شريطِ “المطرود من رحمة الله”لهشام العسري: بين سطوةِ القاعاتِ وسؤالِ الحريّات، ونداءِ الفنِّ بين المنعِ والثبات


حُكِيَ – أيها السامعون والقراء المشاهون، ورويَ – يا معشر المتأملين – أنه في عام ألفين وستةٍ وعشرين، أن قاعاتٍ السينما بالمغرب كانت تضجّ بالأنوار، وتستدير فيها الأبصار، وتتلاقى عند أبوابها الأقدام كما تتلاقى الأمواج على شاطئٍ مستطاب؛ فإذا بها، في طرفة عينٍ وانقلاب حين، قد أطبقت أبوابها دون شريطٍ “المطرود من رحمة الله” ، كأنما نُودي عليه بالمنع بعد الإباحة، وبالهجر بعد المصافحة. والشريط من صنعة رجلٍ عُرف بحدة النظر، ونفاذ الفكر، يُقال له هشام العسري، قد أطلقه في الآفاق، وبثّه في القاعات، رجاء أن يجد له موضعًا بين أفئدة النظّار، ومقامًا في حضرة الأبصار. فما لبث إلا أسبوعين، حتى انقلبت له الوجوه، وتنكّرت له القاعات، وسُحب سحب الغريب من وطنه، والمطرود من مألفه وسكنه. فهاجت لذلك ألسنة، واضطربت له أذهان، ودارت بين القوم مناظرات كأنها سوق عكاظ، كلّ يدلي بحجته، ويستعرض بضاعته. فقال قائل: “إنما هي أحوال التوزيع”، وقال آخر: “هو ضيق صدر السوق”، وقال ثالث: “إنما هي حرب خفية على سينما المؤلف، تُخاض في صمت، وتُدار في خفاء”.

فأما صاحب الشريط، فإنه لم يقف موقف العاجز المستكين، بل انتصب كخطيبٍ في محفل، وقال قول من فهم وخَبَر، وعرف وخَبِر: إن “القاعات – يا قوم – قد استبد بها الخوف من هذا الضرب من الفن، واستوحشت من كل ما لا يدرّ ذهبًا، ولا يجلب جمهورًا كالسيل إذا انحدر. فهي – وإن لبست ثوب العرض – تمارس ضربًا من “القرصنة”، إذ تأخذ ولا تعطي، وتعرض ولا تنصف، وتفتح الباب وهي تُضمر الإغلاق”. وزاد فقال: “إذا جادلت القائمين عليها، وجدتهم أسرى منطقٍ واحد، لا يحيدون عنه قيد أنملة، ولا يلتفتون إلى سواه التفاتة عين؛ هو منطق الربح الجماهيري، الذي يزن الأعمال بميزان العدد، ويقيسها بمقياس الشباك، لا بمقياس الفن ولا بمقدار الفكر. فكأن السينما عندهم سوق نخاسة، لا يُقبل فيها إلا ما اشتدّ صوته، وكثر روّاده، وتهافتت عليه الجموع”. ثم كشف المستور، وفضح المحجوب، فقال: “إن الأفلام التي لا تسير في ركاب التجارة، ولا تلبس لباس الكوميديا الشعبية، تُرمى إلى أوقاتٍ كأنها المنفى، فتُعرض في صباحاتٍ خافتة، أو ليالٍ متأخرة، حيث لا عين ترى، ولا أذن تصغي. فكيف يُرجى لها نجاح، أو يُنتظر لها رواج، وقد حُبست في زوايا الإهمال، وأُقصيت إلى أطراف الجدول؟”.

وإن قال قائل: “أليس في البلاد نظام حصصٍ يُنصف الإنتاج الوطني؟”، قلنا: “بلى، ولكنه كالسيف في يد من لا يُحسن الضرب، أو كالدواء في يد من لا يُجيد التطبيب؛ لا يضمن عدلًا، ولا يُحقق توازنًا، ما لم تُصحبه إرادة، ويُسانده وعي، ويُفعّله ضمير”. ثم دعا الرجل إلى أمرٍ لو وُضع في موضعه، لاعتدل الميزان، واستقام الشأن؛ ألا وهو تدخل الدولة، لا تدخّل الرقيب المتسلط، بل تدخّل العاقل المُصلح، الذي يُقيم التوازن بين تجارةٍ لا غنى عنها، وفنٍّ لا حياة بدونه. فإن الاقتصار على السينما التجارية – كما قال – يُفضي إلى مسخ الهوية، ويجعل الفيلم المغربي نسخةً باهتة من أعمالٍ وافدة، تُلبّس ثوب “العائلة” حينًا، و”النظافة” حينًا، وهي في حقيقتها لا تُغني فكرًا، ولا تُثري ذوقًا. وشدّد – فتح الله بصره في السينما – على أن في الأمة جمهورًا لا يُستهان به، يُقال له “السينيفيليون”، يطلبون من السينما ما يُحرّك العقل، ويُزعزع المسلّم، ويُثير السؤال قبل أن يمنح الجواب. فهؤلاء إن لم يجدوا ضالتهم في القاعات، التمسوها في الأزقة، أو شدّوا الرحال إلى منصاتٍ أخرى، تاركين القاعات لِمَن يضحك بلا فكر، ويصفّق بلا نظر.

ولم يخلُ الأمر من مفارقةٍ عجيبة، تُضحك من بكى، وتُبكي من ضحك؛ إذ إن الشريط المطرود من القاعات، قد وُجد له مقامٌ كريم في جولةٍ عُرض فيها بشراكة مع المعهد الفرنسي، فازدحمت له المدن، وتوافدت عليه الجموع في طنجة وتطوان ومراكش والدار البيضاء، حتى اضطُر القوم إلى زيادة العروض، كأنما القاعة التي لفظته أولًا، قد ندمَت على فراقه، ولكن بعد فوات الأوان. فقال العسري عندئذ: “هذا دليلٌ بيّن، وبرهانٌ ساطع، على أن في الناس من يطلب سينما السؤال، لا سينما الجواب، ومن يشتهي القلق الفني، لا السكون المزيّف”. ثم عرج على أمرٍ أثار ضجة، وكاد يكون حديث المجالس، وهو عنوان الشريط: “المطرود من رحمة الله”. فقال: إن “قومًا حملوه على ظاهره، وربطوه بما لا صلة له به، حتى زعم بعضهم أنه ‘”’شكر للشيطان‘”’! وما هو – والله – إلا عنوانٌ ذو دلالة نفسية، وإشارة فنية، لا تُفهم إلا في سياقها، ولا تُدرك إلا في إطارها. غير أن الخوف – إذا استبدّ – أعمى البصيرة، وجعل من الظن يقينًا، ومن التأويل حقيقة”. حتى بلغ الأمر ببعض القاعات أن اقترحت حذف النسخة الإنجليزية من الملصق، كأنما الحروف الأجنبية أشد خطرًا من المعاني العربية، أو كأنما العنوان إذا تُرجم، انقلب شيطانًا ماردًا!.

وختم الرجل كلامه بخلاصةٍ تُكتب بماء العين، لا بحبر القلم، فقال: إن الإشكال ليس في رقابةٍ صريحة، تُمنع وتُجيز، وتُعلن وتُخفي، بل في ثقافةٍ سائدة، يحملها بعض الفاعلين في هذا القطاع، تفتقر إلى الشغف، وتعوزها المعرفة، وتقوم على منطق الربح الخالص، كأنما السينما عندهم تجارة بلا رسالة، وصناعة بلا روح. ثم دعا – في ختام مقامه – الشباب إلى اقتحام غمار التجربة، وخوض لجج الفن بلا خوف، فإن الاختلاف – يا قوم – سنة الحياة، وملح النقاش، وبه تحيا المجتمعات، وتزدهر الثقافات. فهذه – يا أولي الألباب – حكاية شريطٍ طُرد من القاعات، فما طُرد من العيون والقلوب، وأُقصي عن الشاشات، فما أُقصي عن العقول؛ ولعل في طرده حياةً له، كما قيل: رُبّ محنةٍ في طيّها منحة، وربّ إقصاءٍ يُفضي إلى بقاء.

وهشام العسري يا صاح، رجلٍ من صُنّاع الصورة، وسادنِ الحكاية، اتخذ الفنَّ مِحراثًا، يشقُّ به أرض المألوف، ويستخرج من تربته ما خفي واستتر. لا يُحبّ الطلاء، ولا يأنس بالمساحيق، يعرّي الواقع تعريةَ الصادق، ويعرضه على مرآةٍ لا تكذب ولا تُجامل. فإن نظر، قلب الموازين، وإن كتب، نقض القواعد، وإن صوّر، خالف العادة، حتى كأنما السينما عنده مقامُ سؤالٍ لا مقامُ جواب، وميدانُ قلقٍ لا بساطُ سكون. يجتهد في عمله اجتهاد من يطلب الكمال، ويُفتّش في الصورة والأسلوب تفتيشَ من ضلّ له كنزٌ في الرمال، لا يملّ التنقيب، ولا يرضى بالقليل. لا يهاب عينَ مشاهدٍ متعجّل، ولا يلتفت إلى دربةِ ناقدٍ متحذلق؛ يقول كلمته ثم يمضي، ويقتنص صورته ثم يقضي، كأنما الريح تحمله، أو كأنما النداء يناديه من أفقٍ بعيد. يرى الجمال في القبح إذا انكشف، ويُبصر القبح في الجمال إذا تزيّن، فيجمع بين الضدّين جمع العارف، ويصوغ منهما صورةً تُحيّر الناظر، وتوقظ الفكر، وتستفزّ الحسّ. رجلٌ جعل من الفن مغامرة، ومن الرؤية رسالة، ومن الاختلاف سبيلاً إلى البقاء.

عجبتُ – يا ذوي الألباب – من قومٍ يضيق صدرهم بصورةٍ على شاشة، ويتسع صدرهم لصورٍ في الشوارع لا يُحتمل وقعها على سمعٍ ولا بصر؛ يرون في الخيال رجسًا، وفي الواقع ألف رجسٍ فلا ينكرون. ما الضير – يا قوم – في مشهدٍ يعكس قبحًا قائمًا، إن كان القصدُ كشفه لا تزيينه، وفضحه لا تبريره؟، أليس المرآةُ إن أظهرت الشعثَ في الوجه أولى بالشكر من تلك التي تُخفيه بالطلاء؟، لقد ألفنا – من طول العهد – مشاهد تُقشعر لها الأبدان، عنفٌ مُستتر، وابتذالٌ مُعلن، وكلماتٌ تخدش الحياء، وأفعالٌ تُنكرها الفطرة. ثم إذا جاءت شاشةٌ تُحاكي هذا الواقع، صرخنا، حاشا وألف حاشا! كأننا نرفض أن نرى ما نفعله، ونستبشع أن يُقال لنا، “هذا أنتم”. ولعمري، إن هذا إلا نقيصةُ عقل، إذ نُطبع على اليومي حتى نستأنس به، ثم نستنكر صورته حين تُعرض علينا بلا أقنعة. إنما الفن – يا سادة – ليس مُعقّمًا يُقدّم للأنفس ما تشتهي فحسب، هو مشرطٌ يُبضع، ومصباحٌ يُنير، ومرآةٌ تُجلي. نحن نعيش في النور لنطهّر الظلام، لا لنستره؛ وهم – عفا الله عنهم – يريدون أن يعيشوا في الظلام ليطهّروا النور، فيقلبون المقاييس، ويجعلون العلّةَ دواءً، والدواءَ علّة. وما هشام العسري إلا نافذةٌ تُفتح على المسكوت عنه، وجرسٌ يُوقظ فينا أسئلةً أُخمدت، وطريقٌ إلى أن نرى أنفسنا كما هي، لا كما نُحب أن نُرى. قد يُوجع النظر في تلك المرآة، ولكن الوجع أولُ العلاج؛ وقد يزعجنا صدق الصورة، لكن الصدق شرطُ النجاة. فدعوا للشاشة أن تقول، وللفن أن يُجادل، وللعين أن تُبصر بلا خوف؛ فربّ صورةٍ تُقلقنا اليوم، تُصلحنا غدًا، وربّ مواجهةٍ صادقة تُعيد للعقل اعتداله، وللذوق صفاءه، وللمجتمع جرأتَه على إصلاح نفسه.

وعجبتُ – يا ذوي البصائر – ممّن لا يزال يشهر مقصَّ الرقابة في الألفية الثالثة، كأن الزمان عنده لم يتحرّك، وكأن العقول لم تنضج ولم تتبدّل. يحتجّ بحججٍ واهيةٍ كخيوط العنكبوت، ويدعو دعوةً خاويةً كقِربةٍ منهوكة، لا ماء فيها ولا ارتواء. لا يُريد تطويرًا يُحيي، ولا نبشًا في المستقبل يُنير، بل يلوذ بظلّ الكلام الواهن، ويستظلّ بخرقٍ من أقوالٍ بائدة، يردّدها ترديد الببغاء، لا فهمًا ولا دراية. تراه – إن ظهر نورُ فكرٍ – أطفأه، وإن نهض صوتُ فنٍّ – خنقه، يرصد كلَّ متقدّمٍ بعين الحاسد، ويترصّد كلَّ مجتهدٍ بكمين المتربّص، فإذا وجد سبيلاً إلى عرقلته، وضع في طريقه الحجارة، ونصب له العوائق كأنها سدودٌ من كدرٍ وجمود. لا يفرّق بين حريةٍ فوضى، ولا بين نقدٍ وعدوان، بل يجعل الكلَّ في سلّة المنع، ويكسو الخوفَ ثوبَ الغيرة، ويُلبس الوهنَ لباسَ الحِكمة. فذاك – يا قوم – عدوُّ التجديد وإن ادّعى حمايته، وخصمُ المستقبل وإن زعم صيانته؛ لا يرى في الاختلاف إلا خطرًا، ولا في السؤال إلا فتنة، فأنّى لأمةٍ أن تزدهر، ومثلُ هذا قائمٌ على أبوابها، يحرس الماضي بسيوفٍ من خشب؟.
سعيد العفاسي: صحافي ، ناقد فني

