرح القليلة إلى أسباب إضافيّة للتباعد.

يمكن لكأس أمم إفريقيا 2025 أن تكون أكثر من بطولة، يمكن أن تكون مشروعًا رمزيًّا لإعادة بناء الثقة بين الشعوب الإفريقيّة. كيف ذلك؟ أولًا، عبر الخطاب الإعلامي. فبدل لغة التحريض والتهويل، نحتاج إلى لغة التهدئة والتذكير بالروابط المشتركة: التاريخ، المعاناة، الحلم بمستقبل أفضل. ثانيًا، عبر سلوك الجماهير. فالمشجّع هو سفير غير رسمي لبلده. حين يصفّق لخصمه بعد مباراة جميلة، فهو يقدّم صورة راقية عن وطنه أكثر ممّا تفعل عشرات الخطب السياسيّة. ثالثًا، عبر سلوك اللاعبين أنفسهم. فاللاعب اليوم قدوة للشباب أكثر من أي شخصية أخرى. مصافحة بعد المباراة، تبادل القمصان، كلمات احترام في التصريحات الصحفيّة… كلّها تفاصيل صغيرة تصنع فارقًا كبيرًا في الوعي الجمعي.

المشكلة الكبرى في مقاربتنا للرياضة – وفي حياتنا عمومًا – هي هيمنة منطق “الغلبة”، أن ننتصر بأي ثمن، أن نثبت تفوّقنا ولو على حساب العلاقات الإنسانيّة. في المقابل، هناك منطق أرقى وأعمق، منطق “الأثر الطيّب”. أن نغادر المكان وقد تركنا ذكرى جميلة، لا خوفًا ولا ضغينة. ما أجمل أن تُذكر كأس أمم إفريقيا 2025 في المغرب بفضل روحها، بكونها دورة الاحترام المتبادل، ودورة المصافحات الصادقة، ودورة الجماهير التي غنّت للفرح دون أن تجرح أحدًا.فكما يُقال في الحكمة القديمة، “ازرع شجرة حيثما حللت”، وكذلك ينبغي أن نفعل في كلّ مدينة إفريقيّة نزورها، وفي كلّ ملعب ندخله: نزرع شجرة ودّ، لا شوكة تعصّب.

إنّ إفريقيا التي نحلم بها ليست تلك التي تنتصر فقط في الملاعب، هي التي تنتصر على انقساماتها، وعلى نزعاتها القبليّة والجهويّة، وعلى وهم التفوّق القائم على إهانة الآخر. إفريقيا التي نريد هي قارة تدرك أنّ قوتها الحقيقية ليست في عدد كؤوسها، بل في قدرتها على تحويل التنافس إلى تعاون، والاختلاف إلى غنى، والرياضة إلى مدرسة للأخلاق. ومن هنا، فإنّ كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، امتحان أخلاقي جماعي، هل سننجح في أن نكون شعوبًا ناضجة تحتفل دون أن تُهين، وتنافس دون أن تعادي، وتفرح دون أن تنسى أنّ الآخر شريك في الحلم لا عدوّ في الطريق؟
ستُطلق صافرة البداية، وستُسجّل الأهداف، وسترتفع الأصوات، ثمّ ستنتهي البطولة كما انتهت كلّ البطولات من قبل. لكنّ الذي لن ينتهي بسهولة هو الأثر الذي نتركه في النفوس. إمّا أن نترك أثرًا طيّبًا يشبه غرس الشجر، وإمّا أن نترك ندبة جديدة في جسد قارة أنهكتها الندوب، فلنجعل من كأس أمم إفريقيا 2025 في المغرب لحظة وعي لا لحظة غرور، وجسرًا لا جدارًا، وذاكرةً جميلة لا جرحًا مفتوحًا. فالكُرة تبقى كرة، وكلّ ما عداها إمّا إنسانيّة تُصان، أو ثرثرة تذروها الرياح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى